رفاتك هيتنشر فى الفضاء.. خدمات الموتى تنتقل خارج الكوكب مقابل آلاف الدولارات

في عالم يتغير بسرعة ويتجاوز حدود الخيال العلمي يومًا بعد يوم، أصبحت فكرة إرسال رفات الإنسان إلى الفضاء ليست مجرد لقطة من فيلم أمريكي أو قصة من روايات الخيال العلمي، بل خدمة واقعية تقدمها بالفعل شركات فضائية عالمية، وبأسعار تصل إلى آلاف الدولارات. وبينما يبحث البعض عن طرق تقليدية لتكريم أحبائهم بعد الوفاة، بدأ آخرون يبحثون عن “نهاية مختلفة” تتجاوز حدود الأرض، نهاية تحمل في داخلها معنى رمزيًا: “العودة إلى الكون”.
ورغم غرابة الفكرة عند البعض، إلا أنها وجدت طريقها إلى قلوب كثيرين يتطلعون لتخليد ذكرى أحبائهم بطريقة “كوزمية”، تبدأ من الفضاء وتنتهي في المدار أو حتى في أعماق الفضاء السحيق. وبين الحلم العلمي والبعد العاطفي، تتحول هذه الخدمة إلى صناعة جديدة تمتد بين التكنولوجيا، وعلم الفضاء، والاحتياجات الإنسانية.
خدمات الدفن الفضائى.. كيف بدأت الفكرة؟
بدأت بوادر الفكرة في منتصف التسعينيات عندما حاولت شركات فضائية صغيرة خلق “بديل رمزي” لدفن الموتى. ومع التطور الهائل في تقنيات الإطلاق، وانخفاض تكاليف الرحلات الفضائية، أصبحت الفكرة عمليًا قابلة للتنفيذ. واليوم توجد شركات تخصص رحلات كاملة لنقل أجزاء صغيرة من رفات الأشخاص – عادة بوزن جرامات قليلة – إلى مدار الأرض أو حتى إلى القمر.
تعد شركة “سليستيس” Celestis الأمريكية واحدة من أوائل الشركات التي قدمت خدمة الدفن الفضائي، حيث حملت بواكير رحلاتها رفات مشاهير من بينهم عالم الفلك الشهير يوجين شوماكر، وأحد ممثلي مسلسل Star Trek. ومنذ ذلك الحين، أصبح إرسال رفات البشر إلى الفضاء خدمة متاحة لمن يستطيع تحمل تكلفتها.
كيف تتم عملية إرسال الرفات إلى الفضاء؟
العملية تتم بدقة شديدة، وتبدأ باستخراج كمية صغيرة من رفات الشخص المتوفى، سواء كانت رمادًا ناتجًا عن الحرق أو رفاتًا محفوظًا. يتم وضع هذه العينة في كبسولة صغيرة آمنة، وتُحفظ داخل حجرة مخصصة على متن مركبة فضائية يتم إطلاقها في موعد محدد.
بعد الإطلاق، تختلف مسارات الرحلة حسب نوع الخدمة:
– خدمة “المدار الأرضي”: حيث تدور الكبسولة حول الأرض لسنوات قبل أن تعود وتحترق في الغلاف الجوي.
– خدمة “إرسال للفضاء السحيق”: حيث تنطلق الكبسولة في مسار يجعلها تسبح في الفضاء إلى أجل غير مسمى.
– خدمة “القمر”: حيث يتم إنزال الرفات على سطح القمر في حاويات صغيرة.
كل خدمة لها تكلفتها، ولها أيضًا رمزيتها الخاصة. فالدوران حول الأرض يُعطي إحساسًا بـ “البقاء في حضن الكوكب”، بينما يعتبر البعض أن الوجود على القمر هو “خلود كوني”، أما الطيران في الفضاء السحيق فهو إعلان عن “تحرر الروح من حدود العالم”.
كم تبلغ تكلفة إرسال الرفات إلى الفضاء؟
الأسعار تختلف بشكل كبير حسب المسار والجهة المنفذة، لكنها عادة تقع بين:
– من 2500 إلى 5000 دولار: رحلة منخفضة المدار تدور حول الأرض.
– من 12 ألف إلى 25 ألف دولار: رحلة نحو القمر.
– من 30 ألف إلى 50 ألف دولار: إرسال الرفات إلى الفضاء السحيق.
هذه الأرقام قد تبدو مرتفعة، لكنها بالنسبة لكثير من العائلات “تكلفة لذكرى لا تتكرر”، و”طريقة تخليد” أكثر شاعرية من المقابر التقليدية، خاصة لدى عشاق الفضاء، العلماء، أو من يجدون معنى روحيًا في العودة للسماء.
لماذا يلجأ البعض لدفن رفاتهم في الفضاء؟
تختلف الأسباب بين الأشخاص، لكنها غالبًا تجمع بين العاطفة والرمزية. أبرز الأسباب:
1. رغبة في “خلود مختلف”
يرى البعض أن رحلتهم في الحياة تستحق نهاية symbolية، وأن رفاتهم في الفضاء ستكون رسالة أمل أو حب أو استمرارية.
2. ارتباط عميق بالفضاء
علماء، باحثون، مهندسون، أو حتى أشخاص عاشوا يعشقون علم الفلك، يشعرون أن الوداع الحقيقي بالنسبة لهم لا يكون تحت التراب، بل بين النجوم.
3. تخليد ذكرى الأحباء
بعض العائلات ترى أن وجود جزء من رفات أحبائها في الفضاء يمنحهم نوعًا من السلام الداخلي.
4. الابتعاد عن طقوس الدفن التقليدية
هناك من يفضلون تجربة “خارج المألوف”، ويعتبرون الدفن الفضائي جزءًا من أسلوب حياتهم المختلف.
التكنولوجيا التي جعلت الأمر ممكنًا
لم يكن ممكنًا قبل سنوات قليلة إرسال رفات إلى الفضاء لولا التطور الهائل في:
– تقليل وزن وحدات الإطلاق
– توسيع سوق الرحلات التجارية
– تطوير كبسولات صغيرة مضادة للإشعاع
– خفض تكلفة الإطلاق عبر صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام
شركات مثل سبيس إكس ساهمت بشكل مباشر في جعل الخدمة “أكثر واقعية”، إذ أجرت عدة رحلات تضمنت حمولات رمزية من رفات بشرية.
خدمة ”وداع خارج الكوكب“: أكثر من مجرد دفن
الشركات التي تقدم هذه الخدمات تعطي العائلات تجربة كاملة تبدأ من الحفل الأرضي، مرورًا بالمتابعة الحية للإطلاق، وحتى الحصول على شهادة رسمية بموقع إطلاق الرفات ومداره.
بل إن بعض الشركات تقدم:
– بث مباشر لإطلاق الصاروخ
– إمكانية تتبع الرفات عبر تطبيق
– الحصول على صورة للموقع المداري
– نسخة رقمية للرحلة
بعض العائلات تعتبر هذه التجربة “مراسم وداع” أكثر شاعرية من الدفن التقليدي.
الجانب الإنساني والفلسفي للدفن في الفضاء
وراء هذه الخدمة تقف فلسفة عميقة. فهي ليست مجرد عملية تقنية، بل مفهوم يدمج بين الحياة والكون.
الإنسان، الذي تكوّن من غبار النجوم وفقًا للعلم، يعود بجزء منه إلى الفضاء.
فكرة “دورة كونية” تجعل الكثيرين ينظرون للأمر بقدسية خاصة.
هناك أيضًا بعد إنساني مهم: العائلات ترى الرفات يودع الأرض بآخر رحلة، رحلة تشبه حلمًا أو قصة خالدة.
انتقادات واسعة.. هل الأمر احترام أم مبالغة؟
بالرغم من الإقبال المتزايد، تواجه الخدمة انتقادات:
– هل إرسال رفات للفضاء يُعتبر استهلاكًا غير ضروري للموارد؟
– هل يمكن أن يتحول الأمر إلى “موضة” تجارية بلا معنى؟
– هل من الأخلاقي إطلاق مواد عضوية في المدار؟
هذه الأسئلة لا تزال محل نقاش، لكن الشركات تؤكد أن الكميات صغيرة جدًا ولا تسبب أي ضرر بيئي أو علمي.
لماذا تنمو صناعة “الوداع الفضائي” بهذه السرعة؟
هناك عدة عوامل واضحة:
1. انخفاض تكلفة إطلاق الصواريخ
مع صواريخ مثل Falcon 9، أصبح الإطلاق أرخص مما كان عليه قبل عقدين.
2. انتشار ثقافة احترام الاختلاف
أصبح المجتمع يقبل أشكالًا جديدة من التعبير وتخليد الذكرى.
3. زيادة الفضول الفضائي
عصر الرحلات الفضائية التجارية عزز رغبة الكثير في “التمدد ما بعد الأرض”.
4. التقدّم الطبي والعمري
زيادة متوسط العمر جعلت الكثيرين يفكرون مبكرًا في شكل “رحلتهم الأخيرة”.
هل تصبح هذه الخدمة جزءًا من المستقبل؟
العديد من الخبراء يؤكدون أن خدمات الدفن في الفضاء ستصبح خلال العقود القادمة جزءًا من ثقافة الوداع للطبقات القادرة على دفع هذه التكاليف.
ومع الهبوط المحتمل للبشر على القمر والمريخ مستقبلاً، من الطبيعي أن تتطور الخدمات الروحية والرمزية لتواكب تلك الحضارة الجديدة.
قد نرى يومًا:
– مقابر على سطح القمر
– مواقع تذكارية في مدار الأرض
– سفرات “وداعية” مدفوعة قبل الوفاة
– حفظ دي إن إيه البشري خارج الأرض
قد يبدو الأمر غريبًا الآن، لكنه يشبه تمامًا ما كان يبدو غريبًا حين ظهرت فكرة الإنترنت لأول مرة.
خلاصة
الواقع يقول:
العلم ليس ثابتًا، والإنسان ليس ثابتًا، وحتى الموت أصبح له طرق جديدة خارج الصندوق… أو بالأحرى: خارج الكوكب.
فكرة إرسال الرفات إلى الفضاء قد تبدو “مستحيلة” قبل سنوات، لكنها اليوم حقيقة، بل وصناعة تتوسع بسرعة كبيرة.
ربما لن تكون الخدمة للجميع، لكنها بلا شك تقدم رؤية جديدة للعلاقة بين الإنسان والكون، وتجعل الرحلة الأخيرة أجمل، أعمق، وأكثر شاعرية لمن يريد لها ذلك.
وبينما يظل السؤال الأخلاقي مفتوحًا، يظل الواقع ثابتًا:
الآن … يمكنك أن تختار لنفسك أو لأحبائك “نهاية فضائية” تحلّق فيها الرفات إلى ما وراء حدود الأرض، في رحلة أخيرة لا تشبه أي رحلة أخرى.






