الهيئات الرقابية الماليه تبدأ في مراقبة مخاطر الذكاء الاصطناعي
كيف بدات الهيئه الرقابيه مراقبه مخاطر الذكاء الاصطناعي

في خطوة تعكس القلق المتزايد من تبعات التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي بدأت الهيئات الرقابية المالية حول العالم في اتخاذ إجراءات جادة لمراقبة كل المخاطر المحتملة التي قد تنتج عن استخدام كل هذه التقنيات في القطاع المالي، الذكاء الاصطناعي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من أنظمة البنوك وايضا شركات الاستثمار وبعض شركات التأمين بدأ يثير تساؤلات جديده حول مدى الشفافية والمساءلة والقدرة على السيطرة على القرارات التي تتخذها الأنظمة الذكية بصورة شبه مستقلة
الهيئات الرقابية العالمية تبدأ في مراقبة مخاطر الذكاء الاصطناعي
وضعت الهيئات المالية العالمية خططا وهذا ليتم مراقبة أوثق لجميع المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهذا في ظل تزايد كبير واعتماد البنوك وايضا أجزاء أخرى من القطاع المالي ليكون على هذه التكنولوجيا، ورغم أن البنوك قد تبدي تفاؤلا كبيرا بأن الذكاء الاصطناعي هو الذي يجعلها أكثر إنتاجية، وإن الجهات التنظيمية ايضا حول العالم أعربت عن مخاوفها الكبيرة بشأن تأثيرها المتزايد على الاستقرار المالي.
تحول جذري في المشهد المالي
خلال السنوات الأخيرة، شهد القطاع المالي ثورة تكنولوجية غير مسبوقة تماما، مع اعتماد متزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل البيانات، وتقييم كل المخاطر، واتخاذ قرارات هامه استثمارية معقدة جدا، وهذه الأنظمة قادرة على معالجة كميات هائلة من المعلومات في ثوان معدودة، وتقديم توصيات مالية أو حتى تنفيذ بعض عمليات بيع وشراء في الأسواق بشكل آلي، لكن بالرغم من كل المزايا التي تقدمها هذه التقنيات، فإن استخدامها الواسع بدأ يخلق نوعا جديدا من المخاطر التي لم تكن موجودة في الأنظمة التقليدية.
الهيئات الرقابية تتحرك بحذر
هيئات مثل هيئة الأوراق المالية الأمريكية SEC، وهيئة السلوك المالي البريطانية FCA ، والهيئة المصرفية الأوروبية EBA، بدأت في دراسة الآثار التنظيمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المعاملات المالية، والهدف من ذلك هو ضمان أن الشركات التي تعتمد على الأنظمة الذكية تفعل ذلك بطريقة مسؤولة، مع وجود رقابة بشرية فعالة جدا تمنع كل الأنظمة من اتخاذ قرارات حاسمه قد تؤدي إلى اضطرابات في الأسواق.
توضيح رئيس هيئه الاوراق الماليه الأمريكية عن مخاوف الذكاء الاصطناعي
رئيس هيئة الأوراق المالية الأمريكية، غاري غينسلر، أشار مؤخرًا إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يكون سلاحا ذا حدين، إذ يمكن أن يحسن الكفاءة وذلك بشكل غير مسبوق تماما، لكنه في نفس الوقت قد يخلق مخاطر نظامية إذا اعتمدت الشركات على نماذج متشابهة في اتخاذ قراراتها الاستثمارية، وحذر غينسلر من أن خطأ واحدا في نموذج ذكاء اصطناعي، يمكن أن يمتد تأثيره عبر النظام المالي بأكمله.
المخاوف الرئيسية
أبرز ما يقلق الجهات التنظيمية هو انحياز الخوارزميات فإذا تم تدريب الأنظمة على بيانات غير متوازنة أو غير دقيقة جدا، فقد تنتج قرارات تمييزية أو منحازة، سواء في تقييم الجدارة الائتمانية أو في تحديد المخاطر الاستثمارية، إضافة إلى ذلك، هناك تحد آخر يتمثل في الشفافية، إذ يصعب في كثير من الأحيان فهم كيفية اتخاذ الأنظمة قراراتها، خاصة عندما تعتمد على نماذج تعلم عميق معقدة جدا، كما أن هناك مخاوف من استخدام الذكاء الاصطناعي في التداول الذي يكون عالي التردد Frequency Trading، حيث يمكن للأنظمة تنفيذ ملايين العمليات في أجزاء من الثانية هذا النوع من التداول، رغم أنه يزيد السيولة في كل الأسواق.
الذكاء الاصطناعي والجرائم المالية
جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق باستخدام الذكاء الاصطناعي، في الاحتيال المالي وغسيل الأموال، فبينما تستخدم البنوك الذكاء الاصطناعي لاكتشاف الأنماط غير المعتادة التي قد تشير إلى أنشطة غير قانونية، يستغل المجرمون نفس التقنيات لتطوير طرق احتيال أكثر تعقيدا، وقد حذرت مجموعة العمل المالي FATF من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تسهل إخفاء الهوية أو إنشاء هويات مزيفة عبر الإنترنت، مما يصعب تتبع كل التدفقات المالية المشبوهة.
السباق نحو التشريعات الجديدة
في الاتحاد الأوروبي، تعمل المفوضية الأوروبية على سن تشريعات جديدة ضمن ما يعرف بـ قانون الذكاء الاصطناعي AI Act، وهو أول إطار قانوني شامل في العالم ينظم استخدام هذه التكنولوجيا عبر القطاعات المختلفة، بما في ذلك القطاع المالي، القانون الجديد يفرض على الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في عمليات مالية أن تلتزم بمستويات عالية من الشفافية، وأن تضمن وجود إشراف بشري مستمر على أنظمة الذكاء الاصطناعي، أما في الولايات المتحدة، فتعمل الهيئات التنظيمية على تحديث القواعد الحالية لتشمل نماذج الذكاء الاصطناعي، دون وضع تشريع منفصل حتى الآن، فيما اتخذت بريطانيا موقفا أكثر مرونة عبر الاعتماد على ما يسمى الرقابة التكيفية، التي تتيح تعديل القواعد بسرعة مع تطور التكنولوجيا.
القطاع المالي بين الفرصة والمخاطرة
العديد من البنوك العالمية ترى في الذكاء الاصطناعي فرصة هائلة لتحسين الأداء وخفض التكاليف، فى أنظمة تحليل البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تساعد على توقع سلوك العملاء، وتقليل حالات التعثر في السداد، وتحسين اكتشاف الاحتيال في الوقت الفعلي، كما أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرا أساسيا في تقديم خدمات الدعم الآلي عبر الدردشة Chatbots، ما ساعد في تحسين تجربة العملاء بشكل ملحوظ لكن في المقابل، يحذر الخبراء من أن الإفراط في الاعتماد على النماذج الآلية قد يؤدي إلى تآكل الخبرة البشرية في المؤسسات المالية، مما يقلل من قدرة العاملين على تقييم المخاطر بشكل مستقل عن الأنظمة الذكي.
المخاطر النظامية.. الخطر الصامت
أحد أبرز التحديات التي تقلق الهيئات التنظيمية هو ما يعرف بـ المخاطر النظامية، وهي تلك التي قد تهدد النظام المالي بأكمله في حال حدوث اي خلل في خوارزمية أو نموذج ذكاء اصطناعي واسع الاستخدام،على سبيل المثال، إذا استخدمت عدة مؤسسات مالية نموذجا مشابها لتقييم المخاطر، فإن أي خطأ في هذا النموذج قد يؤدي إلى قرارات جماعية متشابهة، بيع الأصول نفسها في وقت واحد، ما قد يسبب انهيارًا في الأسعار أو أزمة سيولة، هذه السيناريوهات دفعت مجلس الاستقرار المالي FSB إلى التحذير من ضرورة وجود آليات رقابة متقاطعة بين المؤسسات.
كيف بدأت المؤسسات الماليه في بناء مبدا الذكاء الاصطناعي
بدأت بعض المؤسسات المالية الرائدة في تبني مبدأ الذكاء الاصطناعي المسؤول Responsible AI، وهو نهج يركز على ضمان أن تكون القرارات التي تصدر عن الأنظمة الذكية عادلة، وشفافة، حيث يمكن تفسيرها، وتتضمن هذه المبادرات تشكيل لجان داخلية للأخلاقيات التقنية، وإجراء اختبارات دورية على النماذج لاكتشاف الانحيازات أو الثغرات المحتملة،كما يجري التعاون بين البنوك وهيئات التقنية لتطوير أدوات جديدة تتيح تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي بشكل مبسط، حتى يتمكن الموظفون والعملاء من فهم المنطق وراء القرارات الآلية، مثل رفض القروض أو تحديد أسعار الفائدة.
التحدي المستقبلي: التوازن بين الابتكار والتنظيم
يبقى التحدي الأكبر أمام الهيئات التنظيمية هو تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار في التكنولوجيا المالية FinTech وحماية النظام المالي من كل المخاطر، والتشريعات المفرطة قد تعيق التقدم التكنولوجي وتدفع الشركات للانتقال إلى أسواق أقل تنظيما، بينما غياب الرقابة الكافية قد يؤدي إلى أزمات مالية يصعب السيطرة عليها، ويرى محللون أن المرحلة المقبلة ستشهد تعاونا أوثق بين الهيئات الرقابية وشركات التكنولوجيا لتطوير ما يعرف بـ RegTech، أي التكنولوجيا التنظيمية، وهي حلول رقمية تساعد الهيئات الرقابية على تتبع الأنشطة المالية وتحليلها.






