أحببتُه أعمى

في حي بسيط، كان عايش شاب اسمه “مازن”.
مازن كان معروف بطيبة قلبه وحسن أخلاقه، لكنه كان أعمى.
الناس في الحي كانوا دايمًا يحترموه ويقدروه، لإنهم عارفين قد إيه الحياة صعبة عليه وهو مش شايف، لكنه رغم كل ده، كان عايش حياته بحب وسعادة.
مازن كان بيعيش مع والدته، “أم مازن”، اللي كانت ست طيبة وحنونة، وكانت دايمًا تقول: يا مازن، البصر مش كل حاجة، اللي عنده بصيرة يقدر يشوف الحاجات اللي الناس مبتشوفهاش.
مازن كان دايمًا يبتسم لما يسمع الكلام ده، ويحس إنه مش محتاج يشوف الدنيا بعينيه، لإنه كان شايفها بقلبه.
وفي يوم من الأيام، مازن كان في الطريق لبيته بعد ما خلص شغله في محل البقالة اللي بيشتغل فيه، في نص الطريق، سمع صوت بنت بتعيط على جنب الطريق.
البنت كانت اسمها “ليلى”، كانت لسه جديدة في الحي ومحدش كان يعرفها.
مازن قِرَّب منها وقال: مالك يا أختي، ليه بتعيطي؟
ليلى رفعت راسها وبصت ليه، وشافت في عينيه حاجة غريبة، حاجة مشافتش زيها قبل كده، رغم إنه مش شايفها، لكن كان عنده قدرة على إنه يحس بيها وبمشاعرها.
ليلى كانت متفاجئة من إنه قدر يكتشف حزنها من غير ما حتى يشوفها، فحست براحة غريبة وقالت: مشاكل في البيت ومع أهلي، حاسة إن الدنيا مقفولة في وشي.
مازن سمع كلامها وابتسم وقالها: الدنيا عمرها ما بتتقفل قدام حد إلا إذا هو نفسه قفلها، لازم تفتحي قلبك للحياة وتبصي للجانب المشرق.
ليلى استغربت من كلماته، وقعدت تفكر فيها وهي رايحة البيت.
الأيام عدت ومازن وليلى بدأوا يتقابلوا كتير في الحي.
كانت بتحس براحة كل ما تكلمه، وبدأت تتعلق بيه من غير ما تحس، هو كان بيسمعها ويديها نصايح حكيمة، وكانت بتشوف فيه النور اللي مش موجود في حياتها.
ليلى بدأت تفكر في مازن بطريقة مختلفة، مش بس كصديق أو حد بيساعدها، لكنها بدأت تحس بمشاعر أعمق.
كانت بتفكر إزاي إنسان زيه ممكن يبقى سعيد ومبتهج رغم إنه مش شايف حاجة من الدنيا.
كانت دايمًا بتسأل نفسها: إزاي واحد أعمى ممكن يبقى عنده كل الحب والطيبة دي؟
وفي يوم من الأيام، ليلى قررت إنها لازم تتكلم مع مازن عن مشاعرها.
راحتله وقالت: مازن، أنا مش عارفة إزاي أقولك الكلام ده، بس أنا بحبك.
مازن اتفاجئ وقالها: إزاي بتحبيني وإنتي عارفة إني مش هشوفك أبدًا؟
ليلى ابتسمت وقالت: أنا بحبك عشانك، عشان قلبك اللي بيشوف اللي عيوننا ما بتشوفوش، أنا ميهمنيش إنك أعمى، أنا بحب الإنسان اللي جواك.
مازن حس بخوف لأول مرة، هو كان عارف قد إيه الدنيا صعبة وهو أعمى، وخاف على ليلى إنها تتعب معاه.
حاول يقنعها إنها تستحق حد يشوفها ويقدر جمالها بعينه، لكن ليلى كانت مصرة.
ليلى: أنا اخترتك أنت، ومش هبص لحد تاني.
وبعد فترة، مازن قرر إنه يواجه مخاوفه ويطلب إيد ليلى من أهلها.
كانت خطوة كبيرة وشجاعة بالنسبة له، لكنه عملها عشان حب ليلى كان أقوى من كل خوفه.
أهل ليلى في الأول كانوا معترضين، لكن لما شافوا قد إيه مازن شخص محترم وبيحب بنتهم بصدق، وافقوا على الجواز.
الأيام مرت ومازن وليلى اتجوزوا، وبدأوا حياتهم سوا.
كانت ليلى دايمًا جنبه، وبتساعده في كل حاجة، وكان هو بيعمل كل اللي يقدر عليه عشان يسعدها.
الحب بينهم كان كبير جدًا، لدرجة إن الناس في المنطقة كانوا بيقولوا إن مازن وليلى هما أفضل زوجين فيها.
لكن الدنيا مش بتسيب حد يعيش في سعادة كاملة.
وفي يوم من الأيام، مازن سمع عن دكتور جديد في المدينة بيعمل عمليات متطورة جدًا لرجوع البصر.
في الأول مازن كان متردد، وخايف من الفشل، لكن ليلى كانت بتشجعه وقالتله: جرب يا مازن، يمكن ربنا يكتب لك النور وتشوفني بعينك.
مازن وافق وعمل العملية، وبعد العملية الدكاترة قالوا إنه ممكن يشوف بعد كام يوم، وكانوا كلهم متحمسين عشان يشوفوا النتيجة.
مازن كان قلقان، بس كان بيتمنى إنه يشوف وش ليلى.
اليوم الموعود جه، والدكاترة شالوا الضمادات من عينيه.
في البداية، مازن مقدرش يشوف بوضوح، بس بعد شوية، بدأت الرؤية تبقى أوضح.
أول حاجة شافها كانت ليلى واقفة قدامه.
كانت لحظة مؤثرة جدًا، ومازن مكنش قادر يصدق إنه بيشوفها، ودموعه نزلت من عينيه.
ليلى كانت مبتسمة، بس في عيونها كان في حزن خفي.
مازن لاحظ إن في حاجة غلط وسألها: إنتي ليه مش فرحانة زيي؟
ليلى كانت بتحاول تخفي دموعها، وقالتله: أنا فرحانة عشانك يا مازن، بس أنا قلبي حاسس إنك لما تشوفني، ممكن معجبكش.
مازن استغرب وقالها: إزاي تفكري كده؟ أنا حبيتك بقلبي قبل ما أشوفك بعيني، مش مهم شكلك، المهم إنتي مين بالنسبة ليا.
ليلى انهارت وعيطت وقالتله: أنا كنت خايفة إنك متقدرش تحبني لما تشوفني، بس كلامك ريحني.
مازن ضمها لصدره وقالها: إنتي النور اللي كان بينورلي حياتي من غير ما أشوفك، ودلوقتي لما شفتك، اتأكدت إنك أحلى حاجة في حياتي.
الناس في الحي كانوا فرحانين جدًا لما عرفوا إن مازن شاف النور أخيرًا، لكن اللي كان أكتر من كده إنهم شافوا إن الحب الحقيقي مش بيحتاج عينين تشوف، بيحتاج قلب يحب بصدق.
مازن وليلى فضلوا مع بعض، وحبهم بقى أقوى مع الوقت.
مازن بقى يشوف الحياة بشكل مختلف بعد ما شافها بعينيه، لكن قلبه اللي شافها الأول كان هو الدليل الحقيقي لجمال الدنيا.
وهكذا عاشوا سوا، مؤمنين إن الحب اللي بينهم كان أقوى من أي ظلام، وإنه النور اللي جواهم خلاهم يشوفوا بعضهم من غير عينين.






