دار الإفتاء المصرية تحتفل بمرور 130 عامًا على تأسيسها.. تاريخ عريق وصوت راسخ في وجدان المصريين

تحتفل دار الإفتاء المصرية اليوم بمرور 130 عامًا على تأسيسها،
في ذكرى ليست عابرة، بل شعاع ممتد يعكس رحلة طويلة من العلم والاجتهاد والفتوى،
رحلة كانت وما زالت جزءًا أساسيًا من الهوية الدينية والوطنية للمجتمع المصري.
ومنذ تأسيسها عام 1895،
أصبحت الدار مؤسسة راسخة تُدير شؤون الفتوى،
وتُصدر القرارات الشرعية،
وتُسهم في ترسيخ القيم الدينية الوسطية التي عرف بها المصريون عبر التاريخ.
هذه المناسبة ليست احتفالًا فقط بعام جديد،
بل هي وقفة تأمل في تاريخ غني امتد لأكثر من قرن،
شهدت خلاله دار الإفتاء أحداثًا كبرى،
وتعاملت مع قضايا شائكة،
وواجهت تحديات دينية وفكرية واجتماعية،
وبقيت رغم ذلك ثابتة على منهجها:
وسطية، واعتدال، واستنارة.
بداية القصة.. كيف تأسست دار الإفتاء المصرية؟
تعود بداية تأسيس دار الإفتاء إلى الفترة التي شهدت فيها مصر حاجة ماسّة لوجود مؤسسة رسمية تتولى إصدار الفتاوى،
وتعمل على ضبط الأحكام الشرعية بعيدًا عن الاجتهادات الفردية.
وفي عام 1895،
وفي عهد الخديوي عباس حلمي الثاني،
تم اتخاذ قرار بإنشاء دار الإفتاء ككيان مستقل يتبع مشيخة الأزهر الشريف،
ليتولى منصب المفتي رجل من كبار العلماء.
كان الهدف الأساسي من تأسيس الدار هو:
- توحيد مصدر الفتوى
- منع الخلافات الشرعية بين العامة
- إصدار أحكام تتوافق مع الواقع المصري
- وضع مرجع ديني رسمي للدولة
وبدأت الدار رحلتها بأول مفتي للديار المصرية،
ومن بعدها تعاقب كبار العلماء على قيادة هذه المؤسسة التي أصبحت الآن واحدة من أبرز الهيئات الدينية في العالم الإسلامي.
130 عامًا من الفتوى.. ماذا قدمت دار الإفتاء للمجتمع المصري؟
على مدار 13 عقدًا،
لم يكن دور دار الإفتاء مجرد إصدار فتوى هنا أو رأي شرعي هناك،
بل كانت شريكًا رئيسيًا في تشكيل وعي المجتمع.
وساهمت في:
- حماية المجتمع من الأفكار المتطرفة
- توضيح الأحكام الشرعية في مختلف القضايا
- مواجهة الفتاوى المتشددة أو الشاذة
- تقريب الشريعة إلى الناس بأسلوب مبسط
- سدّ الفجوة بين الدين والعصر
ولأن مصر دولة ذات كثافة سكانية ضخمة ومتنوعة،
فإن الفتوى لها دور كبير في استقرار المجتمع،
وحل الخلافات الأسرية،
وتحقيق الطمأنينة النفسية للمواطنين.
تاريخ المفتين.. رجال كتبوا صفحات مهمة في مسيرة الدار
مرّت دار الإفتاء المصرية بكوكبة من كبار العلماء الذين حملوا مسؤولية الإفتاء،
وكان لكل منهم بصمة خاصة في مسيرة الدار.
فمنهم من عاصر فترات سياسية حساسة،
ومنهم من واجه موجات التشدد الفكرى،
ومنهم من عمل على تطوير المؤسسة من الداخل.
ومن أبرز من تولوا هذا المنصب عبر التاريخ:
- الشيخ حسونة النواوي – أول مفتي للديار المصرية
- الشيخ محمد بخيت المطيعي – أحد أبرز الفقهاء في بدايات القرن العشرين
- الشيخ عبد المجيد سليم – مرجع فقهي للعلوم التقليدية
- الشيخ حسن مأمون – مفتي في مرحلة بناء الدولة الحديثة
- الشيخ محمد سيد طنطاوي – شخصية علمية بارزة وقامة دينية كبيرة
- المفتي الحالي – والذي يشهد العصر الرقمي وتحديات وسائل التواصل
ومع كل جيل من المفتين،
كانت الدار تتطور،
وتواكب العصر،
وتعيد تنظيم أدواتها بما يتناسب مع التغيرات الاجتماعية والسياسية.
دار الإفتاء والتحول الرقمي.. من الفتوى الورقية إلى الفتاوى الذكية
من أبرز مظاهر التطور في السنوات الأخيرة هو دخول دار الإفتاء عصر الرقمنة بقوة،
حيث لم تعد الفتوى مقتصرة على المقابلات المباشرة داخل الدار،
بل أصبحت متاحة عبر:
- الموقع الإلكتروني الرسمي
- التطبيقات الذكية
- صفحات التواصل الاجتماعي
- خدمة الخط الساخن
- البث المباشر مع العلماء
أصبحت الفتوى اليوم تصل إلى المواطن خلال دقائق،
بدلًا من انتظار أيام طويلة كما كان يحدث قبل عقود.
وهذا التطور جعل الدار أقرب للناس،
وأكثر قدرة على التعامل مع الأسئلة المعاصرة التي تتعلق بالتكنولوجيا،
والذكاء الاصطناعي،
والتعاملات الإلكترونية،
والقضايا الاجتماعية الحديثة.
مواجهة التطرف.. دور دار الإفتاء في الحرب الفكرية
لا يمكن الحديث عن دار الإفتاء دون التطرق لدورها المهم في مواجهة الفكر المتطرف.
فمع انتشار الجماعات الإرهابية والأفكار المتشددة،
كان للدار دور ريادي في تفنيد هذه الأفكار والرد عليها بالدليل الشرعي الصحيح.
وساهمت الدار في:
- إصدار موسوعات للرد على التكفير
- إطلاق مرصد الفتاوى التكفيرية
- تحليل خطابات الجماعات المتشددة
- تصحيح المفاهيم المغلوطة لدى الشباب
- تقديم فتاوى تحارب الكراهية والعنف
هذا الدور جعلها صوتًا مهمًا داخل المجتمع،
وشريكًا أساسيًا للحكومة في بناء الوعي الديني الصحيح.
دار الإفتاء في خدمة الأسرة المصرية
تتلقى دار الإفتاء يوميًا آلاف الأسئلة التي تخص الحياة اليومية،
والعلاقات الأسرية،
وقضايا الزواج والطلاق والميراث.
وبفضل هذا الدور،
أصبحت الدار جهة أساسية لحل:
- الخلافات الزوجية
- مشاكل النفقة
- توزيع الميراث بشكل عادل
- توضيح الأحكام التي يكثر الجدل حولها
وقد توسع دور الدار ليشمل حملات توعية اجتماعية،
تهدف لتقليل نسب الطلاق،
وترسيخ ثقافة التسامح داخل الأسرة.
فتاوى دار الإفتاء.. ما بين الماضي والحاضر
على مدار عقود،
مرت الفتوى المصرية بمراحل مختلفة.
ففي الماضي،
كانت الفتاوى مرتبطة بالحياة التقليدية:
البيع والشراء،
الطهارة،
المعاملات،
الوصايا،
والزواج.
لكن اليوم أصبحت الفتاوى تتطرق إلى:
- قضايا الذكاء الاصطناعي
- العملات الرقمية
- العمليات المصرفية الإلكترونية
- أطفال الأنابيب
- التبرع بالأعضاء
- الإجهاض لأسباب طبية
- التعامل مع وسائل التواصل
وهذا يعكس قدرة المؤسسة على تطوير أدواتها واستيعاب الأسئلة المعقدة.
الاحتفال بمرور 130 عامًا.. ماذا يتضمن اليوم؟
تتضمن فعاليات الاحتفال عدة أنشطة دينية وثقافية،
من بينها:
- إصدار تقرير شامل عن إنجازات الدار
- ندوات علمية تضم كبار العلماء
- احتفال رسمي يضم رموز الدولة
- إطلاق مبادرات جديدة للفتوى الإلكترونية
- تكريم الشخصيات التي أسهمت في تطوير الدار
كما سيتم استعراض التاريخ الطويل للمؤسسة منذ تأسيسها،
مع عرض وثائق نادرة وفتاوى تاريخية أثرت في المجتمع.
الدور العالمي لدار الإفتاء المصرية
لم يعد دور دار الإفتاء محليًا فقط،
بل أصبحت مؤسسة عالمية تساهم في صناعة الوعي الديني حول العالم.
وهي اليوم عضو فاعل في:
- الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء
- مجالس الإفتاء الدولية
- المؤتمرات العالمية لمكافحة التطرف
كما يقدم علماء الدار فتاوى للمسلمين في أوروبا وآسيا وأمريكا،
مما جعلها مرجعًا موثوقًا للمسلمين حول العالم.
خلاصة 130 عامًا من العطاء
الاحتفال بمرور 130 عامًا على تأسيس دار الإفتاء
ليس مجرد ذكرى رسمية،
بل هو احتفال بتاريخ طويل من الاجتهاد،
ومواجهة التشدد،
وتعميم الوسطية،
ورفع الوعي الديني،
وإصدار الفتوى الصحيحة التي تتوافق مع روح العصر وهُوية المجتمع المصري.
130 عامًا كانت دار الإفتاء خلالها صوتًا للعُلَماء،
وصوتًا للعقل،
وصوتًا للمواطن الذي يبحث عن الإجابة الموثوقة.
ومع دخولها مرحلة جديدة من التحول الرقمي،
ستظل الدار مؤسسة رائدة في العالم الإسلامي،
تقود طريق الوسطية والرحمة في مواجهة التشدد والتطرف.
وها هي اليوم تدق عامًا جديدًا من أعوام عطائها،
تُجدّد رسالتها:
“فتوى منضبطة.. علم راسخ.. ووعي يبني الإنسان”.






