رواية صغيرتي (الجزء الأول)

ومن ساعتها اتحولت من رهف الزنانة لرهف العسولة!.
وطبعا من ساعتها وانا بقيت المسؤل عن رهف .
اول ما تبتدى تزن وتعيط انا اللى بضحكها!!.
عدت اجازة الصيف ورجعنا للمدرسة.
كنت كل يوم اول ما برجع من المدرسة رهف بتعمللى فرح فى البيت، وكانت بتجرى عليا وترفع إيديها عشان اشيلها واتدوخ بيها، وكانت بتفضل تضحك وضحكها بيملى البيت فرحة.
بس فى الناحية التانية فى حد كان متعصب وبيعيط، كانت ليلى الغيرانة!
كانت بتجرى عليا وانا شايل رهف وتيجى عند رجلى وتفضل تضرب فيا وتقوللى: نزلها دلوقتى وشيلنى انا! ورهف مكنتش فاهمة حاجة!، كانت بتلعب وتضحك وبس.
بعد ماكانت ليلى طايرة من الفرحة ان رهف جت عندنا، بقت مش طايقاها وعايزة تتخلص منها بأى شكل، كل متكون رهف فى مكان لوحدها بتروح ليلى وراها تضرب فيها وتشد شعرها!.
فى يوم كنت قاعد بذاكر فى أوضتى، وسمعت صوت عياط وبالنسبة لى طبعا الاصوات دى مبقتش غريبة فى بيتنا احنا بقينا عايشين عليها خلاص!، وفجأة لقيت الصوت اتقطع فقلت اكيد ماما اتصرفت وحلت الموضوع خلاص، ورجعت اذاكر تانى.
شوية ولقيت حد بيخبط بالراحة على باب اوضتى، فقلت: ادخل، واستنيت شوية محدش دخل!، روحت انا فتحت الباب واتفاجأت بمنظر صعب جدا!!
رهف الصغيرة واقفة ادام عينى عينيها مليانة دموع، وعمالة تشهق ومش عارفة تتنفس من كتر الوجع، وكان وشها مليان خرابيش ومتعوره، وراسها حمرة ووارمة، تقريبا خدت فيها خبطة جامدة!
انا قلبى وجعنى أوى ساعتها ووقفت ومبقتش عارف اعمل إى؟
إيه اللى حصلك يارهف؟ إحكيلى؟
وفى اللحظة دى انفجرت وقعدت تعيط كتير جدا!
شيلتها فورا واخدتها فى حضنى وحولت اهديها لكن للاسف رهف ماكنتش عارفة تسكت، بس المرة دى من كتر الوجع اللى هى فيه!!
ليلى صح! هى ليلى الشقية اللى عملت فيكى كده!.
روحت اوضة ليلى وانا متعصب جدا وشايل رهف فى حضنى ولقيت ليلى قاعدة بتلعب بالالعاب بتاعتها واول ما شافتني قامت وقفت، والغريبة انها مقلتليش شيلنى زى ما بتعمل كل مرة بشيل فيها رهف، سالتها: انتى اللى عملتى كدا؟
انتى اللى ضربتي رهف كدا وعورتيها؟
ليلى مبتردش عليا، اضطريت اعلى صوتى عليها علشان تجاوب.
ليلى: رهف بتاخد لعبى، وانا مبحبش حد يلعب باللعب بتاعتى ولا يلمسها، ومش عايزة رهف تيجى جنب لعبى تانى.
اتعصبت منها جدا ومسكت ايديها وضربتها على ايديها ضربة خفيفة وقولتلها: لو عملتى كدا تانى هرمى اللعب دى كلها من البلكونة ومش هيكون عندك لعب تانى.
اول ما عملت كدا بدأت ليلى تعيط، مع انى موجعتهاش، وساعتها رهف وقفت عياط، بصيت لرهف لقيت فى كام دمعة على وشها لسه.
مسحتهم بايدى وقولتها: متزعليش، لقيتها اديتنى بوسة على خدى تقريبا كانت بتشكرنى بيها.
اتبسطت جدا لانى اول مرة اخد بوسه من البنوتة الجميلة دى، بس مكنتش البوسة الاخيرة….
عدت الأيام وإحنا على نفس الحالة، ورهف كل يوم بتبقى مرحة أكتر من اليوم إللى قبله، وبقت هى الفرحة والسعادة اللى فى البيت، جيراننا وقرايبنا وكل اللى شافها إتعلق بيها وحبها، أد إيه هى طفلة جميلة يتمنى أى حد إنها تكون عنده!!.
ليلى كل ما بتكبر كل مكرهها لرهف بيكبر أكتر وأكتر والوضع مبقاش ينفع يتساب كده، لازم يتفصلو عن بعض وميفضلوش مع بعض فى أوضة واحدة أكتر من كده! طب رهف هتعيش فين ياامى؟
“رهف هيتنقل سريرها فى أوضتك يا ليث!!!”
معلش يا ليث يا إبني بس هو ده الحل الوحيد، معندناش حاجة تانى نعملها لغاية منشوف بعد كده هنعمل إيه؟!.
أمى بتقوللى كده وفكرانى متدايق! بالعكس رهف حتى مبقتش بتصحى تصرخ ولا تعيط وأنا وهى بقينا أصحاب، “متخافيش ياماما أنا مش زعلان، وكدا أحسن من مشاكل ليلى معاها كل يوم”
فى يوم كانت الساعة تقريبا عشرة بالليل وكنت قاعد بقرأ فى المجلة على سريرى، ورهف كانت نايمة زى الملايكة، “بحب أوى أتفرج عليها وهى نايمة!”
وفجأة رهف قامت مفزوعة وبتصرخ! شكلها شافت حلم وحش!! جريت وشيلتها من على السرير!
مالك يارهف؟
إهدى ياحبيبتى، إنتى بخير، ده كان حلم، يلا حاولى تنامى تانى! بقولها كده وأنا مخضوص عليها وواخدها فى حضنى علشان تهدى! رهف طفلة حساسة جدا وأى حاجة بتأثر فيها!.
فضلت رهف تعيط بشكل غريب وحزين: ماما! ماما!
ساعتها فهمت إنها ممكن تكون حلمت بمامتها، وقلبى إتقطع عليها، اى يارهف ياحبيبتى إنتى عايزة ماما؟
ترد عليا وهى بتعيط: ماما! ماما!
خدتها فى حضنى جامد وفضلت أهزها!
هى فقدت اغلى الناس ليها من قبل ماتفهم حاجة فى الحياة!!، حطتها على رجلى وفضلت أغنيلها وأهزها لغاية ما غمضت عينيها، بصيت على وشها البرىء وقعدت أتأملها شوية، وكنت حاسس إنى حزين أوى عليها، وإتمنيت لو ينفع أتحول وأكون باباها ومامتها فى اللحظة دى، وساعتها قررت إنى أحاول أعوضها عنهم على قد ما أقدر، وأعمل أى حاجة عشانها.
وعملت فعلا حاجات كتيرة…
والايام اثبتت ده…
فى يوم بابا أخدنا كلنا وروحنا على الشط، وطبعا كنت أنا وبابا وآسر بس إللى بنعرف نعوم، وقضينا معظم اليوم فى البحر، لكن أمى هى إللى كانت بتعانى مع رهف وليلى! رهف كانت بتلعب ببراءة فى الرملة وعمالة تشاورلى أنا وبابا وآسر، لكن ليلى هانم لازم تضايقها ومتسبهاش فى حالها، بقت تجرى وتزق فيها فى الرملة وتضرب فيها لغاية ما كانت هتتعور!!
ليث! يا ليث! تعالى اطلع بسرعة أنا عايزاك!!
قربتلها: عايزة إيه يا أمى؟
ساعتها مكنتش عايز أخرج من المياه!
خد رهف يا ليث، ريحنى شوية الله يكرمك، مش عارفة ألاحق على ليلى وعمالة تضربها، أنا إتضايقت لإنى كنت عايز أكمل، عوم ومكنتش عايز أنشغل بحد! فاعترضت: لا يا ماما، أنا مش هقدر ابقى مسؤول عنها فى المياه، أنا عايز أعوم براحتى.
يلا بقى ياليث شوية صغيرين بس أرتاح! لقيت أمى مصرة! شكل مفيش مفر!!
قررت إنى هاخدها بس مش هنزل بيها البحر.
يلا يارهف تعالى! جريت رهف عليا وكانت مبسوطة أوى، ومسكت فى رجلى المبلولة واللى مليانة رملة، وسألتنى وهى بتضحك: هتلعب معايا؟
قعدنا سوا على الرملة، وحفرتلها حفرة وكانت بتلعب ومبسوطة جدا، لكن أنا كنت متدايق جدا إنى إتحرمت من العوم وقعدت أراعيها!
قربنا من البحر أكتر وخليتها تلمس برجلها مياه البحر المالحة، كانت رهف هتطير من الفرحة من كتر السعادة، تقريبا دى كانت أول مرة فى حياتها تشوف البحر!! فضلت تتنطط على المياه وفجأة اتقلبت على وشها!
رهف حاسبى!!! جريت عليها وشيلتها فورا، وللأسف كانت شربت مياه كتير، وفضلت تكح جامد وهى بتعيط، وأنا قعدت أخبط على ضهرها عشان تطلع المياه اللى بلعتها!
ليث… إزاى سيبتها تغرق؟ إزاى مخدتش بالك منها؟
أمى بتصرخ، ومش مصدقة إزاى أنا أهملتها كده؟
ياماما هى مغرقتش والله أنا كنت واخد بالى منها، هى بس اتكعبلت وشربت شوية مياه.
“إزاى يعنى إفرض غرقت أو حصلها حاجة، هاتها وتعالى هنا بسرعة!”
كنت متضايق جدا لإنى مش جاى البحر عشان أراعى اطفال، انا جاى ألعب واعوم وأتبسط!!
رجعت لامى: خدى يا ماما رهف أهى، خدى بالك إنتى منها بقى!
حطيت رهف على رجلها وكنت راجع تانى ناحية البحر أكمل عوم، سمعت صوت ليلى بتصرخ فلفيت وشى بسرعة! لقيت ليلى متدايقة إن ماما شايلة رهف، وبتضربها عشان تنزلها من على إيد ماما، ورهف مفيش حاجة فى ايديها غير إنها تعيط وتبصلى كإنها بتستنجد بيا وبتقولى: تعالى خدنى!!
مقدرتش مروحلهاش…واول مخدتها من أمى وشيلتها على كتفى قعدت تضحك!!!
الأطفال دول عليهم حاجااات!!
بصيت لماما لقيتها مبتسمة وبتقوللى: شفت بقى هى بتحبك أنت ياليث..
خلصنا اليوم وماما كانت بتلم الحاجة بتاعتنا، وبتنضف الأطفال “اسر وليلى”.
“ليث … نضف رجل رهف وأيديها ولبسها الهدوم دى!” ماما طلبت منى أعمل كده!!
كنت فاكر إن ماما بقت شايفانى راجل كبير، أتاريها بقت شايفانى أم رهف الجديدة!!!
أيوة انا فعلا بقيت أمها، مهو أنا اللى بأكلها، وبلعب معاها، وبتحمل صريخها وعياطها، وبنيمها فى السرير، وبغنيلها، وبتأمل وشها اللى شبه الملايكة وهى نايمة، وبسرح لها شعرها، وساعات بغيرلها هدومها!
وبصراحة أنا كنت مستمتع بالدور ده جدا!
ومرت الايام على الحال ده وكبرنا حبة حبة، وأنا عامل دور الأم أو المربية الخاصة للدلوعة رهف، واللى من غير ما أحس أو حد يحس بقت رهف مهمة بالنسبة لى جدا، وحاجة أساسية فى حياتى، وبقت اكتر من طفلة مزعجة اقتحمت حياتي من وانا صغير!.
كل ليلة كنت بقرأ لرهف قصة صغيرة قبل متنام، ودى كانت آخر ليلة تباتها معايا فى الأوضة من ثلاث سنين، من ساعة ما جت عندنا البيت!
ثلاث سنين من الحب والاهتمام والرعاية لصغيرتى رهف، زى أى أم وأب ما بيعملوا.
رهف دلوقتى كبرت وبقى عندها ست سنين بابا قدملها فى المدرسة، كل يوم بعد مبترجع من المدرسة كانت بتحكيلى على كل حاجة حصلت معاها، وكنت أنا اللى ببقى مسؤول عنها، وبتأكد إنها أكلت أكلها ومحدش زعلها، وبذاكر لها دروسها البسيطة، وهى كانت تلميذة شاطرة! وكانت بعد ما بتخلص دروسها بتاخد علبة الألوان وكراسة التلوين بتاعتها وتروح على سريرها وتفضل تلون بهدوء.
أد ايه هى جميلة وهادية!!
“ليث ينفع تلون معايا؟”
أنا كنت سرحان وببص عليها وبفكر إن من بكرا سريرها مش هيكون عندى فى الأوضة، ومش هقعد ألون معاها تانى، وكنت متضايق جدا!!
يا ليييث!! لون معاياااا!!
وقتها خدت بالى إنها بتنده عليا لأنها كانت بتزعق، بصيتىلها وضحكت!! هى كانت بتحبنى ألون معاها!!
تعلق طفوولى جدا مش اكتر من كدا!!
رديت عليها: ماشى يلا!! لقيتها فى نفس اللحظة نطت على السرير بتاعى وقالتلى: يلاا!.
هى كالعادة اللى اختارتلى الرسمة اللى عايزانى ألونها، وكانت رسمة بنت رايحة المدرسة وشايلة الشنطة، “يا روحى ليه ملونتيهاش انتى دى حتى شبهك” ، لما قولتلها كده ابتسمت وفضلت تدور فى الكراسة بتاعت التلوين على حاجة مش عارف هى إيه، سألتها بتدورى على إيه؟
“مش لاقية ولد شبهك، خلاص انا هرسمك!!”
انا اتفاجأت… واتبسطت!!
خدت القلم بتاعها ورسمت رسمة مضحكة جدا، ولد طوييل وخطين طوااال تحت المناخير، سألتها: إيه الخطين دول؟
قالتلى: ده شنب!!
“بس أنا معنديش شنب يارهف!” بقولها كده وأنا عمال أضحك، قالتلى: لأ انت لما هتكبر هيبقى عندك شنب طويل زى بابا، عشان انت طويل، فضلنا نضحك إحنا الإتنين على الرسمة، وحسيت إنى فعلا طولت أوى، شكلى هبقى أطول من أبويا كمان!.
فضلنا بعد كدا نلون الرسمتين، رهف الصغيرة وليث الطويل.
“مين كان يعرف إن الرسمتين دول هيفضلو معانا كل العمر ده!!”
لما الليل ليل نقلت سرير رهف لأوضتها الجديدة، كانت أوضة صغيرة جنب أوضتى بالظبط.
رهف الصغيرة كانت مبسوطة أوى إن بقى عندها أوضة لوحدها زى ليلى، وكانت مبسوطة إن ليلى هتبطل تعايرها إنها معندهاش أوضة! واضح ان العلاقة بينهم مش بتتصلح بالعكس دى بتسوء اكتر!.
نقل رهف من أوضتى خلانى حزين جدا… أنا عايزها تكون معايا وأكون مسؤول عنها وأرعاها أكتر من كدا، هى بالنسبة لى بقت حاجة مهمة جدا!!
أنا وماما خلصنا توضيب الأوضة، ورهف كانت بتساعدنا وهى فى قمة السعادة،” أهو بقى عندك أوضة جميلة ليكى لوحدك، حافظى عليها كويس”
رهف وهى مبسوطة: “حاضر ياماما”، وجه صوت ليلى من بعيد وبتقول: بس أوضتك صغيرة ووحيدة زيك، أنا أوضتى أحلى وأوسع!
كلنا اتضايقنا منها وماما زعقتلها، ” بس انا مش وحيدة لأن ليث جنبى، أنا أوضتى لازقة فيه”
رهف بتقول كده وأنا كنت مبسوط إنها لسة شيفانى جنبها ومتأكدة إنى مش هسيبها لوحدها!!
“لكن ليث ولا هو أمك ولا أبوكى ولا أخوكى، يبقى إنتى وحيدة”
ماما المرة دى مسكتتش لليلى وزعقتلها، وضربتها على دراعها، وقالتلها: إوعى تقولى كدا تانى، رهف بنتى وأنا أمها غصبن عنك، وطلبت من ليلى تعتذرلها، بس ليلى رفضت، أنا فى اللحظة دى كان نفسى أضربها بالقلم من كتر منا متغاظ منها ومن قلة أدبها، بس مرضتش أعقد الموضوع زيادة.
أنا عارف إن المعاملة بينهم بقت وحشة جدا، ومش عارف الوضع ده هيتغير لما يكبرو ولا لا…
كل واحد راح على أوضته ونمنا… كنت فاكر إن الموضوع خلص خلاص، لكن مفيش حاجة خلصت….
صحيت على صوت رقيق جنبى، قدرت أميزه بالعافية… ده صوت رهف!! فتحت عينى وأخدت اللمبة من جنبى ونورتها ولقيت بحر دموع نازل من على خدود رهف الصغيرة، مديت إيدى ومسحت دموعها بالراحة، “مالك يا صغيرتى”.
نطت رهف جوا حضنى وعيطت بشكل قوى جدا، مش عارف بتعيط ليه؟
أنا بقالى كتيير مشفتهاش بتعيط كده!! أعمل إيه!
“إيه اللى حصل يا رهف، إنتى شفتى حلم وحش، إحكيلى مالك؟!”
“هو أنا ليه معنديش أم… ليه ماتت ؟
ليه بابا مات؟
ليه أنا وحيدة؟
هو ربنا مبيحبنيش عشان كدا مخلاش عندى أم وأب؟
هو ده صحيح مش بيتى؟
طب أنا بيتى فين، أنا عايزة يبقى عندى أوضة كبيرة وجميلة زى ليلى! بتقول كده وهى عمالة تعيط ودموعها مغرقانى!!.
لفيت إيدى الإتنين حواليها وحضنتها جامد،” إهدى ياحبيبتى”، ومسحت دموعها وفضلت أهديها، مكنتش متوقع إن الأسئلة دى هتيجى فى عقل طفلة عندها ست سنين، حتى هى عمرها ما اتكلمت معايا فى الحجات دى خالص مع إنها علطول بترغى معايا كتييير جدا وفى أى حاجة بتيجى فى بالها!!
منك لله يا ليلى، عملتى إيه فى البنت البريئة دى!؟
“رهف حبيبتى! إيه الكلام ده! مين قالك كده؟”
“ليلى على طول بتقوللى كده… هى مبتحبنيش… مفيش حد بيحبنى”.
“خلاص أنا بكرا هضربهالك، ممكن متدايقيش نفسك بقى عشان خاطرى، ليلى متعرفش بتقول إيه، أبويا وأمى هما أبوكى وأمك، حطى ده فى دماغك علطول” قلتلها كده وأنا بحاول أهديها قامت مقاطعانى : لا أنت بتضحك عليا أنا معنديش أم ولا أب ومحدش بيحبنى!
رديت عليها: “أومال ليث راح فين؟ أنا مش بحبك؟ إعتبرينى أنا أمك وأبوكى وكل حاجة”.
وأخيرا سكتت وبصتلى وقالتلى: بس إنت معندكش شنب!! ضحكت… أفكار البنت الصغيرة دى عفوية جدا وبريئة جدا!!
“خلاص أنا لما أكبر هيبقى عندى شنبين طوال زى اللى رسمتيهم! إنتى نسيتى ولا إيه!؟
إبتسمت ودموعها وقفت وقالتلى: ولما تكبر هتجيبلى بيت كبير وفيه أوضة كبييرة ليا لوحدى؟
فضلت أضحك ” ااه طبعا هجيبلك أحلى بيت فى الدنيا وهيبقى بتاعك وهتكونى إنتى ست البيت”.
أنا مكنتش عارف أنا بقول إيه!، بس كان أهم حاجة عندى إنى أراضيها.
رهف ابتسمت ابتسامة رضا وحضنتنى بسعادة: أنا بحبك جدا يا ليث، إنت بتعمللى كل إللى أنا عايزاه، ولما أكبر هاخدك معايا لبيتى الجديد…
اللعب هو الحاجة الوحيدة إللى الأطفال بيطلعو فيها طاقتهم، وطبعا علشان أنا كبير، وليلى فيه حرب بينها وبين رهف، فكان آسر هو المنفس الوحيد لرهف فى الوقت ده، كانو بيلعبو وبيقضو وقت طويل مع بعض!.
لما كانت رهف قاعدة معايا فى الأوضة بتاعتى كنت بشوفها وهى بترسم وبتلون، وكانت بتيجى تهزر معايا وتطلب إنى ألون معاها وكنا بنقضى وقت طويل سوا، وكانت علطول أدام عينى… لكن دلوقتى هى بتقضى معظم وقتها مع آسر، وأنا مبقتش بشوفها زى الأول.
فى يوم من الأيام رجعت من المدرسة وكانت رهف قاعدة بتتفرج على التليفزيون، وكالعادة فتحتلها دراعى وقولت: رهف أنا جيت… ليث جه!
هى متعودة تجرى عليا وتحضنى أول ما أوصل البيت، كإنها بتعرفنى أنا وحشتها اد إيه!!
قامت رهف وجت تجرى عليا، وفى نفس اللحظة لقيت اسر دخل من الباب: “رهف… أنا صلحتها، يلا تعالى”، واتفاجات بتصرف مكنتش متوقعه منها أبدا… رهف اديتنى ضهرها وجريت راحت لآسر وخرجو سوا!!!
وأنا دراعاتى فضلت مفتوحة مستنية رهف، ومش مصدق إنها سابتنى ومسلمتش عليا عشان آسر نده عليها!!، بصيت حواليا عشان أتأكد إن محدش شافنى فى الموقف ده، هو يبان إنه موقف عادى، بس أنا حسيت بخيبة أمل كبيرة جدا و اتغظت أوى، ايه يعنى اللى ممكن يشغل رهف عنى!؟
خرجت وراهم عشان أشوف فى إيه…لقيتهم راكبين هما الأتنين على العجلة القديمة بتاعة آسر!!
كانت بايظة وغالبا هو صلحها عشان يلعب بيها مع رهف!، فضلت واقف شوية أتفرج عليهم، رهف مبسوطة أوى وهى قاعدة على الكرسى اللى ورا آسر، وآسر عمال بيجرى ويطير بيها وهى بتضحك والفرحة مش سيعاها!! ماشى يا رهف! دى اخرتها!!
رحت على أوضتى وقعدت على سريرى ولقيت نفسى سرحت فى الحاجات اللى بتشغل رهف عنى!!
هى دخلت المدرسة جديد، وعندها أصحاب جداد، وواجب المدرسة، وكراسات التلوين، واللعب مع آسر!! ثوانى… هو إيه اللى أنا بعمله ده!؟
أنا أشوف اللى ورايا أحسن…
طردت كل الافكار دى من دماغى، وافتكرت إنها آخر سنة ليا فى إعدادى ولازم اذاكر كويس!
رهف… رهف… رهف…!
أنا ليه مش عارف أوقف تفكير فيها وأشيلها من دماغى، صعبان عليا كل اللى عملناه سوا وهى نسيته ونسيتنى… هى فعلا نسيتنى!؟
ليث فضل مشغول برهف طول اليوم، معرفتش أركز ولا فى مذاكرة، ولا أى حاجة تانى! “دى بت مزعجة أصلا مورهاش غير اللعب، كانت مسؤولية كبيرة ورخمة، والحمدلله أنا دلوقتى حر أخيرا”
كنت عمال بصبر نفسى بالكلام ده، وبحاول أركز فى المذاكرة! بس شكل مفيهاش مذاكرة فعلا!!
على المغرب كده خرجت من البيت أتمشى، كان الجو حلو وقلت أمشى رجلى شوية، يمكن أعرف اطردها من دماغى!
كنت بتمشى ومبسوط ومستمتع بالجو لغاية ما قابلت أكتر حد أنا مش بطيقه! على زميلى فى المدرسة!! هو إبن عيلة غنية أوى، وعيل رخم ومتدلع وقليل الأدب، ومعروف بين كل زمايلنا فى المدرسة إنه منحرف ومش متربى، كان هو آخر حد أتمنى أشوفه فى يوم زى ده! أنا أصلا مكنتش طايق نفسى!.
” إيه يا عم ليث، سايب المذاكرة بتاعتك وخارج تصيع فى الشارع ليه! هو ده ليث المجتهد إللى بيقولوا عليه! والله لافضحك بين كل أصحابك بكرا فى المدرسة”.
على قال كده وهو بيضحك ضحكته الرخمة اللى دمها تقيل، وأنا كنت شايط من جوايا، بس مرضتش أرد عليه، وإديته ضهرى ومشيت!
جه جرى ورايا وقالى: “طب متيجي نخرج ونسهر سوا، وأوعدك يا عم هخليك تنجح غصبن عن أى حد، زى منا بنجح كل سنة!”
لفيت وشى ليه وقولتله: “إبعد عنى ياض يا رخم، أنا ميشرفنيش أقف أتكلم مع واحد زيك يا عيل يا صايع”، معرفش أنا قلت كده إزاى وليه، مع إنى مش متعود أقول كلام زى كده لأي حد، أيا كان هو مين! بس تقريبا عملت كده عشان أنا كنت أصلا متعصب وعلى آخرى من إللى رهف عملته معايا!!
على إتغاظ جدا وإتحرق دمه من كلامى وقام مدينى بالبوكس فى وشى، اتخانقنا وضربنا بعض!
من اليوم ده اتخلقت بينى وبينه عداوة دايمة، هو مبيفوتش فرصة ممكن يضايقنى فيها، وأنا يا إما أرد عليه واطنشه، يا إما أمسك فيه ونضرب بعض!! والموضع بيننا انتهى نهاية وحشة جدا، زى مهتشوفو…
فى يوم كنت راجع فى طريقى للبيت، عديت على مكتبة جنبنا، ولقيت نفسى بدور فى وسط أدوات وكتب الرسم والتلوين، وإشتريت مجموعة تلوين جديدة عشان رهف!
أنا بعترف إنى مقدرتش اشيلها من بالى اليوم ده… كانت أول مرة تسيب دراعاتى مفتوحين ليها وتمشى!!.
لما وصلت البيت لقيت رهف وليلى وآسر فى الجنينة بتاعة البيت، كانو قاعدين بيتفرجو على العصافير اللى جوا القفص، بابا كان جايبهم من كام يوم، وكان ضحكهم مالي الدنيا!!
بتبقى جميلة أوى يا رهف وإنتى بتضحكى!!
وبتبقى رخمة أوى وإنتى بتعيطى!!!
كنت فاكر إنها مش هتاخد بالها منى لما جيت، لإنها كانت مشغولة مع آسر وليلى، فمشيت ورحت ناحية باب البيت، وأنا ماسك فى إيدى الشنطة اللى فيها مجموعة التلوين الجديدة.
ليييييييث!! انت جيت!!
سمعت صوتها وهى بتنادينى بصوت عالى، وبتجري عليا وفاتحة دراعاتها وبتضحك!! لقيت نفسى بفتحلها دراعى فورا وشيلتها وفضلت أتدوخ بيها، “يا صغيرتى… جبتلك معايا حاجة بتحبيها أوى!”
بقولها كده وأنا فى قمة السعادة إنها رجعت تجرى عليا تانى لما أوصل البيت!!
عنيها جت على إيدى، وخدت منى الشنطة بسرعة وبصت فيها، وفرحت أوى، ولفت دراعاتها حوالين رقبتى جامد وهى بتحضنى لغاية مكانت هتخنقنى!!
“أنا بحبك اوى يا ليث… يلا عشان تلون معايا”
رديت عليها وأنا مبسوط… لأ وأنا طاير من الفرحة: “عيونى، تحت أمر رهف هانم”
تقريبا والله أعلم إن أنا دلوقتى اتأكدت إنى بقيت مهووس بالطفلة دى، وهتجنن لو حصل معاها أى حاجة وحشة لا قدر الله!! ودى حاجة أنا مكنتش عامل حسابها خااالص…ربنا يستر!.
ثلاث حاجات دلوقتى هم اللى شاغلين بالى وأنا بفكر فيهم، (دراستى وإمتحاناتى، ورهف الصغيرة، والأوضاع السياسية فى البلد اللى بتبشر بحرب قريبة).
كنا يوم الأربع، مروحتش المدرسة لإن أمى كانت تعبانة جدا الصبح وبطنها وجعاها، بس الحمد لله بقت كويسة.
كنت قاعد على الكرسى بتاع مكتبى، وقدامى كتب ودفاتر كتيرة مفتوحة ومتنعكشة فوق المكتب! أنا استغليت قعدتى فى البيت وغيابى من المدرسة، وذاكرت اليوم ده كتير جدا، لكن برده الثلاث حاجات اللى شاغلين بالى مش عارف اوقف تفكير فيهم!!
موضوع الدراسة والامتحانات فى إيدى عادى، ادينى أهو بذاكر كويس وإن شاء الله هنجح، وأوضاع البلد السياسية، دى حاجة مش فى إيدى دلوقتى وبالذات وأنا لسة صغير كده!!
لكن رهف الصغيرة… فهى بين إيدى!! لكن للأسف برده أنا مملكش إنى أسيطر عليها، ولا أقدر أتغلب على تفكيرى فيها!! ااه منك يا رهف!!! وضعى بقى ميؤوس منه!.
واضح إن التفكير الكتير فى أى حاجة بيخليها تتنقل من عقلك لعينك، وده اللى حصل بالظبط لما الباب خبط فجأة واتفتح من قبل ما أقول ادخل حتى!!
“ليييث…ليييث….ليييييث”!
نطت رهف بسرعة من الباب لغاية قدام مكتبى وهى بتنادينى وبتتكلم بسرعة جدا، وعلى إيديها كتب المدرسة بتاعتها : “ليث… الميس النهارة علمتنا ازاى نصنع صندق للأمنيات، يلا بقى بسرعة ساعدنى نعمل واحد يكفى كل الأمنيات بتاعتى!! أنا مكنتش فاهم حاجة! أنا لسة كنت بفكر فيها، وكنت فاكر إنها قاعدة بتلعب مع آسر!! “على مهلك يارهف، إهدى، بالراحة، إنتى جيتى من المدرسة إمتى؟”
ردت عليا وهى ماسكة إيدى وبتشدنى عايزانى أقف: “لسة راجعة من المدرسة دلوقتى، بص الطريقة بتاعة الصندوق فى الصفحة دى، يلا بقى إعملى واحد بسرعة!”.
أخدت الكتاب من إيديها وبصيت فى الصفحة، لقيت إنه درس بيعلم الأطفال إزاى يعملو صندوق من الورق!! ورهف العسولة جتلى عشان أعملها واحد! بصيتلها وإبتسمت!! أنا متأكد إنها مش هتسيبنى غير لما أنفذ لها الأوامر بتاعتها!
لقيت نفسى بقولها: “حاضر يا رهف هانم، هدور فى حاجتى على ورق كرتون قوى أعرف أعملك بيه الصندوق”.
بعد أقل من نص ساعة كان مع رهف اسطوانة جميلة، ملزوق عليها قلوب وفراشات، وفيها فتحة من فوق، يتحط فيها فلوس ورق، وفلوس معدن، وورق صغير مكتوب فيه أمنيات رهف!
رهف طارت من الفرحة بالإختراع العظيم ده!! أخدت الإسطوانة وجريت بسرعة ناحية الباب! “رايحة على فين”
سألتها وجاوبتنى وهى مديانى ضهرها وبتجرى: “رايحة أوريها لآسر”، إتفاجأت إن الكام دقيقة اللى قضيتهم مع رهف، بنعمل الإسطوانة، وبنلزق الصور، وبنضحك، خلصو، ومن غير حتى متقولى أنا بحبك ياليث زى كل مرة بعملها حاجة بتحبها!!.
إيه الجنان اللى انا فيه ده؟ أنا إزاى بقيت متعلق بيها كدا؟ وإزاى أحس أصلا إن الطفلة دى تخصنى؟! أنا بقيت سخيف أوى!!!
استنيتها ترجع… لكنها مرجعتش!! دى حتى مقالتليش شكرا! وكمان مقفلتش الباب وراها!!!
أكيد إتلهت مع آسر! خلاص أنا هطرد التفكير ده من دماغى، وهقعد أشوف كتبى وأخلص اللى ورايا، أو أفكر فى المواضيع السياسية بتاعة البلد، أهو أشوف حاجة مهمة أعملها وخلاص.
بعد ساعة، رهف جت… كان لسة الصندوق فى إيديها، وفى الإيد التانية ماسكة قلم: ليث، ممكن تكتبلى على الصندوق من برا كلمة (صندوق الأماني)! أخدت الصندوق والقلم من إيديها وكتبتلها اللى هى عايزاه وإديتلها الصندوق “تمام كده؟”!.
مكنتش راضى أبصلها وأنا بديلها الصندوق، مهى لازم تاخد بالها إني زعلان منها.
“ليث!”، ندهتلى وكانت بتبسملى، ووشها كان محمر! يبقى كده أخدت بالها أخيرا إنى كنت متدايق منها، وأكيد دلوقتى هتشكرنى على اللى عملته معاها!!
“ليث.. ممكن تدينى ورقة صغيرة!
تقريبا فكرة إنها تشكرنى مجتش على بالها أصلا!
طلعت المفكرة الصغيرة بتاعتى من درج المكتب، وقطعت منها ورقة صغيرة، وإديتها لرهف، وهى أخدت الورقة بسرعة جدا وقالت: “شكرا”.
كنت ساعتها فاكر إنها كالعادة هتخرج من الأوضة وتمشى، لكن لقيتها رايحة ناحية سريرى!!
قعدت فوق السرير وأخدت المخدة وحطت عليها الصندوق والورقة الصغيرة، وبدأت تكتب!!، انا اتفاجأت، وغصبت عينى إنها ترجع تبص للكتاب اللى على مكتبى فورا، بس بالى فضل مشغول عند المخدة اللى هناك!!!
“ليث”، رهف ندهتلى، وإديت التصريح لعينى إنها ترجع تبصلها تانى أخيرا! بصتلها ورديت: “نعم”
“ممكن تعلمنى إزاى أكتب (أنا)”، دورت بعينى فورا على اللوحة إللى بعلم رهف عليها الكتابة، كانت محطوطة على رف من الرفوف بتاعة المكتبة، وكنت رايح عشان أجيبه بس لقيت رهف سبقتنى وقامت بسرعة وجابتهولى قبل متحرك، سندت اللوحة على الحيطة وكتبت عليها (أنا)، رهف بصت عليها كويس، وبعدين رجعت تانى على السرير وبدأت تكتب، بعد شوية رفعت راسها تانى: “ليث!”، رديت: “نعم يا صغيرتي”!
“ممكن تعلمنى أكتب إزاى كلمة (لما)!؟
كتبت الكلمة بخط كبير على اللوحة ورفعتها على الحيطة عشان تشوفها، مفيش ثوانى ولقيتها بتنده عليا تانى!! “ليث”!
إبتسمت… طريقتها وهى بتنده إسمى جميلة أوى، وأى حد هيسمعها هيبتسم! “نعم يا أميرتى”!
“ممكن تعرفنى بقى إزاى أكتب (أكبر)؟”
كتبت الكلمة ووريتها لها، رهف الصغيرة كانت لسة بتتعلم إزاى تشبك الحروف فى بعضها، وتكتب كلمة، ومتعرفش غير كلمات بسيطة جدا….
فضلت أراقبها فى هدوء وهى بتكتب! أد إيه هى طفلة بريئة وعفوية! أد إيه هى طفلة جميلة!!
رفعت راسها ولما لقيتنى باصصلها سألتنى فورا: “أكتب إزاى كلمة (هتجوز)؟”! فوقت بسرعة من لحظات التأمل البريئة اللى كنت عايشها!، فيه كلمة غريبة طالعة من مكان غريب وصلت لودنى!!!
بصيت لرهف باندهاش وإستغراب….
هى فعلا قالت الكلمة دى!! هتجوز!!! مش ملاحظين إنها كلمة كبيرة شوية، لأ هى كلمة كبيرة جدا عليها!، قولت أسألها عشان اتأكدا من اللى أنا سمعته!: “إيه يا رهف، بتقولى إيه؟”
ردت: “هتجوز، أكتبها إزاى؟” ، أنا متفاجئ من تفكيرها وأسإلتها… وهى مستنيانى أكتبلها الكلمة على اللوحة الصغيرة بتاعتها!
مسكت القلم وأنا متردد وسرحان فى اللى بيحصل، وكتبت الكلمة ببطئ شديد جدا، وهى كتبتها ورايا حرف حرف….
خلصت الكتابة وحطيت اللوحة على المكتب، مستنى الكلمة التانية! مسيرها تسأل دلوقتى!
استنيت… استنيت!! وهى متكلمتش ولا سألت أسألة تانية!، شوفتها طبقت الورقة الصغيرة وحطتها فى الفتحة اللى جوه الصندوق!.
أنا لما أكبر هتجوز….؟ مين الإسم اللى رهف كتبته؟
الأسماء اللى رهف بتكتبها لوحدها هى أسماء أفراد عيلتنا أو أسماء أصحابها فى المدرسة…زى ليث، أو آسر أو أى ولد من زمايلها فى المدرسة!!
“رهف هو إنتى بتعملى إيه؟” كنت عايز أفهم إيه إللى فى دماغها؟
دلوقتى هى جاية نحيتى، والصندوق فى إيديها، “ليث، إكتب أمنيتك!”
“بتقولى إيه يا رهف؟”
“إكتب الأمنية بتاعتك وحطها فى الصندق، ولما نكبر نفتح الصندوق أنا وأنت ونشوف مين فينا أمنيته إتحققت! هى اللعبة كده!”.
أنا بعمل حاجات كتيرة ممكن تبان إنها سخيفة، لكن إنى أكتب أمنية فى ورقة صغيرة وأحطها فى الصندوق بتاع الطفلة بتاعتى دى، أنا هسيبلكو أنتو تحكمو ده إسمه إيه!
قطعت ورقة من المفكرة الصغيرة بتاعتى وبدأت أكتب أمنية واحدة من الأمنيات بتاعتى، كانت رهف مغمضة عينيها عشان تعرفنى إنها مشافتش أنا كتبت إيه.
ياترى إيه هى الأمنية اللى كتبتها وحطتها فى صندوق صغيرتي العزيزة، مش هقولكم، هسيبكم تخمنو!!
بعد ما خلصت رهف طلبت منى أخبى صندوق الأمنيات فى رف من رفوف المكتبة بتاعتي، شكلها كانت خايفة تضيعه أو خايفة إن ليلى تلاقيه وتاخده تقطعه.
“ليث، إوعدنى إنك مش هتفتح الصندوق خااالص”
“عنيا يارهف… أوعدك إنى مش هفتحه”، إبتسمت رهف وخرجت من الأوضة، وقالتلى: “هروح أعرف آسر إنى خلصت”.
لما خرجت رهف كان نفسى أعرف إيه اللى كتبته فى الورقة، وكنت قربت أخلف الوعد اللى وعدتهولها، لكن فوقت نفسى بسرعة، أنا مش هخيب ظن رهف الصغيرة فيا أبدا!
أنا لما أكبر هتجوز….؟
مين يارهف؟ مين !؟ ميين !!؟
نفس اليوم العصر قرر بابا إنه ياخدنا يفسحنا فى الملاهى، بسبب إصرار أختى ليلى الشديد! أنا مكنتش عايز أروح، أنا مبقتش صغير، والملاهى مبقتش بتشدنى، لكن ماما أقنعتنى إنى أروح عشان أرفه عن نفسى شوية وأفصل عن المذاكرة، وفعلا الجو كان جميل…
رهف وقفت أدام واحدة من الألعاب الصعبة والمخيفة وأصرت إنها عايزة تجربها! وطبعا محدش وافق إنها تركب القطر السريع والمرعب ده!
وطبعا زى مقولتلكم، هى لما بتبقى نفسها فى حاجة مش بتسكت غير لما تعملها!! بتفضل تعيط وتصرخ، وساعتها بتتحول من رهف لرعد!!
بابا برقلها وزعقلها عشان تبطل عياط، المفروض إنها تسمع كلامه لما يؤمرها بأى حاجة من باب التربية! سكتت رهف وبطلت عياط الحمد لله!.
فضلت ماشية رهف وراسها فى الأرض من الحزن والدموع مغرقة الدنيا تحت رجلها! أنا ليث ميهونش عليا أشوفها كده! مفيش حاجة فى الدنيا بتهزنى أد إنى أشوفها حزينة وبتعيط!
“تمام يا رهف دى أول وآخر مرة هتركبيه، بس عشان تشوفى هو أد إيه مرعب وصعب عليكى، وأنا هركب معاكى”، أول مقولت كده أبويا وأمى اعترضوا فورا: “لأ يا ليث… مش هينفع” رديت عليهم: ” أنا همسكها كويس، متقلقوش”.
السبب الحقيقى لاعتراضهم كان بسبب إنى بعمل لرهف كل حاجة هى عايزاها! أنا عارف إن أنا مدلعها جامد، بس هو مش من حق الطفلة اليتيمة إنى أحققلها حتى لو واحد فى المية من إحتياجاتها!!
أخدت رهف وطيرنا على القطر وركبناه، وعكس متوقعنا كلنا، كانت مبسوطة جدا وبتضحك ومخفتش منه أبدا، ولما وقف القطر وجينا نازلين، تتوقعو قابلت مين…. على اللئيم!!
“مين! ليث! جميل أوى اللى بيحصل ده! بتغيب من المدرسة عشان تتفسح مع العيال الصغيرة”، إتجاهلته وأخدت رهف ومشينا، وهو مسكتش جه جرى ورايا وفضل يقولى كلام مستفز شبه بالضبط! مقدرتش أمسك نفسى وإتخانقنا مع بعض!
شوية والناس إتدخلت ومن ضمنهم بابا حاولو يبعدونى أنا وعلى عن بعض!
وكان على بيجيب دم من مناخيره! شكلى ضربته جامد!! بصراحة يستاهل أكتر من كده!!!
وكان عمال يقول: “هتندم على اللى إنت عملته ده ياليث، وهتدفع التمن غالى”، والناحية التانية كانت موجودة رهف اللى أول مرة تشوفنى بتخانق مع حد وبضربه! كانت مرعوبة ولازقة فى ماما!.
أنا اسف يا رهف… مكنتش أتمنى تشوفينى كده…
لما رجعنا اليوم ده من الملاهى، بابا هزقنى جامد على إللى أنا عملته فى الملاهى، وكمان وأنا فى إيدى طفلة صغيرة، وقاللى: “كنت فاكرك كبرت وعقلت وبقيت راجل”!!
الكلمة دى وجعتنى جدا أكتر من ضرب على ليا!! وكمل بابا كلامه: “يعنى إنت عاجبك شكلك وأنت متشلفط كده وبقيت بلطجى ومتفرقش حاجة عن على بتاعك ده”.
أنا سمعت الكلام ده واتضايقت جدا، خدت بعضى ودخلت الأوضة وأنا متعصب، رميت كل الكتب والدفاتر اللى كانت على مكتبى، وكسرت اللمبة اللى بذاكر عليها، أنا مش عارف أنا مالى النهارده! ليه بقيت عصبى ومش طايق كلام لأى حد كده…
بعد شوية صغيرين، اتفتح باب الأوضة بالراحة! كانت رهف! “ليث….”!
أول ماسمعتها بتنطق إسمى قاطعتها فورا: ” إرجعي لأوضتك يا رهف بسرعة” فضلت بصالى وهى لسة واقفة عند الباب، بصتلها بغباء وقلتلها: إنتى لسة واقفة، قلتلك إمشى من هنا!
من خوفها قفلت الباب بسرعة وطلعت تجرى، مهى أول مرة أقسى عليها بالشكل ده وأزعقلها! وأد إيه أنا ندمت بعد كده!!
بصيت على صندوق الامنيات بتاع رهف، وخدته عشان أقطعه، كنت عايز أفش غلى فى أى حاجة قدامى، وبعدته عن إيدى فى آخر لحظة.
أنا عارف إن يوم السبت الجاى فى المدرسة هيفضلوا على وشلته يتريقو عليا طول اليوم، ومش هخلص! كل ده بسببك إنتى يا ست رهف يا متدلعة، عشانك إنتى بعمل الحاجات الهبلة والسخيفة دى، اللى بتخلى الناس يتريقو عليا!
وبصراحة أنا كنت بعمل عشانها حاجات تانية كبيرة جدا ممكن يتبنى عليها مصير ومستقبل…
زى مهتشوفو….
الليلة دى أنا معرفتش أنام، إتراكم على دماغى التفكير فى التلات حاجات، الدراسة، والحرب، ورهف، والموضوع ده كان مسببلى أرق وصداع شديد!! ياارب… أنا تعبت… تعبت أوى!!!
تروح فى داهية المدرسة والدراسة! وتروح فى داهية السياسة والحرب! ورهف….! رهف…!!
وأروح أنا لرهف!!
نطيت من على السرير بسرعة وكنت محتاج جدا إنى أشوفها وأراضيها، أنا كنت قاسي معاها لأول مرة، أنا ندمان جدا على اللى أنا عملته ده!!
أكيد هى غرقانة فى النوم! مشيت بالراحة ودخلت أوضة رهف، لقيت الدنيا ضلمة جدا، رهف صغيرتى مش واخدة إنها تنام فى الضلمة كده! كانت بتصر إنها تنور نور هادى عشان تنام عليه!!
قربت من سريرها وحاولت أشوف وشها الملائكى، بس معرفتش، نورت اللمبة واتفاجأت إنها مش موجودة على السرير… السرير فاضى…
جريت بسرعة وروحت فتحت النور العالى، ودورت فى كل حتة فى الأوضة… وملقتهاش….!
خرجت من الأوضة وفضلت أدور عليها فى أوضة آسر، وبعد كدا أوضة ليلى، ودورت فى كل مكان ممكن تكون رهف فيه… فاضل أوضة أمى وأبويا!
مشيت وأنا فاقد الأمل فى إنى ألاقيها هناك، وفى نفس الوقت مش عارف هقول اللى حصل ده إزاى لأبويا وأمي؟!
وصلت عند الباب عشان اخبط عليه، وإيدى من كتر الخوف مكنتش قادرة تترفع، أعمل إيه لو هى مش هنا؟! هى ممكن تكون فعلا مش هنا!!
الخوف والقلق على رهف إتملكونى ساعتها، ودماغى وقفت، ومكنتش عارف أفكر صح خاالص!
خبطت على الباب جامد، كذا خبطة ورا بعض، أى حد هيسمعها هيخاف!
“ثوانى… حاضر” أمى بتقولى كده وهى بتفتح الباب ومرعوبة!! “خير يا ليث يا إبنى… في إيه”!
خدت نفسى وسألتها: هى رهف نايمة هنا عندك؟!
كنت عمال أبص فى عين أمى عشان أعرف منها الإجابة بسرعة قبل متقولها!! قولى آه يا أمى… بالله عليكى!
“آه يا حبيبى… نايمة هنا أهى”!! أمى قالت كده وأنا أول ما سمعتها حسيت إن فى جبل إتشال من عليا!!! فجأة أعصابى كلها سابت بعد ما كانت مشدودة جدا، ورجلى مكنتش قادر أقف عليها! رجعت بضهرى وقعدت على الكرسى، ماما جت ناحيتي وبصت على الساعة وبعدين بصتلى: “ليث…فيك إيه ياحبيبى؟ مالك؟!”
غمضت عينى شوية ومكنتش قادر أحرك أى حتة فى جسمى، وبعدين فتحت عينى وقولتلها: قلقت لما ملقتهاش فى أوضتها، وكنت هموت من القلق لما ملقتهاش فى باقى البيت!! أمى قربت منى ومسحت على راسي وقالتلى: “إهدى يا إبنى يا حبيبى”! وبدأت تحكيلى اللى حصل، “رهف جاتلى وكانت زعلانة وبتعيط عشان أنت زعقتلها وطردتها من الأوضة” شكل كده ماما كمان بتأنبنى وعايزانى أندم على اللى أنا عملته!
“عشان خاطرى يا ماما سيبينى، أنا ندمت لما قلت … إنتى مش شايفة إنى منمتش لغاية دلوقتى بسبب كده…؟!
“أنا آسف إنى أزعجتك يا أمى، تصبحى على خير”
رهف! إنتى عايزة إيه منى، يا ترى هتعملى فيا إيه أكتر من كدة!!.
صحيت تانى يوم متأخر، ورحت المطبخ لقيت أمى بتعمل الأكل، ورهف قاعدة جنبها بتلعب بالعرايس بتاعتها، دخلت المطبخ: “صباح الخير يا ماما… صباح الخير يا رهف” وكنت باصص لرهف ومبتسملها وأنا بتكلم، ولقيتها فجأة قامت جريت ومسكت فى رجل أمى، ووقفت وراها وكانت خايفة، كأنها بتقولها إحمينى!! إتضايقت جدا… هي فعلا صغيرتى وحبيبتى رهف بقت بتخاف منى!!!
“رهف… تعالى هنا”
مرضيتش تتحرك، وأكتر حاجة زعلتنى إنها لفت وشها الناحية التانية عشان ماتشوفنيش! مشيت بسرعة من المطبخ! أكيد هتنسى يعنى… الأطفال بينسو بسرعة!! ولا الأحسن إنها متنساش، خلينى أخلص من الهم اللى شايله بسببها!!!
بليل جت عندنا أم صبرى، هى تبقى خالة رهف الوحيدة، وجابت معاها أطفالها (صبرى ونهال)، كان صبرى إبنها الكبير، عنده سبع سنين، ونهال كانت أصغر منه بكام شهر، وواضح إن فيه فرد جديد قرب ييجى وهينضم لعيلتهم!
رهف بتحب خالتها أم صبرى جدا، وهى كانت بتجيلنا من وقت للتانى عشان تشوفها وتتطمن عليها.
بيتنا إتقلب وبقى جنينة أطفال، ضحك، ولعب، وجرى، وتنطيط، وصريخ، وعياط!!
كانو كلهم مبسوطين، لكن أنا كنت قاعد فى أوضتى وبذاكر، فجأة الأصوات كلها اختفت!! يبقى الضيوف مشيو!.
بعد كده أمى حضرت العشا وندهتلى عشان آكل، أنا كنت جعان جدا، أنا تقريبا مكنتش كلت أى حاجة من الصبح.
الكرسى اللى جنبى عالسفرة، كان هو كرسى رهف، كانت بتقعد عليه دايما، وكنت بساعدها فى إنها تخلص أكلها! ببص على الكرسى لقيته فاضى!!
“رهف فين” بسأل ماما ولقيتها بتقوللى: “شبطت فى خالتها وراحت معاها، وأنا سبتها تروح، كده كده بكرا الجمعة أجازة”! أنا كنت مستغرب جدا…!
إشمعنى تروح معاها المرة دى، مهى خالتها بتيجى كل مرة بتقعد معاها شوية وبتمشى، وعمرها معملت كده!!! طبعا نفسى اتسدت عن الأكل ومكنتش طايق نفسى، وحاسس إنها مشيت بسببى! كلت حاجات بسيطة وقومت دخلت أوضتى فورا! كدا يارهف… ماشى…!
بابا خدنى يوم الجمعة بليل عشان أروح معاه ونجيب رهف من بيت خالتها، وصلنا وأنا نزلت وبابا فضل مستنى فى العربية، وصلت عند باب الشقة وخبطت، خالتها فتحتلى: “خش يا ابنى… أهلا وسهلا”
دخلت الأوضة اللى كانت فيها رهف، لقيتها قاعدة مع صبرى ونهال وبيلعبو كلهم سوا، أول ماشافونى بصولى جامد، أنا شكلى يخوف ولا إيه؟!
ممكن عشان أنا طويل، وجسمى ضخم شوية!!
“إزيكو ياحلوين… عاملين إيه… لسة مخلصتوش لعب”، أنا بتكلم وهم باصينلى ومتنحين ومحدش راضى يرد عليا!، فبصيت لرهف: “إيه يا أميرتى الصغيرة، يلا تعالى جه وقت الرجوع لبيتنا”!
“مش عايزة” كانت أول جملة رهف تنطقها إنها مش عايزة ترجع البيت! “إزاى ياحبيبتى… مينفعش عشان بكره عندك مدرسة، هتروحى إزاى”
“مش هروح… مش عايزة”
“رهف، يلا ياحبيبتى، لو عايزة هجيبك هنا كل يوم تلعبى معاهم، بس إحنا لازم نروح دلوقتى، بابا مستنى فى العربية”!
مش باين عليها إنها هتقوم! أعمل إيه دلوقتى معاها؟! أتصرف إزاى؟!
جت أم صبرى وقالتلى: “أنا هتصرف”، راحت وقعدت جنب رهف: “بصى ياحبيبتى، ليث هيجيبك هنا تانى بكره عشان تلعبى مع نهال، وكمان هاتى ألعابك معاكى عشان تلعبو بيها سوا، إيه رأيك؟!”
“مش عااايزة” قالت كده وفتحت فى العياط والصريخ!! وخالتها إفتكرت إننا بنضايقها، أو بنعاملها وحش فى البيت، عشان كده مش عايزة تروح معايا!!
أنا مش عارف إيه اللى حصل، ليه مش عايزة تقرب منى وخايفة منى كده، كل ده عشان زعقتلها وخرجتها من أوضتى؟!
أم صبرى حضنتها وفضلت تهدى فيها: “هيجيبوكى تانى هنا بكرا، متخافيش” وأنا عشان أشجعها تيجى، قولتلها: “عارفة وإحنا مروحين بابا هيودينا فين؟! عند محل الآيس كريم، وهتجيبى الآيس كريم اللى إنتى عايزاه”، تقريبا عجبتها الفكرة، بطلت عياط وفضلت بصالى…
خالتها بتزود التشجيع وبتقولها” يلا ياحبيبتى، وبكرا لما تيجى هنجيب آيس كريم تانى ليكى إنتى ونهال وصبرى… هستناكى”، جابت رهف عندى ووقفتها قدامى بالظبط، ورهف كانت حاطة راسها فى الأرض، وبعدين بدأت ترفع عنيها بهدوء وبصتلى بصة أنا عمرى ما هنساها، كإنها بتعاتبنى بيها على قسوتى معاها، وبتقولى…خذلتنى!
مديت إيدى وشيلت رهف الصغيرة من الأرض وضميتها لصدرى، وبوست راسها، مش عارف ممكن أعتذرلها إزاى؟!
حبيبتى يتيمة الأم والأب، اللى مهما عملتلها كل اللى نفسها فيه، عمرى ما هعرف أعوضها عن ساعة واحدة هتقضيها فى حضن أهلها.
قلت: “عايزة إيه، لعبة جديدة ولا كراسة تلوين جديدة؟”
ردت عليا: ” لعبة وكراسة تلوين”!
“إنتى بت طماعة أوى… ماشى يا ستى اللى تؤمرى بيه هيتنفذ… عيونى ليكى”، بصتلى وابتسمت أخيرا! فى نفس اللحظة حسيت حاجة بتحرك البنطلون بتاعى! دى نهال! “شيلنى أنا كمان، أنا شوفتك وأنت شايل رهف وليلى مع بعض… أنت قوى أوى”، يااارب… أنا ناقص!!
فى اليوم ده بليل خليت رهف تنام على سريرى لآخر مرة، وقرأتلها قصة، ولونت معاها، وطبعا إشتريتلها كذا لعبة، وكذا كراسة تلوين، وأكيد معاهم الآيس كريم.
تقريبا هى دى طريقتى فى الإعتذار! دلعى الزايد لرهف كان لإنى بحبها جدا وعايزها على طول مبسوطة!
وهى نايمة على سريرى فى هدوء وسلام، فضلت أتأملها! أد إيه هى جميلة وعسولة! أد إيه أنا متعلق بيها! أد إيه اللى أنا بعمله ده جنااان!
روحت ناحية صندوق الأمنيات بتاع رهف، وفضلت أبصله أوى، كان نفسى عينى تخترق الورق وتشوف رهف كتبت إيه على الورقة بتاعتها؟!
ياريت أعرف الإسم اللى ورا الجملة دى…؟
أنا لما أكبر هتجوز….؟
لما تكبرى يارهف….
إكبرى إنتى بس…. وأنا…
فى يوم من الأيام كنا عايزين نعمل مشويات فى البيت، بابا وضب حاجة الشوى، وولع الفحم.
كنا مبسوطين بالتغيير اللى عملناه اليوم ده، إحنا مش كتير بنعمل كده.
آسر اللى أنا على طول شايفه طفل، كان مجنون بالعجلة بتاعته، وبيحب يجرى بيها هنا وهناك طول الوقت، ورهف كانت بتحب تركب معاه دايما، وأخيرا اتعلمت تركبها وتسوقها لوحدها، كانت راكبة وبتسوق العجلة وآسر قاعد فى الكرسى اللى وراها، وقعدت تميل يمين وشمال، وتمشى حلو شوية، وتقع شوية! بس كانت وقعات خفيفة! وكانو مستمتعين وبيضحكو!
ليلى كانت بتحضر مع أمى اللحمة والحاجات اللى هنشويها، وبابا بيهوى على الفحم وبيخليه يولع زيادة، وأنا كنت قاعد براقبهم كلهم فى صمت وبرود ظاهرى، لكن جوايا كنت حاسس إن فيه حاجة بتولع زى الفحم ويمكن أكتر… معرفش هى إيه..؟
بابا راح يجيب حاجة، ولما بعد عن الفحم خلانى أركز فى النار المولعة اللى خارجة من الفحم، وبقيت أبص على رهف وآسر وهم بيضحكو وطايرين سوا، وأرجع أبص على الفحم اللى قايدة منه النار، ولقيت نفسى سرحت….وفجأة صوت خبطة كبيرة رن فى ودانى!!!
العجلة إتزحلقت بسرعة جدا وهى رهف بتسوقها، وآسر معرفش يلحقها ويوقفها، وإتخبطت فى حاجة ووقعت بيهم هم الإتنين! كان ممكن الخبطة دى تكون بسيطة زى الخبطات اللى فاتت، وكانت هتعدى، لكن لو مكنتش العجلة إتخبطت فى الشواية اللى مليانة فحم مولع! الصوات والصريخ رجرج المكان….!
جرينا كلنا على الطفلين… وكانت أمى بتولول، وليلى بتصوت، وآسر بيتوجع ومستنى حد يساعده، ورهف بتصرخ من الوجع!!!
الدراع الشمال لرهف إتحرق، نزل عليه فحم سخن مولع، وآسر الموضوع انتهى بيه وهو نص وشه محروق وعينه اليمين بقت شبه مقفولة… طول عمره…
وخلص يومنا الجميل، بحادثة بشعة عمرها ما هتتنسى….، وبالرغم من كل العمليات اللى آسر عملها، فضلت برده آثار الوش المحروق والعين المكرمشة الشبه مقفولة معاه طول حياته، ورهف خرجت بجروح خفيفة فى دراعها الشمال، وجروح كبيرة فى قلبها هتفكرها على طول بالحادثة البشعة دى.
وليلى طبعا مسابتش فرصة إنها تحط اللوم كله على رهف، وتعرفها إنه اللى حصله ده بسببها، وإن آسر هيعيش طول عمره كده عشان هى مهملة ومخدتش بالها….!
رهف بقت مهزوزة ومرعوبة طول الوقت، وبقت بتخاف تنام لوحدها، وكانت بتصر أفضل جنبها وأتكلم معاها فى أى حاجة لغاية متنام!! وكانت فى أول كام يوم بعد الحادثة، بتقوم مفزوعة من النوم وتيجى جرى عليا فى أوضتى!
كنت فاكر المرة اللى نامت فيها فى أوضتى بعد ما رجعنا من عند خالتها هتكون آخر مرة…!
لكن لأ، كانت لما بتجيلى مفزوعة بليل، بتنام فى الأوضة معايا، عشان تحس إنها متطمنة وفى أمان.
” ليث أنا خايفة… النار بتوجع أوى”!
“ليث… أنا مش هركب العجلة تانى طول عمرى”!
“ليث، أنا مش عايزة أبقى لوحدى… متسبنيش… حاسة إن الفحم المولع بيجرى ورايا”!!
“ليث… أنا لما أكبر هبقى دكتورة، عشان أعالج آسر”!
كانت بتيجى كل يوم مفزوعة وبتردد الكلام ده، من بعد يوم الحادثة، وفى يوم منهم أخدت ورقة صغيرة من على مكتبى وهى بتعيط من غير صوت، وكتبت فيها حاجة، وحطتها فى صندوق الأمنيات بتاعها، والغريب إنها المرة دى مسألتنيش على أى كلمة!! أنا متأكد إنها كتبت “يارب آسر يخف”
عدت الأيام وكله حاول يعدى اللى فات ويكمل حياته، وآسر خد إنه يبص فى المراية ويشوف وشه المحروق، وكله استسلم لقضاء الله وقدره، لكن أنا مكنتش بفكر كدا….
كنت حاسس إن الشيطان اللى جوايا هو اللى طلع وخد العجلة وخبطها فى الفحم!!
ورهف وآسر إتحرقو بالنار اللى كانت فى قلبى!
وحسيت إن الحادثة دى مزودتنيش حاجة غير إنها زودت النار فى قلبى!
ومزودتش آسر ورهف، غير إنهم قربو من بعض أكتر!!
وأنا الأيام مزودتنيش، غير تعلق وحب لرهف زيادة…!!!
أنا بقيت مجنون بيها…!
خلصت الثانوية العامة أخيرا، وكنت عايز أدخل الجامعة، لكن القصف اللى إتعرضناله آخر مرة هد مبنى الجامعة اللى أنا كنت عايز أدخلها، وكمان هد جزء من مصنع بابا.
وضع البلد بيتدهور، من ساعة ما قامت الحرب من سنتين تقريبا موقفتش.
المستوى المادى بتاعنا قل بسبب كل الأحداث دى.
الدراسة بالنسبالى مهمة جدا بالذات بعد اللى حصل ده، هى حلم من أحلامى…. وأد إيه أنا أحلامى كتيرة….
فاكرين الصندوق اللى كنا بنحط فيه أحلامنا أنا ورهف، حطيت فيه ورقة جديدة مكتوب فيها حلم من أحلامى “نفسى أبقى رجل أعمال كبير”! أنا حاسس إن الشغل الإدارى لايق عليا جدا!
لقيت فرصة حسيت إنها نزلالى من السماء، جتلى بعثة دراسة فى بلد أجنبى، كانت بشرط إن أنا أعدى بإختبار القبول، والإختبار ده أنا هدخله بعد بكرا.
اليوم ده مرتبط بيه تحديد مصيرى ومستقبلى، بعد بكرا مش بعيد!! أنا رجعت أقرأ مواضيع كتيرة عن مواد دراسية مختلفة عشان أستعد للإختبار! إدعولى أنجح!!
دلوقتى أنا معنديش شغل، ومكسوف جدا من حاجة زى كده، فى التلات سنين اللى فاتو، حجم جسمى زاد جدا وبقيت أطول من بابا وبقيت بتكسف أقف جنبه، لكن صغيرتى الدلوعة، متغيرتش كتير، لسة رفيعة وجسمها صغير، وبتطلب حاجات كتير وبتدلع علينا زى ماهى، والخناقات اللى بينها وبين ليلى على أتفه حاجة لسة برده زى ماهى، وطبعا زى ما إنتو متوقعين! أنا لسة مهووس بيها زى زمان ويمكن أكتر…..
دلوقتى أنا وصلت عند باب المدرسة الإبتدائي بتاعتهم، وشوفو بقى اللى هيحصل!
رهف وليلى عاملين سباق وواحدة وصلت قبل التانية وبتحاول تفتح الباب اللى قدام عشان تقعد جنبى!! والتانية مسكتتلهاش!! وفضلو يتخانقو!! وكمان بيحكمونى بينهم!
“ليث، أنا وصلت الأول”
“لأ أنا اللى وصلت الأول ياليث… مش كده”
“ليث، قولها تبعد عنى”
“أنا اللى وصلت الأول، خليها هى تركب ورا”
“كفااااااية”، كان لازم أزعق عشان يسكتو، كل يوم بتحصل نفس المشكلة، أنا لازم أحط حد للموضوع ده! لازم أعملهم جدول!!
“قولولى مين اللى كانت قاعدة جنبى إمبارح؟”
ردت عليا ليلى: “أنا”!
قولت: “تمااام، يبقى النهاردة يوم رهف، رهف هتقعد جنبى النهاردة وانتى ياليلى بكرا، ماشى”
وركبت رهف جنبى فى الكرسى اللى قدام وهى مبسوطة وحاسة بالإنتصار على ليلى، وليلى ركبت ورا وهى مش طايقة نفسها وبتبص لرهف بحسرة.
قد إيه هتوحشونى يا بتوع المشاكل إنتو!!
“ليث، أنا أخدت النهاردة فى المدرسة درس رياضة صعب أوى، عايزاك تذاكرهولى”
“حاضر يارهف”
“وأنا كمان عايزاك تحل معايا تمارين النحو”
“حاضر يا ليلى”!!
ردت رهف بسرعة: “بس هتذاكرلى أنا الأول، أنا اللى قلتلك الأول”
ليلى قالت: “لأ أنا الأول، درسى أنا أصعب”
أنا الأول… أنا الأول… أنا الأول….
أووووف منهم! خلاص هم أكيد مش هيوحشوني أبدا! إمتى أسافر وأخلص من الإزعاج ده؟!
أنا كنت واخد إنى أذاكرلهم علطول فى السنين اللى فاتت، وخصوصا بعد ما خلصت المدرسة… وطبعا حصلت مواقف بينهم كتيرة جدا، حاولت أختصرهالكم على قد ما أقدر….
وصلنا البيت أخيرا، وأول ما جيت أحط المفتاح فى الباب عشان أفتح، بدأنا منافسة جديدة!!
“إدينى المفتاح يا ليث، أنا هفتح الباب”
“لأ لأ، أنا اللى هفتحه يا ليث”
“ما تقلدنيش…!”
“إنتى اللى بتقدلينى…”
وإبتدت المعركة!!!
كشرت فى وشهم هم الاتنين، وإديت ضهرى للباب ووقفت بينهم: “أنا اللى هفتح الباب، ولو سمعتكو بتتخانقوا تانى على المفتاح، هضربكو بيه إنتو الإتنين، وأفتح دماغكو أخرج اللى فيها، فاهمين ولا لأ؟”!
المفروض إنى كنت بتكلم بحدة ونرفزة، لكن لقيت رهف بتضحك!!
بصيتلها: “بتضحكى على إيه؟”
قالت وهى فطسانة من كتر الضحك: “مش هتلاقى حاجة فى دماغ ليلى عشان تخرجها، دى دماغها فاضية من جوا أصلا”!
ردت ليلى: “إنتى اللى دماغك فاضية، عارفة لو ليث فتح دماغك هيلاقى إيه”
رهف: “إيه!”
ليلى: “البطاطس المحمرة اللى بتاكليها كتيير كل يوم”
رهف وهى بتضحك: “وإنتى هيلاقى عندك الفاصوليا البيضا اللى كلتيها على العشا إمبارح”، والإتنين فضلو يتكلمو على الأكل اللى موجود فى دماغهم، وهم بيضحكو، لغاية ما حسيت إنى قرفت وصدعت من سيرة الأكل.
“كفاااية… أنا اللى هفتح راسى عشان أخرجكو إنتو الاتنين منه، قرفتووونى”.
وفتحت الباب أخيرا وجريت ليلى عشان تسبق رهف وتدخل أوضتها الأول، ورهف مشيت ببطئ، واستنتنى لغاية ما دخلت البيت وقفلت الباب: “ليث”!!
بصيتلها وأنا طهقان من اللى عملوه فيا هم الإتنين: “خير… إيه تانى؟”
“أنا مش عايزة أخرج من دماغك”
بصيت لرهف باستغراب: “نعم!”
كررت كلامها وقالتلى: “أنا مش عايزة أخرج من دماغك”، سألتها: “ليه”!!!
ردت عليا بكل خبث وقالتلى: “عشان أعرف أشوف الناس من فوق… إنت طويييل”.
بصيتلها وضحكت ومديت إيدى ناحيتها ورفعتها فوق فى نفس مستوى راسى: “حلو كده، عايزة تشوفى الناس من هنا؟”!!
رهف فضلت تضحك بسعادة كبيرة أوى، إنتو فاكرين هى كانت بتبقى مبسوطة قد إيه لما بشيلها! هى لسة كده لغاية دلوقتى، بتفرح بنفس الطريقة كل مرة!!
دخلت بيها البيت، وبعدين المطبخ وأنا لسة شايلها، وبعدين قعدتها على كرسى من كراسى المطبخ، وسلمت على ماما اللى كانت واقفة بتحضر الغدا، ورهف سلمت عليها وباستها من خدها!
“يلا يارهف صلى الفرض اللى عليكى، وبعدين روحى على السفرة هيكون الغدا جهز إن شاء الله”
نزلت رهف الشنطة من على كتفها، وقالت: “حاضر يا ماما” وهى جاية تخرج وقفت وقالت بسعادة: “بطاطس محمرة”!!!
ردت أمى عليها: “أيوة ياروحى، عملتها عشانك… عارفة إنك بتحبيها”، خرجت رهف من المطبخ وهى بتتنطط من الفرحة، هى بتحب البطاطس المحمرة أوى!!!
ماما كانت بتكمل الأكل اللى على البوتاجاز، وكلمتنى من غير ما تبصلى: “مابقتش صغيرة”
بصيتلها كويس وقولتلها: “رهف؟ أيوة كبرت شوية”!
“مابقتش صغيرة على إنك تشيلها على دراعك”!
اللى أمى قالته خلانى أغير مجرى الكلام اللى أنا كنت فاهمه!! يبقى هى دلوقتى معترضة على إنى كنت شايل رهف الصغيرة….!!!
“لكن يا أمى هى لسة طفلة صغيرة وخفيفة، وبتحب تتشال”.
ردت عليا أمى: “دى عندها دلوقتى تسع سنين يا إبنى”!!
كلام أمى خلانى أرجع بالزمن لورا، من ست أو سبع سنين، لما جت رهف جديد عندنا، اااه يارهف… قد إيه كنتى زنانة ومزعجة… اااه على الأيام…
مين كان يصدق إن أنا ربيت رهف فى حجرى، سرحتلها شعرها، وأكلتها بإيدى، ونضفت ودانها، وغيرتلها هدومها! مين جرب إنه يكون أم لطفلة صغيرة يتيمة وهو صغير أو حتى مراهق مكملش عشرين سنة؟!! ياااه على الذكريات!!!
روحت أوضتى وفضلت أقلب فى ألبوم الصور بتاعت العيلة، ولقيت…. فعلا رهف كبرت….
الوقت عدى بسرعة أوى… وأنا خلاص هقدم فى الجامعة، ولما أسافر….،…
لأ، وقفت هنا ومقدرتش أكمل!! مقدرش أفكر إيه اللى ممكن يحصل بعد كده؟!!
هسيب إزاى أهلى وبلدى..؟
هتحمل إزاى الغربة وأنا لوحدى…؟
إزاى هييجى عليا الصبح من غير ما أشرب الشاى الجميل من إيد إمى، وإزاى الدنيا هتليل من غير ما أقعد وقت المغرب مع أبويا وأقرأ له الصحف؟
إزاى عينى هتغمض من غير ما أتمنى لأخواتى نوم هادى… وإزاى قلبى هيعرف يدق من غير ما أخد رهف فى حضنى…؟؟؟
أنا المفروض إنى هروح أمتحن بعد بكرا، ولو عديت ونجحت المفروض إنى أسافر! أنا بحس بقلق وخوف كل ما أفكر فى الموضوع!! أنا هقدر أكمل كده؟!
لازم أقدر، إحنا وضعنا المادى بيتدهور وشهادتى من جامعة خارجية هتحسن الوضع كتير، أسماء الطلبة اللى اترشحو للاختبار ده قليلة جدا، وده كان من حظى، وأنا واثق إنى هعدى منه إن شاءالله.
قلبت فى ألبوم الصور وكنت محتار، آخد معايا أنهى صورة وأنا مسافر؟؟
وبعدين إخترت صورة إحنا كلنا فيها، كانت رهف ماسكة فى رجلى جامد! وكان فيه إبتسامة هادية مرسومة على وشها الجميل!!
هى دى!!
أخدت الصورة، ومعاها صورة تانية لرهف وهى بتلون فى الكراسة بتاعتها، وشيلتهم فى المحفظة بتاعتى.
بليل روحت أنا وآسر أخويا للسوق، نشترى شوية حاجات، وكنا عايزين نجيب كمان شنط للسفر، ولما كنا هناك جه مجموعة شباب وكان (على المستفز) فى وسطهم!!
على نجح بصعوبة فى الثانوية العامة، واتخرج بالرغم من إهماله للمذاكرة والمدرسة، وتقريبا بباه صاحب النفوذ الكبير أمنله كرسى فى جامعة من الجامعات، وأكيد طبعا بطريقة مش قانونية.
لما شافنى على، جه عليا بالإبتسامة الرخمة بتاعته: “واضح إن ليث هيسافر يا شباب، هو أبوك هيسفرك تدرس برا البلد ويصرف عليك، ولا إنت زعلان على الجامعة اللى اتهدت، وقلبك مكسور…يا عينى يا مسكين؟!”
بدأو الشباب اللى معاه يضحكو، إديتهم ضهرى ومشيت، وعلى راح قايل: “متقلقش! هخلى أبويا يشوفلك جامعة كويسة برا، ولا إيه رأيك تشتغل عندنا، إحنا مصنعنا متحرقش، حتى هبقى كسبت فيك ثواب”.
مقدرش آسر يسكت لما سمع الكلام ده وقال “مش فاضل غير إن الناس المحترمة العزيزة تشتغل عند الناس اللى مش محترمة، وقليلة الأصل”
علي: “اخرس يا أعور يا معفن، مين اللى قالك تتكلم أصلا، إنت مش مكسوف من وشك اللى يخوف ده؟”
وبص على لأصحابه وقال: “اجرو ياعيال، الأعور الدجال أهو”
كمية ضرب وبوكسات ضربتها فى وش على وشلته، ومكنتش شايف قدامى من العصبية، وكان جى على بالى أفقع عين على، عشان يعرف يتريق على أخويا كويس بعد كده، وأخويا آسر مسكتش برده وفضل يضرب فى كل حد يقابله، والخناقة سخنت، وفيه اللى اتدخل وحاول يبعدنا، وفيه اللى جرى منهم، وفيه اللى قعد لغاية ما الشرطة جت وفضت الخناقة!
اليوم ده كان أول مرة أسمع آسر بيعيط من بعد يوم حادثة الحرق، لما حصلت الحادثة كان صغير وعنده حداشر سنة، وموضوع حرق وشه مكنش فارق معاه أوى، لكن دلوقتى هو كبر وبقى شاب والموضوع بقى مأثر فيه، وطلب يومها إنه عايز يعمل عملية تجميل تانى فى وشه!!
هو عمل كذا عملية زمان، لكن دلوقتى الوضع المادي للعيلة ما يسمحش بكده.
لما أتخرج من الجامعة وآخد شهادتى هعرضه على أحسن الجراحين… بس آخد شهادتى….!
تانى يوم خرجت من البيت وهركب العربية، لقيتها متخربشة من كل حتة، أكيد ده على الحيوان، وصلت أخواتى المدرسة، وقعدت لغاية بليل أرتب للسفر القريب بتاعى، خلاص الاختبار هيكون بكرا، فضلت أقرأ فى مواضيع ومعلومات عامة كتيرة، عشان أحضر دماغى للأسئلة، وكل ما أقلب فى الكتب، أقلب فى ألبوم الصور! أنا هسيب عيلتى إزاى وأمشى؟!!
أنا هبعد إزاى عن رهف؟!
أنا مش بتحمل يعدى كام ساعة من غير ما أشوفها وألعب معاها، وبتضايق لما بتبعد عنى وتروح تبات فى بيت خالتها.
وانا قاعد بفكر فى كل ده، جت رهف! خبطت على الباب ودخلت، سابت الباب موارب، “ليث…
عندى تمرين صعب… ممكن تحله معايا”، مكنش عندى حاجة أهم من إنى أساعد صغيرتى رهف فى دروسها، لكن اليوم ده أنا كان عقلى مشغول جدا ومكنتش هعرف أساعدها!
“أطلبى من ماما أو آسر يساعدوكى، أنا عايز أذاكر شوية”
بعد مقولتلها كده فضلت واقفة مكانها ومش بتتحرك!
بصتلها وقولتلها: “يلا يارهف، بقولك أنا مش فاضى النهاردة، مش هعرف أساعدك”!
وبرده هى فضلت واقفة مكانها!
كده في حاجة!!، أنا حافظ الطريقة دى!!!
سبت الكتاب اللى فى إيدى ووقفت قدامها، وركعت على ركبتى عشان أكون فى نفس طولها، “رهف…. قوليلى مالك؟”
اتغيرت ملامحها وبقها الصغير اتقوس وبقت حزينة، وقالتلى: “أنت فعلا هتسافر؟”
إتفاجأت بسؤالها، أنا مش بتكلم معاها فى موضوع السفر ده، لإنى كنت شايف إن لسة بدرى عليه!
رديت عليها وأنا بهزر: “أيوة يارهف، هسافر فى مكان بعيد مفيهوش رهف ولا ليلى ولا المشاكل بتاعتهم، وهسيب دماغى هنا متخافيش”!
تقريبا هى مفهمتش إن أنا كنت بهزر، ومقبلتش الكلام، ولقيت بقها الصغير اتقوس زيادة وبدأت عنيها تحمر، وقالتلى: “هتاخدنى معاك؟”
دلوقتى أنا عينى كمان احمرت وإبتدا بقى يتقوس من الحزن زيها بالظبط، قررت إنى أطرد الحزن اللى انا وهى عايشينه فى اللحظة دى، وسألتها: “مين اللى قالك أصلا إنى هسافر”، ردت: “سمعت أبويا وأمى بيتكلمو وبيقولو كده”!
“بصى يا ستى أنا هسافر شوية صغيرين عشان الدراسة بس وهرجع علطول”
“طب وأنا”!!! بتكلمنى وهى الدموع مالية عينيها!!
“إنتى يارهف ياحبيبتى هتفضلى مع أخواتك وأمك وأبوكى هنا، وأنا هرجع وهخدك معايا لأى حتة فى العالم”
“أنا مش عايزاك تمشى يا ليث… مين هيحبنى زيك كده لو أنت مشيت؟”
حسيت بسكينة بتطعن قلبى وهى بتقولى كده!!
“رهف… يا أحلى بنوتة فى الدنيا… يا أهم حد فى حياتى… إنتى فاكرة إن أنا مش هاممنى إنى هبعد عنك… إنتى متعرفيش فراقك هيعمل فيا إيه”
وأنا بتكلم لقيت دموعها نازلة على خدودها اللى زى الورد، مش عارف هى حست بالسكينة اللى غرزت فى قلبى من الحزن ولا إيه!
دموع أميرتى الصغيرة بتشقلبلى حالى!!
مديت إيدى على خدها ومسحت دموعها وكنت بحاول أبتسم عشان أشيل الحزن اللى فى عينيها: “رهف حبيبتى، إنتى هيكون معاكى بابا وماما، وآسر وليلى، وخالتك أم صبرى وصبرى ونهال ووسام، (وسام هى آخر بنت خلفتها أم صبرى)، وهيكون معاكى كمان أصحابك من المدرسة… يعنى مش هتكونى وحيدة… أنا بس اللى هكون وحيد!!
قالت بسرعة: خدنى معاك!!
“يا ريت ياصغيرتى، لكن أول ما هرجع…”
رهف قاطعتنى، وفضلت تضربنى بإيديها الصغيرة على صدرى…وعلى قلبى… وروحى… وكل عصب وشريان فى جسمى….
“متمشيش… متمشيش”
“رهف… إهدى عشان خاطرى”
“انت وعدتنى هتاخد بالك منى كل يوم وطول العمر، متمشيييش”
كنت كل ما بحاول أهديها وأطبطب عليها، كانت بتزيح إيدى، وتضربنى، ضربها مكنش هيوجعنى لولا آثار الخناقة اللى كانت بينى أنا وعلى وشلته، هى بتضرب بشكل خفيف جدا!! حسيت بالألم لكن مرضتش أتحرك ولا أوقفها، ولا نطقت بأى كلمة، سيبتها تعبر عن مشاعرها زى ماهى عايزة!!
دى رهف اللى إتربت فى حضنى! ونامت على نفس الصدر اللى بتضربه دلوقتى!!
ياريت مكنتش الجامعة اتحرقت!
ياريت مكنش المصنع إتهد واتحرق!
ياريت كانو حرقو أى حاجة تانى!
ياريت كانو حرقو على!!
ياريت مكنتش أبقى مضطر إنى أبعد عنك يارهف…!
لتكملة القصة اضغط الزر بالاسفل






