قصص إثارة وغموض

تحقيقات المفتش عمر قضية (حي السلام)

قال صديقي المفتش عمر: المدينة بقت من وجهة نظري الجنائية مدينة مملة بشكل مش طبيعي بعد إختفاء بروفيسور عبد العزيز.

قلت: ما اعتقدش إن في ناس كتير شريفة هيوافقوا علي كلامك.

عمر بإبتسامة، وهو بيبعد الكرسي لورا عن ترابيزة الفطار: تمام… أعترف إن المجتمع هو اللي كسبان، ومفيش حد خسران إلا المسكين اللي زي عاطل عن الشغل، وراحت وظيفته.

الوقت ده يا أحمد كانت الجرايد بتكتب كل يوم عن تحف رائعة لما كان الشخص ده موجود، وكان دايماً اللي بيتذكر إشارات بسيطة، وإثباتات قليلة، واللي بتدلل على العقل الشرير اللي وراها.

كان ظاهر إن الأمور بسيطة، ومتفرقة… إعتداءات… إنتهاكات…سرقات بسيطة بس بالنسبة للشخص اللي معاه كل الإثباتات كان كفاية بالنسبة ليه إنه يقدر يربطها مع بعض، ويعرف إنها متصلة، وكإنها كلها شبكة عنكبوت متصلة بتدل على العنكبوت الشرير اللي في مركزها.

الوقت اللي بحكي فيه القصة دي كان عدى على رجوع عمر كام شهر…كان عمر طلب مني إني أبيع عيادتي، وأرجع أسكن معاه في أوضتنا القديمة في شارع بغداد….

بالفعل إشترى عيادتي دكتور شاب إسمه فارس، ودفع المبلغ بتاعها كامل بدون أي مشكلة، وكنت طلبت فيها مبلغ كبير، والمدهش إنه دفعوه بدون أي تردد.

معرفتش حقيقة الموقف ده اللي بعديها بكام سنة لما إكتشفت إن الشخص اللي إسمه فارس هو من معارف صديقي المفتش عمر، وإن صديقي اللي خلاه يعمل كده، وهو اللي إداله الفلوس.

طول الشهور اللي فاتت مكانتش فاضية زي ما عمر قال فأنا لقيت، وأنا ببص في مذكراتي إن الفترة دي كان من ضمنها مجموعة من القضايا المهمة… إلا إن طبيعة عمر المتحفظة، ومشاعره الباردة كانت بترفض أي شكل من أشكال المدح العلني…وفرض عليا عمر إني منطقش عنه، أو عن أساليبه، أو عن نجاحه… ومرفعش الحظر إلا دلوقتي.

كان صديقي عمر ساند على الكرسي بعد ما خلص شكوته… فتح الجرنان، وفجأة رن الجرس، وبعديه سمعنا خبط علي الباب، وأول ما إتفتح الباب من تحت… سمعنا صوت جري في الممر، وبعد كده صوت طلوع للسلالم بسرعة.

ثواني، ودخل الأوضة شاب عينيه حمرا… منفعل بشكل كبير، وشه باهت… شعره منكوش… بيترعش، وفضل ينقل عينيه بيني أنا، وعمر… لاحظ الشاب طريقة دخوله الغير لطيفة فقال بطريقه منفعلة.

الشاب الغريب: أنا أسف جداً يا أستاذ عمر… أرجوك ما تضايقش مني أنا إسمي التعيس جميل أيمن محروس.

قال الشاب إسمه كإنه تبرير كافي على زيارته، وعلى طريقة دخوله… بس لاحظت من ملامح عمر إن الإسم ما اظهرلوش، أو بينله حاجة.

عمر، وهو بيقرب للضيف علبة السجاير: إتفضل سيجارة يا أستاذ جميل… أنا متأكد إن بناءً علي الأعراض اللي ظاهرة عليك ممكن لصديقي الدكتور أحمد إنه يكتبلك دوا مهدئ… الجو كان حر في الأيام اللي فاتت.

دلوقتي لو حاسس نفسك إنك هديت شوية أرجوك إتفضل أقعد على الكرسي، وإحكيلي بهدوء إنت مين؟ وعايز إيه؟

إنت قلت إسمك كإن من المفروض إني أكون عارفه… بس للأسف أنا مش عارف عنك أي حاجة باستثناء إن إنت محامي… مش متجوز، ومصاب بمرض الربو.

من كتر معرفتي بطريقة صديقي عمر مكانش شيء صعب إني أفهم ملاحظته، وإستنتاجه… الأول هيئه الشخص الغير منظمة، ومجموعة الأوراق القانونية اللي معاه…كمان الطريقة اللي كان بيتنفس بيها… أما بالنسبة للضيف فكان مندهش جداً.

أستاذ جميل: كل اللي قلته صح يا أستاذ عمر، وفوق كل ده أنا أتعس شخص في العالم… أرجوك ما تسيبنيش يا أستاذ عمر لو جم، وقبضوا عليا قبل ما أكمل حكايتي… خليهم يستنوا لغاية ما أحكيلك القصة كاملة، وقتها يمكن أكون راضي إني أدخل السجن لو حسيت إن إنت موجود بره، وبتعمل حاجة عشاني.

عمر: يقبضوا عليك… واضح إنه شيء مثير للمتع…أقصد مثير للإهتمام إيه التهمة اللي هيقبضوا عليك بسبها؟

الضيف جميل: تهمة إنهاء حياة أستاذ ونيس إبراهيم من حي السلام.

ظهر على ملامح عمر تعاطف مع الضيف، وفي نفس الوقت كان في علامات من الرضا مرسومة على وشه وقال: يا الله… أنا كنت لسه بتكلم مع صديقي الدكتور أحمد، وإحنا على ترابيزة الفطار إن القضايا القوية المثيرة إختفت من الجرايد.

مد جميل إيده اللي بتترعش، ومسك الجرنان اللي كان موجود على رجل عمر، وقال.

جميل: لو كنت بصيت فيه يا أستاذ عمر كنت عرفت سبب زيارتي ليك… أنا حاسس إن إسمي، ومشكلتي كل الناس عرفاهم، وبيتكلموا عليا.

قلب جميل صفحات الجرنان، وجاب الصفحة اللي في النص، وقال: أهي لو تسمحلي إني أقرأها ليك… أسمع يا أستاذ عمر العنوان الرئيسي بيقول: قضية غريبة في حي السلام إختفاء مسؤول بناء مشهور… الشك في جريمة إنهاء حياة، وإشعال النيران بشكل متعمد… إثبات على المجرم.

يكمل جميل: هو ده الإثبات اللي هما ماشيين وراه يا أستاذ عمر، وأنا عارف إنهم هيوصلولي… هما ورايا من محطة مترو المدينة… أنا متأكد إن هما مستنيين لغاية ما مذكرة القبض عليا تطلع… أمي هيحصلها حاجة لو عرفت.

كان الضيف جميل بيحرك إيده بشكل متوتر، وبيتهز في الكرسي لقدام، ولورا.

حسيت بالشفقة على الشخص اللي قدامي المتهم بجريمة صعبة زي دي… كان جميل شخص شعره أشقر… كانت عينيه زرقاء مليانة بالخوف، ومكانش عنده دقن، ولا شنب… كان بقه صغير، وتقريباً عنده 27 سنة… كان لبسه، وشكله بيقولوا إنه شخص نبيل، وكان طالع من جيب الجاكيت الصيفي الخفيف مجموعة من الأوراق اللي إستدل عمر منها على مهنة الضيف.

عمر: لازم ما نضيعش أي وقت… لو سمحت يا أحمد خذ الجرنان، وأقرأ المقالة اللي بتتكلم عن القضية؟

كان نص المقالة كالأتي: حصل في وقت متأخر إمبارح بالليل، أو النهاردة الصبح بدري في حي السلام جريمة خطيرة.

كان أستاذ ونيس إبراهيم من السكان المعروفة في الحي، وكانت مهنته مسؤول بناء مدة طويلة… كان أستاذ ونيس مش متجوز، وعنده 52 سنة، وموجود في البيت اللي في آخر طريق العام.

كان معروف عن أستاذ ونيس إنه شخص غريب، ومكانش ليه علاقات، أو تواصل مع حد… كان شخص إنطوائي، ومنعزل، وطوال السنين اللي فاتت كان إهتمامه، وتركيزه على شغله بس.

معروف عن أستاذ جميل إنه جمع كل فلوسه من مهنته، ولسه لغاية دلوقتي عنده مخزن صغير للخشب في الجزء اللي ورا البيت.

إمبارح بالليل على الساعة 12:00 تقريباً كان في إنذار حريق في كومة خشب… إتحركت عربيات الإطفاء للمكان بس لقوا إن النار مسكت في الأخشاب الجافة بشكل شديد، وكان من الصعب جداً إنه يتم السيطرة على الحريق، وإن النار مش هتتطفي إلا لما تحرق الحطب اللي موجود كله.

لحد هنا كان الموقف ظاهر إنه مجرد حادثة غير مقصودة بس ظهرت أمور جديدة بتقول إن الأمر ده هو جريمة خطيرة.

كل اللي موجودين أخذوا بالهم إن صاحب البيت مكانش موجود في مكان الحريق… بعد التحريات إكتشفوا إن هو مش موجود في البيت، وذكرت الشرطة في تقريرها إنه مكانش موجود في أوضته، ولا نام على سريره، وإن الخزنة الموجودة في الأوضة مفتوحة، وفي مجموعة من الأوراق مرمية في كل حتة في الأوضة.

إتذكر في التحريات إنهم لقوا آثار لشجار شديد… كمان لقوا في الأوضة دم خفيف، وعصاية بتستخدم للمشي من خشب السنديان، وكان راس العصاية عليها بقع دم.

ذكرت التحقيقات إن أستاذ ونيس كان إستقبل ضيف إمبارح بالليل في وقت متأخر، وإن العصاية اللي لقوها كانت ملك للشخص ده، وهو شاب من المدينة إسمه جميل… بيشتغل محامي، وبتأكد الشرطة إن معاها إثبات إن الشخص ده هو اللي قام بالجريمة.

الوقت اللي كنا بنجهز فيه الخبر للنشر عرفنا إنه تم القبض على أستاذ جميل بتهمة إنهاء حياة أستاذ ونيس، ومن المؤكد إن تم صدور مذكرة قبض على المشتبه فيه.

بناء على التحقيقات اللي تمت في حي السلام لقوا بعض التطورات، وهي إن مع آثار الشجار اللي موجود في الأوضة… كمان لقوا إن شباك الأوضة (مكانها في الدور الأرضي) كان مفتوح، وإن في آثار أقدام على الأرض، وكان في أثر لشيء ضخم تم جره لغاية كومة الحطب… وأخر التطورات إنه تم العثور على رفات محروق بين الرماد اللي حصل بسبب الحريق.

بتظن الشرطة إن الجريمة دي من أكتر الجرايم إثارة، وتعتقد الشرطة إن المجرم ضرب الضحية في أوضة نومه بالعصاية لحد ما إنتهت حياته، وفتش في أوراقه، وسحب جسمه لكومة الحطب، وبعد كده ولع النار فيها عشان يمحي أي آثار لجريمته.

الجدير بالذكر إن الشرطي، والمحقق الشهير لطفي هو اللي بيقوم بالتحقيق في القضية، ومعروف عنه الحماسة، والشجاعة، والمهارة.

كان عمر بيسمع المقالة بإهتمام، وكان مغمض عينه، وضامم إيده مع بعض.

عمر: القضية دي فيها بعض التفاصيل المثيرة… هل ممكن أسألك يا أستاذ جميل إزاي إنت لغاية دلوقتي مش مقبوض عليك رغم إن في إثباتات بتدينك؟

جميل: أنا قاعد يا أستاذ عمر مع أبويا، وأمي في الشرقية… بس إمبارح بالليل كان عندي مقابلة خاصة بشغلي في وقت متأخر مع أستاذ ونيس فحجزت في فندق السلام، وجيت من الفندق، وقابلته… ومكنتش عارف أي حاجة عن اللي حصل إلا، وأنا في القطر لما قريت الخبر في الجرنان.

طبعاً تقدر تتخيل صدمتي بسبب الموقف المرعب اللي أنا فيه، وجريت بسرعة عشان أحط القضية بين إيديك… أنا متأكد إن أنا كان لازم يكون مقبوض عليا يا أما من المكتب بتاعي في المدينة، أو من بيتي… هما كانوا ورايا من محطة مترو المدينة… معنديش أي شك… يا الله… إيه ده؟

قاطع الضيف جميل صوت جرس الباب، ووراه على طول خطوات تقيلة على السلم… ثواني، وكان صديقنا المفتش لطفي عند الباب، وكان وراه راجل، أو إتنين من رجال الشرطة واقفين بالزي الرسمي.

لطفي: أستاذ جميل أيمن محروس؟

وقف جميل بيأس، ووشه أبيض باهت زي الميتين.

لطفي: إنت مقبوض عليك بتهمة إنهاء حياة أستاذ ونيس إبراهيم من حي السلام.

بصلنا جميل بيأس، وإترمى على الكرسي مرة تانية.

عمر: إستنى يا لطفي فنص ساعة مش هتفرق معاك… الراجل ده كان لسه بيحكيلي تفاصيل القضية، ويمكن يساعدنا ده إن إحنا نحلها.

لطفي: أعتقد إن مفيش أي صعوبة في حل القضية.

عمر: برغم من ده… أنا حابب أسمع القصة منه.

لطفي: ماشي يا أستاذ عمر… أنا مقدرش أرفضلك أي طلب فإنت ساعدت الشرطة مرة، أو مرتين قبل كده، وإحنا ما ننساش معروفك… بس في نفس الوقت أنا لازم أفضل موجود مع المتهم، ولازم أحذره إن كل كلمة بيقولها ممكن تستخدم كدليل ضده.

جميل: أنا مش عايز أكتر من كده… كل اللي طالبه منكم إنكم تسمعوا، وتعرفوا القصة كاملة.

لطفي، وهو بيبص في ساعته: قدامك نص ساعة.

جميل: لازم تعرفوا في الأول إن أنا مكنتش أعرف أي حاجة عن أستاذ ونيس… كان إسمه معروف ليا، إنه كان صديق لوالدي من سنوات كتير فاتت بس في الفترة الأخيرة كان في فتور في علاقتهم، وبعد كده إنتهت .

عشان كده أنا إتفاجئت جداً لما جه لمكتبي في المدينة إمبارح الساعة 3:00  بعد الضهر، واللي كان مدهش أكتر بالنسبة ليا لما قالي إيه سبب الزيارة… كان معاه مجموعة من الورق، وكانت الكتابة فيها زي الشخبطة… هي دي.

حط جميل ورق على الترابيزة، وكمل حكايته: قالي أستاذ ونيس: دي وصيتي يا أستاذ جميل لو سمحت عايزك تكتبها بشكل قانوني، وأنا هقعد هنا لغاية متخلص مهمتك.

بدأت في كتابة الوصية بشكل قانوني، وحصل أمر مدهش، وهو إني لقيت إن الشخص ده أوصى بكل ممتلكاته ليا.

كان أستاذ ونيس جسمه قليل، وعينيه بياضها شديد، ولونها رمادي…

مكنتش مصدق نفسي، وأنا بقرأ الوصية اللي فهمت منها إن هو مش متجوز، ومعندوش أي أقارب، وإن هو عرف والدي لما كان شاب، وإنه عرف عني إن أنا شاب كويس، وإن فلوسه هتروح لشخص يستحق لما يسيبها ليا… مكنتش قادر إني حتى أقوله كلمات شكر من شدة الإنفعال، والصدمة اللي كنت فيها…

كملت كتابة الوصية بالصيغة القانونية، ومضينا عليها، وكان الشاهد عليها سكرتير مكتبي… الوصية مكتوبة على ورق أزرق، والورق ده زي ما قلت قبل كده هو المسودة اللي كتبها أستاذ ونيس بإيده… كمان في مجموعة من المستندات، وأوراق ملكية، وحاجات تانية اللي كان من المفروض إني أشوفها، وأعرفها.

قالي أستاذ ونيس إنه مش هيستريح إلا لو الموضوع تم بشكل كامل، وأصر إن أنا أزوره في نفس اليوم بالليل في بيته في حي السلام، وإني لازم أجيب معايا الوصية عشان ننهي كل شيء.

أستاذ ونيس: لو سمحت يا إبني ما تقولش ولا كلمة لأبوك، ولا لأمك لغاية ما كل حاجة تخلص… خلينا نخلي الأمر مفاجأة ليهم.

كان أستاذ ونيس مصر جداً على الأمر ده، وخلاني أقسم ليه إني أنفذ كلامه.

أكيد إنت فاهم يا أستاذ عمر حالة الصدمة اللي كنت فيها، وعقلي اللي كان تقريباً واقف، وحالتي دي هي اللي خلتني مقدرتش أرفض طلبه، وهو كان كل اللي هو عايزه إني أنفذ طلباته بالظبط.

عشان كده بعت تلغراف لأهلي أقولهم إن أنا عندي شغل مهم، وإن أنا مش عارف هرجع إمتى، وإحتمال أتأخر… وكان أستاذ ونيس قالي إنه عايزني أجي، وأتعشى معاه الساعة 9:00، وإنه إحتمال ميكونش موجود في بيته قبل الميعاد ده.

اللي حصل إن أنا معرفتش أوصل للبيت بسهولة لحد الساعة 9:30، وبعدين وصلت، ولقيته.

عمر: لحظة واحدة… مين اللي فتحلك الباب؟

جميل: ست كبيرة، وأعتقد إن هي مسؤولة البيت.

عمر: وأعتقد إن هي اللي  قالت عليك للشرطة؟

جميل: بالظبط.

عمر: أرجوك كمل.

جميل: خدتني الست دي لأوضة الجلوس، وكان العشا جاهز… بعد ما أكلنا دخلني أستاذ ونيس لأوضة نومه، وكان فيه خزنة كبيرة… فتحها أستاذ ونيس، وخرج منها مجموعة من الأوراق بصينا إحنا الإتنين على الأوراق، وفحصناها… كانت الساعة بين 11، و 12.

لما خلصنا قالي أستاذ ونيس إن لازم ما نضايقش مسؤولة البيت، وأخدني لبره عن طريق الشباك اللي كان مفتوح طول المدة اللي فاتت.

عمر: هل كانت الستاير اللي من فوق مقفولة؟

جميل: مش قادر أفتكر بس أنا أعتقد إن هي كانت نص مقفولة.. أيوه فعلاً أنا فاكر إن هو رفعها لفوق عشان يفتح ضلفتين الشباك…وقتها ملقيتش العصاية بتاعتي.

قالي أستاذ ونيس: ما تقلقش يا إبني أنا عندي أمل إن أنا هشوفك كتير الفترة اللي جايه… لما ألاقي العصاية هخليها معايا لغاية ما ترجع، وتاخدها.

سبته هناك، وكانت الخزنة مفتوحة، والأوراق موجودة بشكل منظم فوق الترابيزة، وكان الوقت متأخر، ومكانش ينفع إني أرجع لبيتي في الوقت المتأخر ده فقضيت الليلة في الفندق، ومعرفتش أي حاجة عن اللي حصل إلا لما قريت القضية في الجرايد الصبح.

لطفي، وكان ظاهر عليه الإندهاش في الوقت اللي كان بيحكي فيه جميل القصة: في حاجة عايز تسأل عنها يا أستاذ عمر؟

عمر: مش قبل ما أزور الشرقية.

لطفي: إنت قصدك حي السلام.

عمر بإبتسامة مصطنعة: أيوه صح هو ده اللي أنا كنت أقصده.

فهم لطفي إبتسامة عمر من تجاربه الكتير مع عمر اللي قبل كده… بس مقدرش إنه يعترف بشكل صريح فهو عارف إن عبقرية عمر الحادة فهمت أمور هو نفسه مفهمهاش، وكان لطفي بيبص لعمر بفضول شديد.

لطفي: أنا عاوز أتكلم معاك شوية يا أستاذ المفتش عمر.

جميل… موجود على الباب إتنين من رجال الشرطة، والعربية مستنيه تحت.

وقف جميل بيأس، وخرج من الأوضة، وهو بيبصلنا بصه إستعطاف، وتوسل.

أخد الضابطين جميل للعربية، أما لطفي ففضل موجود. 

مسك عمر الورق اللي على الترابيزة، وهي الوصية اللي بإيد أستاذ ونيس، وكان بيفحصها بشكل دقيق.

مد عمر إيده بالورق للطفي، وقال: في بعض التفاصيل المثيرة في الورق ده يا لطفي مش كده؟

لطفي بحيرة: أقدر أقرأ السطور الأولى، وكمان اللي في نص الصفحة التانية، وسطر، أو إتنين في النهاية… السطور دي واضحة جداً كإنها مطبوعة بس الكتابة اللي في النص ما بينهم سيئة جداً، وفي تلات أماكن مش عارف أقرأهم خالص.

عمر: وإيه اللي إستنتجته من ده؟

لطفي: قولي إنت إستنتجت إيه؟

عمر: إستنتجت إن هي إتكتبت في قطر… فالخط الكويس كان القطر واقف في المحطة، والخط السيء لما القطر كان بيتحرك، والخط السيء جداً لما القطر كان بيتحرك فوق محولات السكة، ولو قلنا إن الوصية إتكتبت في وقت رحلة القطر… فالقطر وقتها هيكون قطر سريع ما وقفش إلا مرة واحدة ما بين محطة السلام، ومحطة مترو أنفاق المدينة.

ضحك لطفي، وقال: إنت بتغلبني يا عمر بنظرياتك، وإيه علاقة ده بالقضية؟

عمر: ده بيأكد كلام جميل إن ونيس كتب الوصية في رحلته إمبارح، وده غريب مش كده؟ شيء غريب إن الشخص يكتب ورقه مهمة جداً بالطريقة المهملة ديه، وده معناه إن هو مكانش متخيل إن هي ليها أهمية كبيرة، ولو شخص كتب وصية، وهو شايف إن ملهاش فايدة يبقى في حاجة غريبه.

لطفي: هو كتب شهادة وفاته بإيده.

عمر: إنت شايف كده؟

لطفي: هو إنت شايف غير كده؟

عمر: عموماً القضية لسه مش واضحة بالنسبالي.

لطفي: مش واضحة؟! لو مكانتش القضية دي واضحة فإيه اللي هيكون واضح؟

شاب بيعرف إنه فجأة لما الشخص ده يموت هيكون عنده ثروة كبيرة جداً… فيعمل إيه؟ مش هيحكي لحد، ويجهز ميعاد عشان يقابل الشخص ده بالليل، ويستنى لغاية ما الست اللي في البيت تنام، وبعد كده ينهي حياة العجوز، وهو لوحده في الأوضة… ويولع النار في الجسم جوه كومة الحطب… وبعد كده يروح للفندق.

بقع الدم في الأوضة كانت قليله، وكمان على العصاية… فهو تخيل إنه ممكن ينفذ جريمته من غير دم كتير، وكان بيظن إنه يقدر يخفي آثار الجريمة لما يحرق الجسم… ها… لسه الأمر مش واضح بالنسبالك؟

عمر: الشيء الغريب في القضية يا لطفي هو الوضوح الشديد اللي إنت بتتكلم عنه ده.

لو إنت حطيت نفسك لحظة واحدة مكان الشاب ده هل كنت هتحدد نفس الليلة اللي إتكتبت فيها الوصية عشان ترتكب الجريمة؟ ولا كنت هتتخيل إن الموضوع في خطورة، وإن ممكن يتم الربط بين الأمرين؟ وهل كنت هتختار وقت يتعرف فيه إن إنت موجود في البيت، وكمان في شخص شافك في  البيت؟ آخر حاجة هل كنت هتتعب نفسك، وتخفي الجسم، وتسيب العصاية بتاعتك عشان تثبت إن إنت المجرم؟ لسه يا لطفي مش شايف إن الموضوع في شيء غريب.

لطفي: بالنسبة للعصاية إنت عارف يا أستاذ عمر إن المجرم بعد ما بينفذ جريمته بيكون في حالة إرتباك ممكن جداً إن يكون نسي العصاية، أو خاف يرجع للأوضة تاني… ولو مكانش الكلام ده صحيح إديني إنت وجهة نظر تتماشى معه الأحداث.

عمر: أنا أقدر أديك ست نظريات …فممكن على سبيل المثال ان الشخص العجوز لما طلع الأوراق المهمة جداً شافه شخص معدي من الشباك اللي كانت الستاير بتاعته نص مقفولة، ولما خرج المحامي… دخل الشخص ده، ولقى العصاية، وأنهي حياة الشخص العجوز، وبعد كده حرق الجسم.

لطفي: وليه الشخص ده يحرق الجسم؟

عمر: نفس الكلام وليه يحرق جميل الجسم؟

لطفي: عشان يخفي أثر الجريمة.

عمر: يمكن الشخص ده حاول إنه يخفي إن يكون في جريمة أصلا.

لطفي: وليه الشخص ده ما سرقش أي حاجة؟

عمر: لإن الأوراق مكانش يقدر يساوم عليها.

حرك لطفي راسه بعدم إقتناع، وإن كانت ثقته في نظريته قلت عن قبل كده.

لطفي: ماشي يا أستاذ عمر تقدر تبحث عن الشخص ده، وخلال الوقت ده فجميل هيكون معانا… وقريب هيبان مين اللي وجهة نظرة صحيحة.. خذ بالك من نقطة يا أستاذ عمر إن مفيش أي حد شال أي ورقة من مكانها، وجميل هو الشخص الوحيد اللي مستفاد من ده لإنه هو كان اللي هيورث كل حاجة، وكل حاجة كانت هترجعله على أي حال.

حسيت إن عمر إتفاجئ بالكلام الأخير، وقال: مقدرش إني أنكر إن كل الإثباتات بتأيد وجهة نظرك… كل اللي أنا عايز أقوله إن ممكن يكون فيه وجهات نظر تانية، وزي ما إنت ما قلت قريب هتظهر وجهة النظر الصحيحة… أعتقد إن أنا هروح حي السلام النهاردة عشان أشوف إيه اللي حصل في التحقيقات.

 

لتكملة القصة اضغط الزر بالاسفل



هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكرا لك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى