تحقيقات المفتش عمر قضية (وادي الريان)

في يوم من الأيام كنت قاعد مع مراتي مريم على ترابيزة السفرة بنفطر، ودخلت الخدامة، وفي إيديها رسالة من صديقي عمر بتقول: هل تقدر إنك تفضي نفسك يومين؟ وصلتني رسالة بخصوص حادث وادي الريان، وهكون ممتن ليك لو جيت معايا، الهوا هناك رائع، والمناظر الطبيعية خلابة، همشى من محطة القطر الساعة 10:15.
بصيتلي مراتي مريم وقالت: إيه رأيك يا حبيبي؟ هل هتروح معاه؟
قلت: مش عارف، عندي عيادة، وعدد كبير من المرضى الفترة ديه.
مراتي مريم: ما تقلقش زميلك في الشغل هيشيل مكانك، إنت محتاج إنك تغير جو، بقالك فترة مرهق وتعبان في الشغل، وكمان إنت بتحب إنك تتابع تحقيقات صديقك المفتش عمر المثيرة.
قلت: لو هروح يبقى لازم أقوم أحضر شنطتي حالاً، قدامي نص ساعة بس.
بسبب خبرتي كطبيب في الجيش كان ليها تأثير على حياتي، فهي خلتني دايماً مستعد ومتأهب.
كانت حاجتي قليلة وبسيطة، وفي أقل من نص ساعة كنت خرجت ومعايا شنطتي، وركبت عربية رايحة لمحطة القطار.
كان صديقي عمر واقف على رصيف المحطة، وبيتحرك رايح جاي، كان باين عليه إنه أكثر رفع وطول، وهو لابس الجاكيت الطويل الرمادي الواسع.
عمر أول ما شافني: أنا سعيد جداً إنك جيت يا أحمد، شيء مهم جداً بالنسبة ليه إنك تكون موجود، وجودك يقدر يساعدني.
أي مساعدين تانين يا إما عديمي الفائدة، أو هيكونوا غير منصفين.
أحجز لينا كرسيين عقبال ما أجيب التذاكر.
ما كانش موجود في عربية القطر غيرنا إحنا الإثنين، وكمية كبيرة من الجرايد اللي جابها عمر، وفضل يقرأها ويفحصها، ويكتب ملاحظاته، وفي النص يقعد يفكر شوية.
بعد ما عدينا نص الطريقة، قفل عمر الجرايد وحطها علي جنب.
عمر: إنت ما سمعتش خالص عن الحادثة ديه؟
قلت: لأ أبداً أنا ما بقرأش الجرايد بقالي أيام.
عمر: جرايد المدينة ما قدمتش القصة بشكل كامل، أنا قريت دلوقتى الجرايد اللي أتنشرت من قريب، عشان أقدر أفحص التفاصيل.
واضح إن هي قضية بسيطة بغاية الصعوبة.
قلت: ده كلام عكس بعضه.
عمر: بس هي ديه الحقيقة، كل ما كانت القضية عادية مفيهاش أي مميزات كل ما كانت صعبة، جمعوا في التحقيق ده إثباتات قوية ضد إبن القتيل.
قلت: معنى كده إن هي جريمة إنهاء حياة؟
عمر: واضح إن هي كده، بس أنا مش مقتنع بالأمور المسلم بيها لغاية ما أتأكد منها بنفسي، أوصفلك الموضوع في جمل قليلة زي ما فهمت.
وادي الريان منطقة ريفية، مش بعيد عن قرية الفيوم، وأستاذ طارق عز هو أكبر شخص بيمتلك أراضي في المكان ده، كان سافر قبل كده وكون ثروة، وبعد كده رجع لبلاده من كام سنة.
أجر لشخص إسمه أستاذ تامر محمود واحدة من أفضل المزارع اللي بيملكها أستاذ طارق وهي مزرعة اللؤلؤة.
كان أستاذ تامر يعرف أستاذ طارق خلال السفر لإنهم سافروا لنفس البلد.
كان شيء غريب إن هما لما يرجعوا من السفر يقعدوا قريب من بعض.
كان واضح إن أستاذ طارق عز هو الشخص الأغني عشان كده أستاذ تامر هو اللي بقى بيأجر منه، إلا إنه واضح إن كان في علاقة منافسة ما بينهم، وكانوا بيقضوا مع بعض أغلب الوقت.
كان لأستاذ تامر إبن واحد عنده 18 سنة، أما أستاذ طارق كان عنده بنت واحدة في نفس العمر تقريباً، ما كانتش زوجاتهم هما الإثنين عايشين.
واضح إن هما كانوا بيحبوا العزلة، وكان أستاذ تامر هو وإبنه بيحبوا الرياضة جداً، و كانوا بيشاركوا في سباقات كثيرة من اللي بتتعمل حواليهم.
عدد الأشخاص الموجودين في بيت أستاذ طارق كبير مش أقل من ست أفراد، وهي ديه كل المعلومات اللي قدرت إني أعرفها عن العيلتين.
خلينا دلوقتي نبص للأحداث اللي حصلت، ثلاثة يونيو واللي كان يوم الإثنين اللي فات، خرج تامر من بيته في مزرعة اللؤلؤة على الساعة 3:00 بعد الظهر.
وإتمشى لغاية بحيرة الريان، وهي بحيرة صغيرة، وهي اتكونت بسبب كبر حجم النهر الموجود في وادي الريان.
كان تامر في اليوم ده الصبح مع الخادم في قرية الفيوم، وقال للخادم إنه عايز يخلص بسرعة عشان عنده ميعاد مهم الساعة 3:00، وهو ده الميعاد اللي ما رجعش منه عايش.
كانت بحيرة الريان بعيدة عن بيت مزرعة اللؤلؤة ربع ميل، وفي شخصين شافوا أستاذ تامر كان ماشي لوحده وعدى من الطريق بتاع البحيرة.
كان الشخص الأول ست عجوزة ما اتقالش إسمها في التحقيق، والشخص الثاني كان حارس إسمه وجدي وهو شغال عند أستاذ طارق.
كان أقوال الحارس وجدي إنه شاف أستاذ تامر ماشي في الطريق ده لوحده، و بعد دقايق شاف إبنه أستاذ جميل ماشي في نفس الطريق وفي إيده بندقية.
هو بيظن إن جميل كان بيتتبع أبوه، بس الحارس ما اهتمش بالأمر لغاية ما سمع بعد كدة بالكارثة اللي حصلت.
في شخص ثاني شاف تامر وابنه بعد ما الحارس وجدي شافهم، كانت بنت إسمها بسمة وهي ابنة حارس وادي الريان.
هي بنت عندها 14 سنة، وكانت ماشية عند الأشجار اللي جنب البحيرة بتقطف الورد.
قالت البنت إن هي شافت أستاذ تامر وإبنه عند أول الغابة جنب البحيرة لما كانت هي هناك، وكان واضح إن هما كانوا بيتخانقوا.
قالت إن هي سمعت أستاذ تامر بيكلم إبنه بطريقة قاسية، وقالت إن هي شافت الإبن جميل وهو بيرفع إيده كإنه هيضرب أبوه، خافت من الموقف وجريت.
لما روحت للبيت حكت لمامتها اللي حصل، وهي إنها شافت أستاذ تامر وإبنه بيتخانقوا عند البحيرة، وإن هي خايفة إن الموضوع يكبر أكتر من كده.
قبل ما البنت تخلص الكلام يتفاجئوا إن أستاذ جميل بيجري عند بيت الحارس عشان يقول إنه لقى أبوه متوفي في الغابة، وإنه عايز مساعدة الحارس.
كان في حالة إنفعال شديد، وما كانش معاه البندقية بتاعته ولا طاقيته، وكانت إيده اليمين وكمه ملطخين بالدم.
لما راحوا معاه لقوا أستاذ تامر على الأرض جنب البحيرة.
لقوا إن دماغ أستاذ تامر متهشمة من ضربات آلة ثقيلة، وإن ممكن تكون الآلة ديه هي نهاية بندقية الإبن، اللي لقوها بعد كده على بعد خطوات من الجثمان.
بعدها تم القبض على الإبن، ووجهت إليه تهمة القتل.
كانت التحقيقات يوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء أتعرض على القاضي في الفيوم، بس تم تأجيل القضية للجلسة اللي جايه.
هو ده اللي حصل في القضية واللي كتبت الشرطة بيه تقرير وقدمته للقاضي.
قلت: الموضوع صعب جداً وبشع، وكل الأدلة بتشير إن المجرم هو إبن أستاذ تامر.
عمر وهو بيفكر: ممكن الأدلة إنها تكون خادعة، وممكن في لحظة إنك تظن إن هى بتتجه في إتجاه معين، أما لو بصيت للأمر بشكل مختلف ممكن تلاقيها بتتجه في إتجاه تاني خالص.
ان كان لازم أعترف إن الأدلة ضد الشاب قوية جداً، وإن من المحتمل إن يكون هو المجرم.
كان فيه بعض الأشخاص من الجيران ومنهم بنت أستاذ طارق، بيعتقدوا إن الإبن بريء.
حتى إن الناس ديه وكلوا محامي عشان يدافع عن الإبن في القضية.
عشان كده حس لطفي بالتردد فحول القضية ليه، وعشان كده يا صديقي إحنا الإثنين مسافرين في سرعة 50 ميل في الساعة عشان نحل القضية.
قلت: أعتقد يا عمر إن الأحداث ظاهرة وواضحة، وواضح إن مش هيكون ليك أي ميزة لحل القضية.
عمر بإبتسامة: هو في حاجة يا صديقي خادعة أكثر من الحقيقة الواضحة، ويمكن يا صديقي نقابل حقائق تانية واضحة مكانتش باينة للطفي.
إنت عارف يا صديقي أحمد إن أنا مش هبقى مغرور لما أقول إن أنا هبطل نظرية أستاذ لطفي بطريقة هو نفسه مش هيقدر إنه يستخدمها ولا إنه يفهمها.
خليني أوضحلك الأمر، خلينا نظن إن شباك حمامك جنبك من ناحية اليمين، وإنت واقف قدام مراية الحوض …أنا ما أعتقدتش إن لطفي ممكن ياخد باله من الحاجة البسيطة ديه.
قلت: إزاي بالله عليك؟!
عمر: أنا أعرفك كويس يا صديقي، وعارف إن إلتحاقك بالجيش خلى شخصيتك دقيقة ومنظمة.
إنت كل يوم بتحلق دقنك الصبح، وكمان إنت بتستخدم ضوء الشمس وقت الحلاقة.
كل ما اتجهنا ناحية جنبك الشمال كانت الحلاقة أقل دقة وإتقان، وده معناه إن الجزء ده كان الضوء فيه قليل.
ما تصورش أبدا إن إنت ممكن تبص لنفسك في المرايه في ضوء كويس، وتوافق على النتيجة ديه من الحلاقة.
أنا بذكر الأمر ده كمثل على قوة ملاحظتي ودقة وإستنتاجي، وهو ده مجال شغلي.
من خلال ده ممكن إني أفيد التحقيق، في نقطة أو نقطتين ظهروا في التحقيق ولازم يتم التفكير فيهم.
سألت: وإيه هما؟
عمر: واضح إن يوم القبض على جميل الإبن ما حصلش في نفس الوقت، حصل لما رجع لمزرعة اللؤلؤة، وقاله ضابط الشرطة هناك إنه هيتم القبض عليه، وكان رده انه ما ظهرش عليه دهشة وقال إن ده اللي يستحقه، وكان الكلام ده يأكد الشك في إدانته.
قلت: هو كده أعترف.
عمر: لأ هو أصر إنه بريء.
قلت: بس بعد كل اللي حصل والأدلة، وإنه يقول تعليق زي ده.. شيء مش طبيعي ومثير للشك.
عمر: لأ بالعكس، التعليق اللي هو قاله ده أنا شايف هو الأمل الوحيد وسط كل الأحداث اللي بيثبت إن هو بريء.
هو مش غبي رغم إنه عارف إنه بريء إلا أنه قادر يشوف
إن كل الأدلة ضده بشكل خطير.
أما لو كان في حالة ذهول أو حتى غضب وقت إعتقاله موقفه هيكون فيه شك، لأن الذهول والغضب هيكونوا ردود فعل مش طبيعية في وجود الأدلة.
اما إظهاره بتقبل الوضع فده يثبت حاجة من إثنين، أما إن هو رجل بريء، أو إنه رجل عنده قوة وصلابة كبيرة في ضبط النفس.
أما عبارة إنه يستاهل الأمر ده، فما تخليناش ننسى إنه كان في اليوم ده جنب جثمان أبوه، والشجار اللي حصل ما بينهم وإنه وجه لأبوه كلمات عنيفة، زي ما البنت الصغيرة قالت (وكانت شهادتها مهمة جداً) وإن هو رفع إيده وكان هيضربه، واضح إن تأنيب الضمير والشعور بالذنب هما اللي ظهروا في الكلمات اللي قالها.
أنا أظن إن الشخص اللي قال الكلمات ديه شخص عقله سليم مش عقلية إجرامية.
حركت راسي وقلت: في أشخاص كثيرة أوي اتشنقت بإثباتات أقل من ديه.
عمر: بالفعل… وفي أشخاص كتير اتشنقوا ظلم.
سألت: وإيه أقوال جميل الإبن في الأمر؟
عمر: للأسف هي مش في صالحة، وإن كان في نقطة أو نقطتين مهمين جداً في أقواله، أتفضل تقدر تقرأها بنفسك.
مد عمر إيده وخرج جرنان من الجرايد اللي موجودة جنبه، وشاورلي على الخبر.
كان الخبر بيقول: قدم اليوم أستاذ جميل شهادته في الحادث المأساوي لأبيه أستاذ تامر.
أستاذ جميل: كنت مسافر لمدة ثلاث أيام، ما رجعتش إلا يوم الإثنين الصبح كان يوم ثلاثة في الشهر، ولما رجعت البيت كان والدي مش موجود، وقالتلي الخادمة إنه راح هو والخادم لقرية الفيوم.
بعد شوية سمعت صوت عجلات عربة أبويا، ولما بصيت من الشباك لقيته بيركب العربية وبيمشي بسرعة، أنا ما كنتش عارف المكان اللي هو رايح فيه.
خدت البندقية بتاعتي ومشيت ناحية بحيرة الريان كنت رايح أصطاد أرانب في الطريق الثاني من البحيرة.
وأنا ماشي شفت الحارس وجدي زي ما قال في الشهادة بتاعته، بس هو غلطان أنا ما كنتش ماشي ورا والدي، أنا ما كنتش أعرف إنه قدامي.
لما قربت من البحيرة سمعت صوت النداء المخصص ما بيني وما بين أبويا، جريت ولقيته واقف جنب البحيرة.
وأول ما شافني ذهل، وسألني بشدة عن إيه اللي بعمله هنا.
وتكلمنا في أمر أدى إن كان رد فعله عنيف وصل لحد الضرب، والدي شخص عصبي جداً.
لما شفت إن الكلام ما بينا خرج عن السيطرة سبته ورجعت في إتجاه البيت.
ما بعدتش كثير عنه حوالي 150 متر، وبعد كده سمعت صوت صرخة عالية… رجعت بسرعة ولقيت أبويا مصاب بجرح شديد في راسه ومرمي على الأرض.
رميت البندقية بتاعتي وشلته بين دراعاتي…. بس هو لفظ أنفاسه الأخيرة في وقتها.
قعدت جنبه دقائق وبعد كده جريت على الحارس، لأنه كان أقرب شخص ليه عشان أطلب إنه يساعدني.
ما شفتش حد مع أبويا لما رجعتله، ولا أعرف إزاي إتصاب بالجرح ده.
على الرغم إنه كان شخص مش محبوب بسبب طباعه العصبية والغاضبة، إلا إنه ما كانش ليه أي أعداء تسعى لأذيته.
القاضي: هل قال والدك أي كلام قبل ما يموت؟
جميل: قال كلمات قليلة بصوت واطي، بس أنا ما قدرتش أسمع إلا كلمة ريت.
القاضي: وفهمت إيه من ده؟
جميل: مفهمتش أي حاجة، كنت فاكره بيخرف.
القاضي: وإيه هو الأمر اللي أتكلمتوا فيه وكان سببه إن حصل ما بينكم شجار؟
جميل: أفضل إني ما أقولش.
القاضي: أنا مصر على إني أسمع إجابة السؤال.
جميل: مستحيل إني أقول، بس أنا أقسملك إن الأمر ما لهوش علاقة بالحادثة اللي حصلت.
القاضي: أنا اللي أقرر ده، ولازم تفهم إن عدم إجابتك ورفضك ده بيضر بوضعك في التحقيق.
جميل: أنا مصمم إني ما أقولش.
القاضي: فهمت من كلامك إن في نداء مخصص ما بينك وما بين أبوك؟
جميل: فعلاً.
القاضي: وهو إزاي صرخ بيه من غير ما يشوفك، ومن غير ما يعرف إنك رجعت من السفر؟
جميل بحيرة: مش عارف.
القاضي: إنت مش شايف إن الموضوع فيه شك إنك بعد ما تسمع النداء المخصص ما بينكم تلاقي أبوك مصاب بجرح خطير وقاتل.
جميل: بس أنا ما شفتش حاجة معينة.
القاضي: بمعنى؟
جميل: أنا كنت منفعل ومضطرب لما سمعت صرخة أبويا، جريت عند الأرض الفاضية اللي قدام البحيرة ، مكنتش بفكر في أي حاجة غير والدي.
بس كان عندي إحساس غريب وقوي لما كنت بجري لقدام إن في حاجة على الأرض من ناحية الشمال، كان متهيألي إن لونه رمادي، ممكن يكون شال أو جاكيت، بس هو إختفى لما سبت والدي وقمت أدور عليه.
القاضي: إنت تقصد إن الحاجة ديه أختفت قبل ما تروح للحارس وجدي؟
جميل: أيوه.
القاضي: ما تقدرش تحدد إيه هي؟
جميل: مش عارف، بس أنا كان عندي إحساس قوي إن في حاجة موجودة هناك.
القاضي: كانت بعيدة قد إيه عن الجسم؟
جميل: تقريباً 12 متر.
القاضي: كانت بعيدة قد إيه عن أول الغابة؟
جميل: نفس المسافة تقريباً.
القاضي: إذا كان في حد خده فأكيد ده حصل في الوقت اللي كنت بعيد عنه 12 متر.
جميل: أيوه بس أنا كنت مديله ظهري.
هنا إنتهى إستجواب جميل الإبن عن الحادث المأساوي.
قلت وأنا ببص للمقال: واضح إن القاضي كان قاسي على جميل، فهو بيثبت تناقض الكلام، في إن إزاي الأب يقول إن النداء الخاص ما بينه وما بين إبنه من غير ما يشوفه، والأمر الثاني رفض الإبن إنه يحكي الكلام اللي حصل ما بينه وما بين أبوه أدى إلى الشجار.
ضيف على ده الكلام الغريب اللي قاله على لسان أبوه قبل ما يموت، وديه كلها نقاط تدين الشاب.
ضحك عمر و مد رجله وقال: إنت والقاضي إستخدمتم النقاط ديه للإدانة، أما أنا فشايف إن النقاط ديه في مصلحة جميل.
في أول الأمر إنتم بتقولوا إن هو عنده مخيلة واسعة، وبعد كده تشيلوا عنه الصفة ديه!
ليه ما ظنتوش إن كان ممكن إن الشاب يخترع أي سبب للشجار يحسن موقفه في القضية، وفي النقطة ديه قلت إنه ما عندوش مخيلة واسعة، أما لما ذكر الكلمة اللي قالها أبوه قبل ما يموت، في اللحظة ديه قلت إنه عنده مخيلة واسعة.
يا صديقي أحمد أنا هدقق وهفحص في القضية ديه، وهعتبر إن كلام الشاب صادق وصحيح، وهنشوف هيودينا الأمر ده لفين.
أنا مش هتكلم في الموضوع ده تاني لغاية ما نوصل للمكان اللي حصلت فيه الجريمة، إحنا هناكل الغداء بتاعنا في القرية، وأعتقد إن إحنا هنوصل بعد 20 دقيقة.
كانت الساعة تقريباً 4:00 لما وصلنا لقرية الفيوم، وكان مستنينا على الرصيف شخص رفيع بيظهر في ملامحه ونظراته الخبث والمكر، لابس جاكيت طويل يشبه الحياة الريفية اللي حواليه.
قدرت إني أتعرف عليه ده مفتش الشرطة لطفي، ركبنا معاه عربية للفندق، وكانت في غرفة هناك محجوزة باسمنا.
قعدنا في الأوضة وشربنا الشاي مع الضابط لطفي.
الضابط لطفي: طلبت عربية أجرة، فأنا عارف طبيعتك يا عمر مش هتستريح غير لما تروح موقع الجريمة.
عمر: متشكر ليك يا لطفي، ده لطف ومدح جميل منك، بس الأمر يتوقف على الحالة الجوية.
لطفي: مش فاهم.
عمر: ما فيش رياح النهاردة ولا سحب، كمان الكنبة مريحة جداً، فواضح إني مش هستخدم العربية النهاردة.
لطفي وهو بيضحك: واضح يا عمر إنك وصلت لرأي نهائي في القضية، الأمر ظاهر وواضح.
واضح كمان إنك جمعت معلوماتك من الصحف، الأمر واضح هنا ياعمر، وكل ما تبص في تفاصيله هتلاقيه واضح أكثر.
ما أعتقدتش إن إنت هترفض طلب بنت جميلة في إن هي تقابلك، خاصة وإن هي مصره على ده، هي سمعت إن إنت جاي، كانت عايزة تعرف رأيك، مع إني قلتلها كثير ما فيش حاجة ممكن تتعمل أنا ما عملتهاش… أهي جت.. صوت عربيتها عند الباب.
خلص الضابط لطفي كلامه ودخلت الاوضة واحدة من أجمل البنات اللي شفتها في حياتي، كانت عينيها بنفسجي، وخدودها حمراء، ظاهر عليها الحياء رغم إنفعالها الشديد وقلقها.
الشابة الجميلة: اه… أستاذ عمر!
كانت عينيها بتتنقل ما بيني أنا وصديقي عمر، وفي الآخر وقفت عينيها على صديقي عرفته بإحساسها الأنثوي.
الشابة الجميلة: أنا سعيدة جداً إن إنت جيت، وأنا جيت لغاية هنا عشان أقولك ده، أنا عارفة ومتأكدة إن جميل بريء، حابه إنك تبتدي تحقيقك وإنت عارف.
إحنا نعرف بعض من وإحنا أطفال، أنا عارفة كويس أوي إن هو رقيق القلب لا يمكن إن هو يأذي حد، وكل اللي يعرفه هيأكد المعلومة ديه، وإن الإتهام ده ما لوش أي أساس من الصحة.
عمر: أتمنى إن إحنا نقدر نثبت براءته يا آنسة، عايزك تتأكدي إني هعمل كل اللي هقدر عليه.
الشابة الجميلة: بس إنت شفت الأدلة، وكونت رأيك الخاص، إنت مش شايف في أي مخرج يساعده؟ هل إنت نفسك بتظن إن هو بريء؟
عمر: أعتقد إن ده وارد.
الشابة الجميلة: هو ده اللي أنا عايزاه.
بصت الآنسة للضابط لطفي بحده وقالت: سمعت؟ بيديني أمل.
حرك لطفي كتفه وقال: أعتقد إن أستاذ عمر إتسرع في النتيجه اللي وصلها.
الآنسة: بس هو عنده حق، جميل لا يمكن إنه يقتل، أما الخناقة اللي كانت بينه وما بين أبوه، ورفض جميل إنه يذكرها للقاضي كان الأمر ليه علاقة بيه.
عمر: وإزاي ده؟
الآنسة: مش هاقدر أخبي الحقيقة أكثر من كده، أنا كنت سبب في كثير من المشاكل بين جميل وأبوه.
كان أستاذ تامر بيضغط على جميل إنه يطلب الزواج مني، بس العلاقة بيني وما بين جميل كانت علاقة أخوه، كمان هو لسه شاب وفي وقت كبير قدامه عشان كده.
المهم هو رفض إنه ياخد الخطوة ديه دلوقتي، وده كان سبب في مشاكل كثير ما بينهم، وأنا متأكدة إن الخناقة الأخيرة كانت بسبب الأمر ده.
عمر: وهل والدك موافق ولا رافض للزواج؟
الآنسة: لأ والدي رافض جداً وبشدة الزواج ده، الوحيد اللي كان موافق كان أستاذ تامر.
كانت البنت بتتكلم ووشها أحمر من الخجل والكسوف خاصة مع نظرات عمر الثاقبة.
عمر: شكراً ليكي على المعلومات يا آنسة، هل أقدر إني أقابل والدك لو جيت زورتكم بكرة؟
الآنسة: أعتقد إنه مش هينفع، الدكتور هيمنع الأمر ده.
عمر: الدكتور؟!
الآنسة: أيوه أنا والدي مريض جداً من سنين، والحادثة الأخيرة خلته ضعيف أكثر وملازم للسرير، بيقول الدكتور بتاعه إن حالته سيئة، كان أستاذ تامر هو آخر شخص من الأشخاص اللي يعرفهم من زمان في المناجم.
عمر: في مناجم الذهب، وهي اللي كون منها أبوكي ثروته، مش كده؟
الآنسة: أيوه فعلاً.
عمر: شكراً يا آنسة إنتي ساعدتيني كثير جداً.
الآنسة: أرجوك تبلغني لو كان في أي معلومات جديدة، أظن إن إنت هتروح تقابل جميل في السجن، أرجوك بلغوه إني واثقة إنه بريء.
عمر: حاضر يا آنسة.
الآنسة: لازم أرجع للبيت لأن والدي تعبان جداً، وما ينفعش أسيبه مدة طويلة عن إذنكم.
خرجت الآنسة بسرعة وركبت عربيتها ومشيت.
لطفي: مش صح خالص يا أستاذ عمر إنك تديها أمل كاذب، ديه قسوة منك.
عمر: أعتقد إني عارف إزاي هثبت براءة جميل، هل معاك إذن بمقابلته في السجن؟
لطفي: أيوه الأذن لينا إحنا الإتنين بس.
عمر: أعتقد إني هغير قراري في إني مش هخرج النهاردة ،هل لسه قدامنا وقت عشان نروح المحطة ونشوف جميل النهاردة؟
لطفي: في وقت وزيادة.
عمر: يبقى يلا بينا، أسف يا صديقي أحمد واضح إنك هتقعد هنا لوحدك فترة، بس أنا مش هتأخر هما ساعتين فقط.
لتكملة القصة اضغط الزر بالاسفل






