رواية نوفيلا أسمنجون (الجزء الثاني والأخير) للكاتبة مريم محمود

ملحوظة: لقراءة الجزء الأول قبل الثاني اضغط هنا
____طرف الخيط____
بعد أن حل الصباح وبعد تحدث زمرد الى السيد هيرمان ارتاح قلبها قليلا الا أنها كانت تشعر بقليل من تأنيب الضمير فهي لم تشكر ليڤون على إنقاذه إياها آخر مرة.. لكنها قررت أن تفعل هذا لاحقا إذا رأته يوما ما ولان التفكير وعدم النوم طوال الليل قد اتعبها فذهبت لتنام قليلا
عادت زمرد الى طبيعتها مرة آخرى بعد عدة أيام غير متناسية تلك الليلة وفي أحد الأيام ومع غياب الشمس طلب السيد هيرمان منها أن تذهب الي احد اصدقاءه لتعطيه قلادة قد طلب اعدادها ليهديها لابنته المقبلة على الزواج
ذهبت زمرد كما طلب منها السيد هيرمان وبالفعل اوصلت القلادة الي صديقه وفي طريق عودتها الى الحانوت اصطدم بها رجل كبير في السن أشيب الرأس منحنى الظهر قصير القامة هزيل الجسم كسى الإعياء وجهه الملئ بالتجاعيد يرتدي ثياب مهترئة ممزقة ويمسك بيده اليمنى كيسا قماشيا كبير مهترئ أيضا
رفع الرجل يده اليسرى واعتذر من زمرد لأنه اصطدم بها وعندها رأت زمرد جوهرة العاملين الشاحبة في يد الرجل فأثار هذا فضولها فقد كانت تعرف أنه من غير المسموح للعمال التجول في مثل هذا الوقت فسألته عن سبب تجوله هكذا الآن فلم يجب الرجل على سؤالها وتركها وسار في طريقه … وهو يتلفت حوله بشكل مريب وكأن أحدهم يطارده
كانت زمرد تشعر بالتعجب من هذا الرجل نادت عليه أكثر من مرة ولكنه لم يسمعها كانت تريد اللحاق به ولكنها كانت تشعر بالخوف
زمرد : ليس هذا وقت الخوف يا زمرد تذكري ما قاله الكتاب «لا يجب عليك الخوف أبدا» هذا الرجل يخفى شيئا ما بالتأكيد وربما يكون شيئا يساعدني في مهمتي .. علي اللحاق به
وبالفعل قامت زمرد بتتبع هذا الرجل في هدوء مرا في أزقة ضيقة موحشة حتى وصلا الى مكان مخيف للغاية مباني صغيرة ومتهدمة لا يمكن إطلاق كلمة مباني عليها أساسا ورائحة القمامة تفوح من المكان وأشخاص على شفا حفرة من الموت نائمون في الشوارع أطفال يبكون من الجوع وأمهاتهم يبكين أيضا لأنهم لا يملكون شيئا لإطعامهم إياه.. لقد كان المكان يتلحف بلحاف الفقر المدْقع
أستمرت زمرد في السير خلف العجوز قابضة يديها على ثيابها من الخوف حتى وصلا الى طريق مسدود .. ولكن كان في الأرض مكان غير واضح أشبه بخندق نزل فيه العجوز فنزلت زمرد خلفه .. فزع العجوز للغاية عندما رأى زمرد خلفه وبدأ في الصراخ عليها في هلع : من أنت ؟ وماذا تفعلين في منزلي ؟… هل أرسلوك خلفي للتخلص مني ؟
لم تعرف زمرد بماذا تجيب العجوز .. حاول العجوز لملمة أغراضه المتناثرة هنا وهناك ليستعد للهرب ولكن زمرد أمسكت بردائه المتهالك ورفعت يدها اليسرى لتريه الجوهرة وهي تقول: لا أعرف من الذين تقصدهم بقولك ولكني متأكدة أني لست منهم فأنا مثلك
نظر العجوز الي جوهرة زمرد ثم ألقى نظرة الى وجهها الخائف ثم سار نحو باب الخندق الطوبي وقام بفتحه فتحة صغيرة ألقى منها نظرة خاطفة على المكان بالخارج فلم يجد أحدا فأغلقه ثانيةً وبدى عليه الهدوء أكثر من السابق
وضع العجوز حقيبته القماشية على طاولة خشبية صغيرة لها كرسي واحد قد جلس عليه ثم نظر مرة آخرى الى زمرد وقال لها: من أنت ؟.. وماذا تفعلين في هذا الوقت ؟ أليس من المفترض أن تكوني في مساكن العاملات فكيف خرجتي ؟ وكيف وجدتي مكاني ؟
زمرد : اسمى زمرد وأتيت الي هنا منذ شهرين تقريبا كنت أعمل سابقا في مصنع الأحجار الكريمة بالقرب من جبال أسمنجون العظيمة ولكن هناك صائغ يدعى حاتم قام بأخذي مؤخرا لأعمل معه في حانوته وقد كنت في مهمة له عندما رأيتك ورأيت الجوهرة في يدك فظننت أنه يمكنك مساعدتي
العجوز : أساعدك في ماذا ؟
زمرد : في الحقيقة أنا لست من هنا وأريد العودة الى عالمي ويبدوا أنك تمكنت من الهرب من المشرفين فأريد مساعدتك لأتمكن من الخروج من هنا
ضحك الرجل ضحكة متعبة تلاها بعض السعال المجهد ثم قال بسخرية: هربت !! بل هذا سجن أكبر من سجنك وعذاب أقسى من عذابك وألم مرجع أكثر من ألمك
زمرد : هل يمكنك إخباري بما حدث معك ؟ ولماذا أنت مختبئ هنا ؟
العجوز : لا يمكنني إخبارك بهذا ابدأ وإلا قتلت
زمرد : قد أتمكن من مساعدتك
العجوز : لكنت ساعدتي نفسك إذا كان بيدك فعل شئ
زمرد : في الحقيقة أنا مسافرة من عالم أخر لا أدري ان كنت تعرف عن هذه الأسطورة شيئا ولكن مهمتي هي رفع الظلم عن المظلومين هنا لذ ا أخبرني بما حدث معك.. فقد أجد معلومات تساعدني أنا أيضا في مهمتي
العجوز : مسافرة !!.. هل هذا معقول !!
كانت نظرة الخوف والأمل مجتمعة في عيني العجوز المتعبتين .. نهض من على كرسيه وأجلس زمرد مكانه وجثى أمامها على الأرض وأمسك بكفيها وقال والدموع تسيل من عينيه : أخيرا شخص يمكنه تغير هذا الظلم الذي أودى بحيات بعضنا وصحة البعض الآخر.. سأخبرك بكل شئ يا سيدتي
زمرد : لست سيدة لأحد بل أنا من أرجوا منك أن تطلعني على قصتك
الرجل : حدث هذا منذ ثلاثين عاما سابقة تم جلبنا الي هنا كمتطوعين وبعد عدة سنوات من العمل المضني قيل لنا أنه سيتم تسريحنا وإعادتنا الي الوطن .. كنا في غاية السعادة .. ركبت وجميع من معي في عربات خشبية لتقلنّا الي بلادنا .. وبالفعل .. سارت العربات متجهة نحو آرثانيا وهي البلد التي جئت منها ولكن بدأت العربات بالاستدارة عن الطريق وسارت في طريق آخر وعر لا حياة فيه حتى وصلنا الي مبنى غريب وسط الصحراء .. يشبه نصف الكرة ولا يوجد فيه نوافذ .. فقط باب كبير دلفت منه العربات المحملة بالبشر وفور دخولنا رأينا جنود يرتدون الزي العسكري الأسمنجوني .. قاموا بأخذنا ووضعنا في زنزانات كانت على طول جدار المبنى الدائري .. ثار السجناء على الحرس وسألوهم عن ما يحدث ؟ فقال لنا أحدهم .. أننا سنبقى هنا حتى يأتي رجل ما والذي سيكون هو المسؤول عنا .. فبقينا هناك لبعض الوقت حتى جاء الرجل الذي أخبرنا عنه الجندي .. ولكنها كانت الصدمة لقد كان رئيس الوزراء بشحمه ولحمه يقف أمامنا وخلفه حرسه الخاص الذي لا يثق بأحد غيرهم .. جلس قليلا وهو يسأل حرسه عن الأشخاص الذين سيأتون لشرائنا فأجابه الحارث أنهم في الطريق الى هنا . وهنا فهمنا أن الوزير يخطط لبيعنا كعبيد ويستولي على مال التجارة بنا أجاب الوزير الحارس وقال له ( إذا فلتقوموا بالمعتاد ) .. فقام الجنود بفتح الزنازين وأخرجوا السجناء وأوقفوهم في صفوف أمام الوزير الذي كان يسير أمامنا ويلقي بنظرات فاحصة على أجسامنا كان يمر ويشير بيده على بعض الناس وهو يقول (مقبول) فيقوم الحارس بإعادته الي الزنزانة .. حتى وقف أمام أحدهم والذي بدى عليه الكبر والضعف فنظر للجندي وقال (مرفوض).. لم يلبث الجندي حتى أخرج سيفه وقطع رأس الرجل .. ففزع الناس وهاجوا وعمت الفوضى المكان.. وعرفت حينها أن الوزير يعيد من يصلح للعمل الي الزنازين ليقوم ببيعهم .. ويقتل من دونهم لكيلا يكون هناك شهود على ما يقوم به .. وأثناء هياج الناس وصراخهم وركضهم في أرجاء المكان جاء جميع الحراس بما فيهم من يحرس الباب ليقوموا بقمع الناس .. حاولت الخروج من الباب مثل الكثيرين غيري ولكنه كان موصد فلم استطع لكني لمحت باب خشبي صغير في الأرض لسرداب ما تحت أحد الطاولات فقمت بالتواري عن الأنظار ودخلت إليه خلسة .. وأغلقت الباب خلفي .. سرت في تلك الأنفاق تحت الأرض لمدة طويلة حتى ظننت أنها بلا نهاية حتى وصلت الي الجانب الأخر ولكن كان الباب الأخر في مبني به القليل من الحرس .. اختبأت خلف أحد الصناديق الضخمة التي كان يوجد منها العشرات داخل المبني وانتظرت الفرصة لأهرب وبسبب حجمي الضئيل لم يلحظ أحد وجودي .. وبعد مرور بعض الوقت دخل الحارس الذي كان يحرس باب المبنى من الخارج ليوقظ صديقه الآخر ليقوم بالمراقبة .. وفي تلك الأثناء تسللت خارج المبنى في هدوء .. وظللت أركض في المكان كالمجنون .. كان الظلام حالك والمكان مهجور وفجأة توقفت ساقاي تماما عندما رأيت جبال أسمنجون أمامي فعرفت أنني عدت مرة آخرى لداخل أسمنجون وأن العربة كانت تسير بمحاذاة سورها والسرداب يصل بين ما داخل السور وخارجه .. شعرت بإحباط الشديد ولكنى تابعت الركض حتى وصلت لأحد بوابات السور فحاولت الهرب لكنى فشلت لعدة مرة آخرى وبعد عدة أيام رأيت أحد حراس رئيس الوزراء وكان يبدوا وكأنه يبحث عني فعرفت أنهم قد كشفوا أمري والآن يريدون قتلي .. فتابعت الهرب في أرجاء المدينة حتى وصلت لهذا المكان هنا واختبأت فيه الى اليوم
زمرد بعيون تلمع بالدموع : يا إلهي .. لا أصدق ما اسمع
فتح العجوز الكيس القماشي الذي كان معه والذي كان فيه بقايا طعام وقال: لقد كنت أعيش على بقايا طعام الأغنياء طوال تلك السنوات فبقايا طعامهم هي وليمة بالنسبة لنا .. في الواقع كان هناك من يجلب لي الطعام ولكنه اختفى منذ مدة وقد نفد الطعام لدي ولم أتناول شيئا منذ أيام حتى كدت أموت فخرجت لأجلب شيئا لأكله
صمتت زمرد لبرهة ثم قالت وهي تنهض: أشكرك لأنك أخبرتني قصتك لقد ساعدتني جدا اشكرك مرة آخرى ياسيدي .. أعدك أني سأحاول تغير هذا الظلم الواقع هنا
وهكذا رحلت زمرد تاركة العجوز بقلبه المنكسر الذي يتمنى أن تفعل زمرد ما وعدته به وتخلصه من هذا الظلم والخوف الذي يعيش فيه
____حقيقة____
عادت زمرد الى الحانوت وهي تفكر في خطة ما لتبدأ في مهمتها المطلوبة منها لكنها قررت أولا أن تذهب الى التمثال المجنح مرة آخرى لتعرف حقيقة الباب الحجري فقد يساعدها في وضع خطة ما
وبالفعل ذهبت زمرد الى التمثال ثانية عندما سمحت لها الفرصة .. ظلت تجول وتحوم حول التمثال تتفقد كل شبر فيه حتى عادت الي الباب بين يديه وظلت تتفقده هو الآخر تطرق عليه تارة وتدفعه تارة آخرى حتى وجدت فتحة صغيرة مستطيلة أسفل الباب … فقامت برفع الباب لأعلى من خلالها ولكن المفاجأة كانت أنها وجدت خلف الباب الحجري سد .. حائط حجري لهيكل التمثال وكأنه باب الى اللاشئ
زمرد: ما هذ ا ؟ لا يوجد شئ هنا إذا ما فائدة هذا الباب .. ولماذا أخبرني عنه برسين ؟ هل يعقل أن هذا التمثال ليس هو المقصود أيضا ؟
وبينما كانت زمرد تحاول البحث عن أي شئ داخل هذا الباب الغريب أمامها قام أحد الحرس الداخلي للمدنية بإمساك يديها وضمهما خلف ظهرها معا بإحدى يديه .. ووضع سيفه الذي أمسكه بيده الآخرى على عنقها .. وقال بنبرة مهددة : ما الذي تفعلينه بآثار مدينتنا أيتها المختلة ؟
جذب الحارس زمرد وهو مايزال يقيد ذراعيها التي آلمتها بشدة .. حتى أنها ظنت أنه سيقوم بخلع ذراعيها بين يديه .. ولم يعطها الفرصة لتدافع عن نفسها فقد كان شخصا جَلدا للغاية
كان الحارس الشاب يصحب زمرد الى مكان ما ولكنه كان يتحرك بسرعة .. كما أنه كان قاسيا للغاية عليها وأثناء سيرهما سقطت ملائة زمرد التي تحجبت بها من فوق رأسها .. وواصلا السير حتى وصلا الى معسكر الجند عند أطراف المدينة وهناك كان يوجد سجن قام الحارس بحبس زمرد في أحد زنزاناته ولم تتمكن من الفرار هذه المرة
قال الجندي بصوته المميز: ستبقين هنا حتى يتم إخبار القائد ليڤون لينظر في أمرك
كانت زمرد غاضبة للغاية ليس لأنها أصبحت أسيرة بل لأن حجابها قد سقط منها كما أنها كانت تشعر بخيبة أمل بعد عدم عثورها على أي شئ عند التمثال الحجري
مر الكثير من الوقت كانت فيه زمرد وحيدة حزينة حتى وصل ليڤون أخيرا والذي بدى على وجهه علامات الغضب التي لم يفلح في إخفائها.. وكان يقف معه الجندي الذي ألقى القبض على زمرد.. ولكن فور أن رأت زمرد ليڤون أشاحت بنظرها عنه فقد كان يعتمل قلبها من الإحراج والتوتر ما يكفيها
وفور أن رأى ليڤون الحالة التي كانت عليها زمرد طلب من الجندي -الذي كان يدعوه كينا- أن يذهب ويتركهما وحدهما .. ثم قام ليڤون بفتح زنزانة زمرد ودلفها .. وخلع ملائته الأسمنجونية ولفها حول رأس زمرد فغطى شعرها مرة آخرى .. لم يكن ليڤون يعرف لماذا تفعل زمرد هذا.. ولكنه كان يدرك تماما أنها لم تكن تريد أن يظهر شعرها أمام اى أحد
نظر ليڤون الى زمرد الساكنة أمامه بنظرات عتاب أوجعت قلبها ثم خرج من الزنزانة وأعاد إغلاقها
كان يوجد أمام الزنازين طاولة وكرسي والذي جلس عليه ليڤون ومازالت نظراته موجهة الي زمرد وصورة وجهها الباكي وجسدها المرتجف من آخر مرة لا تفارق مخيلته .. وظل يسأل نفسه لماذا فتاة ضعيفة مثلها لا تقوى علي حماية نفسها تفعل هذا ؟ لماذا توقع نفسها دائما في المشاكل والمشاحنات مع الجنود ؟
ظل صامتا لوقت طويل حتى قال أخيرا: ألم أخبرك ألا تعبثي بممتلكات أسمنجون مرة آخرى ؟ هذا ما كنت أحذرك منه .. لحسن حظك أن كينا هو من رآك فهو لا يفعل شيئا بدون الرجوع إليّ أولا وإلا لكنتِ ميتة الآن
ثم بدأ ليڤون يسأل زمرد عن ما كانت تفعله عند التمثال وما الذي دفعها لهذا ؟ والكثير من الأسئلة الآخرى ولكن زمرد لم تنطق بحرف واحد بل لم تكن تنظر إليه
ومرت الساعات والأيام والحال كما هو ليڤون يسأل وزمرد لا تجيب عليه .. إلا أنها كانت تزداد ضعفا وهوانا كل يوم حتى جاء ليڤون في أحد الأيام وعلى وجهه علامات الحزن والقلق وقال: لقد حان وقت تدخل رئيس الوزراء في قضيتك والنظر في أمرك فالتمثال الذي عبثت به يعد من التراث القديم العزيز على أهل المدينة .. لقد تسببت لنفسك بالمشاكل ووقعتي في مأزق هذه المرة
صمت هنيهة ثم أمسك بالقضبان الحديدية ونظر الي زمرد وقال بعد أن زفر ببطء: على الأقل أخبريني بأي شئ حتى أتمكن من الدفاع عنك أو تبرير موقفك أمام الوزير
ولكن لم تجب زمرد على السؤال كباقي الأسئلة الآخرى المعلقة.. كاد ليڤون يجن من صمت زمرد .. قام بوضع كفيه على رأسه ودار بالمكان قليلا ثم طرق على القضبان وقال بانفعال: أرجوك قولي أي شئ
لم تكن زمرد تعرف ما الذي عليها قوله أو كيف تشرح موقفها وما تمر به فقد كانت لا تصدق قصتها وهي التي تعيش أحداثها بنفسها
رغم أن ليڤون لم يبح بهذا أو يخبر به أحد إلا أنه كان معجب بزمرد منذ مدة طويلة وقد زاد إعجابه وحبه لها مؤخرا وكان شعوره بأنه قد يفقدها أو أنها قد تصاب بأذى وهو غير قادر على فعل شئ كفيلا بأن يجعله يفقد صوابه
وفي تلك الأثناء دخلت الى حجرة الزنازين أحد خادمات أفراد الجند والتي كانت خادمة خاصة بالقائد وقالت وهي تمد يدها بكتاب ما: سيدي القائد .. أثناء تنظيفي لثكنات الجيش .. عثرت على كتابك المفقود منذ مدة طويلة
ليڤون : وهل ترين أن هذا هو الوقت المناسب لهذا ؟
الخادمة : اعتذر إليك يا سيدي
أخذ ليڤون الكتاب من يد الخادمة وأشار إليها بالمغادرة ففعلت .. جعل فعل الخادمة هذا ليڤون أكثر غضبا ولكن ما جعله مندهشا حقا ان زمرد فور رؤيتها للكتاب نهضت من مكانها وصاحت بصوتها المتعبَ : الكتاب
توجهت زمرد الى باب الزنزانة والذي استندت عليه لعدم قدرتها على الوقوف وحدها من شدة التعب وقالت: كيف أتى هذا الكتاب الى هنا ؟
ثم مدت يدها خارج القضبان وطلبت من ليڤون أن يعطيها الكتاب ولكنه لم يفعل وقال : أسألك منذ أيام ولا تجيبي .. والآن أنت من يقوم بسؤالي
زمرد : أعتقد أني رأيت هذا الكتاب من قبل
ليڤون : وأنا لا اعتقد هذا
رفع ليڤون الكتاب أمام زمرد ثم أردف قائلا: كتابي لم أعطيه لأحد من قبل .. فكيف يمكن أن تكوني قد رأيته ؟
لم تجب زمرد على السؤال ثانيةً ولكنها قالت له محتوى الكتاب بالتفصيل مما جعله يرتبك .. فسألها: وكيف تعرفين ذلك ؟
زمرد : أخبرتك أنني رأيت الكتاب من قبل
تمتمت بصوت خافت : برسين المجنون لم أتوقع شيئا كهذا .. لقد فهمت الآن سبب رائحة الكتاب تلك لأنه كان ملكا لك من البداية
لم يكن ليڤون يفهم أي شئ مما تتحدث عنه زمرد التي أردفت قائلة: إذا ربما تكون أنت الفارس الشهم الذي تحدث عنه برسين
ليڤون : ما الذي تتحدثين عنه ؟ هل لك أن تشرحي لي ما يحدث ؟
زمرد : وهل ستصدقني إذا فعلت ؟
ليڤون : هذا يعتمد على ما ستقولينه
بدأت زمرد تقص عليه كل شئ منذ ذهابها الى مكتبة العجوز بهاء الى هذه اللحظة واخبرته عن أعمال الوزير الفاسد وواجبها للتخلص منه
ليڤون : هل تمزحين معي الآن ؟
زمرد : أخبرتك .. تمنيت لو كان الأمر أسطورة حقا .. قصة خيالية كتبت على سطور ورقة في كتاب .. لكن ما يحدث الآن هو درب من الجنون
ليڤون : المجنون الحقيقي هو أنا .. لأني تركتك تقومين بخداعي بسهولة هكذا .. يبدوا أنني لم أكن بكامل قواي العقلية مؤخرا
غادر ليڤون المكان تاركا خلفه زمرد المريضة وقد زادت كلماته القاسية ألما لقلبها فوق ألم جسدها
____نظرات____
هل يمكنك إخباري بما يحدث الآن ؟
قالها ليڤون بصوت غاضب لبرسين في حانوته الذي قام باقتحامه
برسين : لا أفهم ماذا تقصد
زاد غضب ليڤون من برسين وقام بإمساكه من تلابيب ثيابه وقال: لا تتحامق يا برسين أعرف أنك تفهم كل شئ
تركه ليڤون ودار بضيق في المكان ثم أردف : الأسطورة .. المسافرين .. و…
صمت هنيهة ثم تابع: وزمرد .. كنت دائما تحدثني عن تلك الأسطورة
برسين : ولكنك لم تصدقني يوما
كان ليڤون لديه شغف بالأعشاب الطبية .. وهذا ما وجدته زمرد مسجلا في كتابه عندما قرأته وهذا ما جعله يتعرف على برسين الذي كان يقص أسطورة المسافرين كثيرا على ليڤون ولكنه كان يعتبرها مجرد قصة خيالية ولم يهتم لها كثيرا .. وعندما سمع زمرد تتحدث عن الأسطورة وبرسين .. أدرك أنها تتحدث عن صديقه فذهب ليتحدث معه حول ما يحدث
برسين: إذا كنت قادما لتسألني عن الأسطورة بعد مقابلتك لزمرد فهذا يعني أنها أخبرتك بكل شئ بالفعل
ليڤون : أليست تلك قصة قمتما بتأليفها معا ؟
برسين : ليڤون يا صديقي .. تصديق ما يحدث أو عدمه هو شئ عائد إليك.. وزمرد إن كانت أخبرتك عن شئ فتأكد أنها لا تكذب وأنا ليس لدي شئ لأضيفه على كلامها
صمت هنيهة ثم أردف: هل ستساعدها ؟
لكن ليڤون لم يجب على السؤال فتابع برسين : إن كنت ستفعل فعليك بالاسراع فجسد المسافرين لا يتحمل البقاء هنا طويلا
غادر ليڤون حانوت برسين بدون قول أي شئ وعاد مرة أخرى الي زمرد التي بدت أكثر ضعفا وسقما نظر إليها وهو لا يريد تصديق ما عرفه.. إذا كانت مسافرة حقا فهذا يعني إنها ستنهي مهمتها وتختفي.. ستتركة وترحل
نظرت زمرد إليه وابتسمت ثم نهضت من مكانها وسارت ببطئ نحو القضبان التي وقف خلفها ليڤون وقالت بهوان: يبدوا أنك لست فارسي للأسف
ثم سقطت على الأرض مغشي عليها
ليڤون : زمرد
فزع ليڤون كثيرا وطلب من كينا أن يقوم بفتح الزنزانة وأمسك بزمرد وحاول إفاقتها ولكن دون جدوى وعندما نظر الى جوهرتها وجدها شاحبة يكاد ينعدم لونها فأدرك أن جسدها بدأ في الانهيار فقام بحملها بين ذراعيه وهم بالتوجه الى الطيب
كينا : تعرف أن هذا سيعرضك للخطر .. لا يمكنك إخراج مجرم من السجن هكذا
ليڤون : إذا لم تكن تنوي مساعدتي فتنحى جانبا ولا تتدخل فيما أفعل
سار ليڤون عدة خطوات ثم ألتفت وقال لكينا : كما أنها ليست مجرمة لقد أصبحت شخصا يخصني الآن ولن أسمح لأحد بأن يتحدث عنها هكذا
بعد عدة أيام فتحت زمرد عينيها الزمرديتان اللتين لم يتمكن المرض من إخفاء سحرهما لتجد نفسها نائمة على فراش ناعم مريح للغاية .. وعندما جلست وجدت أيلا تجلس على الأرض بجانبها واضعة رأسها على السرير وتغط في النوم وهي تمسك بيدها بقوة .. جالت زمرد في المكان بعينيها .. غرفة جميلة واسعة يبدوا من أثاثها الفاخر ثراء صاحبها .. حاولت زمرد النهوض من الفراش ولكنها تسببت في إيقاظ أيلا التي قالت بتثاؤب : زمرد
وعندما وعت ونظرت الى زمرد التي لاح علي شفتيها شبح ابتسامة .. اتسعت حدقتاها وقالت بانفعال: يا إلهي .. زمرد هل أفقت !!
زمرد : أجل
هربت الدموع من عيني أيلا وقامت باحتضان صديقتها وهي تقول بكلمات اختلطت بنحبيها : لقد قلقت عليك كثيرا لم أكن أدري ماذا سأفعل إذا أصابك مكروه ما
زمرد : كيف أتيت الي هنا ؟
أيلا : في أحد الأيام تم استدعائي من قبل السيد هيرمان ولكن عندما ذهبت فوجئت بالقائد يخبرني بما حدث معك وأنك مريضة للغاية ويطلب مني القدوم معه لرعايتك لأنه لا يثق بأحد آخر ليؤدي تلك المهمة
زمرد : القائد .. هل تقصدين السيد ليڤون ؟
أيلا : أجل
زمرد : وهل يعرف مكاني ؟
أيلا : ما الذي تقولينه يا فتاة ؟ إن هذا منزله وتلك هي غرفته الخاصة .. لقد قام بإحضارك الى هنا بعدما فقدت وعيك في الزنزانة وأحضر أمهر الأطباء أيضا ليقوموا بعلاجك كما أنه كان يلازمك ليعتني بك.. يبدوا..
صمتت للحظة ثم قالت بتضاحك : سأذهب لأخبره باستيقاظك
ذهبت أيلا لإعلام ليڤون بإفاقة زمرد التي كانت تبتسم تشعر بغيْضٍ من سعادة مما قالته أيلا لها
لم يلبث ليڤون حتى دلف الي الغرفة بوجل .. نظر الى زمرد ونظرت إليه .. فتعانقت نظراتهما .. ونبض القلبان معربان عن مشاعر صاحبيهما
برسين : أخيرا استيقظت جميلتنا
زمرد : برسين ما الذي تفعله هنا ؟
برسين : هذا الشاب حاد الطباع قام بإحضاري بالقوة
ليڤون : كيف تشعرين الآن ؟
زمرد : أنا بخير .. شكرا لك يا سيد …. ليڤون
شعر ليڤون بوجيف قلبه بعد سماع حروف اسمه على لسان زمرد لأول مرة منذ لقائه بها وقامت هي بغض بصرها عنه فلم تتبع النظرة النظرة
بعد الاطمئنان على زمرد وأنها أصبحت بحال أفضل بعد حصولها على الكثير من الراحة وبعد اعتناء الأطباء بها
زمرد : هل يمكنني إلقاء نظرة على كتابك ؟
وافق ليڤون على إعطاء الكتاب لزمرد هذه المرة وأخذت بتصفحه لتجده مطابقا للكتاب الغريب الذي قرأته من قبل فتيقنت أنه كان كتاب ليڤون فعلا الذي قام برسين باستخدامه ليحضرها به الى هنا
ليڤون : إذا ما الذي ستفعلينه الآن ؟
زمرد : عليّ كشف فساد رئيس الوزراء ذاك أمام الجميع لينال العقاب الذي يستحقه على أفعاله الشنيعة
نهضت زمرد ووقفت خلف النافذة تنظر خارج المنزل وكان الجو ليلا ثم قالت لليڤون: ولكن … أليس إخراجك لي من السجن هكذا … سيعرضك للخطر ؟
أجاب ليڤون ضاحكًا : ربما أخسر منصبي .. أو حياتي
ألتفتت زمرد في فزع وقالت بتوتر: إذا لماذا فعلت هذا ؟
ابتسم ليڤون فكشف اللثام عن أنيابه الحادة كالعادة ولم يجب على سؤالها
كينا : لقد تم استدعاء القائد بالفعل من قبل الملكة بينما كنت فاقدة للوعي
زمرد : إذا وماذا فعلت ؟
ليڤون : راهنت عليك .. لقد قررت مساعدتك والثقة بك
زمرد : لقد كنت محقا فيما قلته لي آخر مرة .. لابد أنك مجنون فعلا
ضحك ليڤون حتى دمعت عيناه ثم قال: عليك بوضع خطة للخروج مما نحن فيه الآن
زمرد : عندما كنت في السجن … لم أجد شيئا لفعله سوى التفكير في خطة ما ولدي واحدة بالفعل ولكني أحتاج الى مساعدتك فيها
ليڤون : وأنا مستعد
____خطة____
كان لدى رئيس الوزراء الكثير من الحرس والخدم على رأسهم حارسيه الشخصيين (يالدا وكاشيرا) الذين لا يفارقانه ابدا مهما حدث .. وقد كان هما الحارسين الذين قابلتهما زمرد سابقا .. يالدا شخص صلب جلد وكان هو الذي رأته زمرد يقتل العامل سابقا .. أما كاشيرا فهو أكثر قوة وصلادة من يالدا ولكن شخصيته أكثر ارتباكا وأقل حده فلا يتركه صديقه يتصرف لوحده لكي لا يرتكب الأخطاء بسبب شخصيته تلك
كان الحارسان يعلمان كل اسرار الوزير تقريبا وكان الوزير يقوم بتهديدهم بطرق ملتوية لكي يردع من يفكر في الكشف عن أي فعل دنئ يقوم به من سرقة أو غش أو اغتصاب للفتيات أو تجارة غير مشروعة بالبشر.. وحتى مكره بالملكة لكي يقتلها ليتولى هو مقاليد الحكم
مجموعة الإتجار بالعبيد تلك كانت كبيرة للغاية تضم الكثير من التجار ووزراء البلدان الآخرى وكان تواصل تلك المدن مع الحارسين الشخصيين لوزير أسمنجون عن طريق رسول خاص بكل مدينه يوصل إليهما كلام سيده
مدينة سامتاي هي واحدة من أعظم المدن القريبة من أسمنجون يقوم حاكمها الفاجر بشراء الإماء ليقضي شهوته ثم يتخلص منهن وكان أكثر من يشتري النساء من وزير أسمنجون.. ولم يكن الوزير يرفض له طلبا لخوفه منه.. وفي أحد الأيام جاء رسول الملك رابي يطلب من الوزير تجهيز بعض الإماء الجميلة ليقوم بشرائهن ويطالب بهذا على وجه السرعة .. فلم يجد الوزير سوى الموافقة على طلبه وبدأ بتجهيز الجميلات بالفعل
كان الملك رابي يرسل لأسمنجون مع الرسول بعض من حرسه الملكي وعربات فاخرة لنقل الفتيات وكان الوزير يخرج شخصيا لمقابلة موكبه المرسل احتراما وتقديرا.
خرجت عربة خشبية كبيرة محمله بالكثير من النساء فارعات الجمال.. والرجال لكي لا يشك أحد في أمر خروج الفتيات.. وسارت العربة متجهة الى المبنى.. الذي تم حبس العمال في زنزاناته .. ثم جاء الوزير الذي بدأ في اختيار الفتيات اللاتي سيتم إرسالهن الى الملك رابي بعناية شديدة وقام باحتجاز باقي الفتيات والرجال في الزنزانات ليتم التخلص منهم ولكن بعد رحيل موكب الملك رابي
الوزير : متى سيصل الموكب الى هنا ؟
خرج أحد الحراس خارج المبنى ونظر قليلا الى الشمس في السماء ثم عاد وأجاب على سؤال الوزير: اعتقد انهم على وشك الوصول في أي لحظة
ولم تمر عدة دقائق حتى ولج المبنى الحراس الذين كانوا يحرسون البوابة من الخارج وقد كان الفزع والخوف باد على وجوههم.. لم يجد الحراس الوقت لكي يخبروا الوزير عما يحدث في الخارج حتى اقتحم المبنى ليڤون ومن معه من الجند
قام رجال ليڤون بمحاصرة المبنى من الخارج ودخل هو مع مجموعة آخرى فالقوا القبض على جميع الجنود داخل المبنى بما فيهم رئيس الوزراء الذي كان يحاول الهرب من الباب المخفي في الارض الا أنه فوجئ بليڤون يقف بجواده فوق الباب لكي يمنعه من الهرب فقد كان يعرف عن أمر الباب بالفعل من زمرد .. بل إنه قام أيضا بإرسال كينا مع كتيبة آخرى لمحاصرة المنزل الذي يوجد فيه المخرج الآخر للنفق تحت الأرض
بعد أن هدأ المكان قام رجال ليڤون بتقييد الجنود وتركهم جالسين على ركبتيهم في صفوف أمام ليڤون .. الذي كان يسير بجواده ذهابا وإيابا أمامهم.. جاءه أحد رجاله وهمس له في إذنه بشئ ما فأومأ له وأمر جميع الكتيبة أن تقف في نظام وهدوء .. وبعد لحظات دخل الى المبنى الحرس الملكي وعلى رأسهم الملكة سيرا
الوزير : ليڤون أيها الوغد
نظر ليڤون الى الوزير بنظرات استحقار ولم يجب عليه ثم نزل من فوق جواده الأدهم وجلس على قدم واحدة وثنى الآخرى ووضع يده اليمنى على صدره .. وكذا فعلت باقي الكتيبة ثم قال ليڤون بصوته الجهوري : مولاتي الملكة سيرا
أشارت الملكة بيدها الي ليڤون والجنود فنهضوا جميعا .. وسارت بشموخ ترفل في ثوبها الملكي ثم وقفت أمام الوزير وقالت : لم أتوقع منك شيئا كهذا .. لقد كنت أثق بك كثيرا ولكن يبدوا أني وضعت ثقتي في غير محلها
ثم ألتفتت وقالت الى ليڤون الذي كان يقف بعزة نفس : أشكرك أيها الفارس الأيهم لطالما كنت المحبب الى قلبي من كل رجال الجيش الأسمنجوني ولقد أثبت لي جدارتك واستحقاقك لتلك المكانة
أشارت الملكة الي الوزير ومن معه ثم أردفت: سأترك لك مهمة الاعتناء بهؤلاء الحثالة وأعلم أنك ستقوم بواجبك على أكمل وجه
ليڤون : أمرك يا مولاتي
تركت الملكة المكان وأمر ليڤون رجاله بوضع المجرمين في العربات العسكرية وقاموا بتحرير الأسرى من الرجال والنساء واصطحبوهم مره آخرى الى أسمنجون
_____________
لتكملة القصة اضغط الزر بالاسفل

