
عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، عاش العالم لحظة توتر قصوى كادت تشعل حربًا عالمية ثالثة، قبل أن تنتهي العمليات العسكرية بضغط دولي غير مسبوق. وبمجرد انسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية، تحوّلت الأنظار إلى قناة السويس، تلك الشريان الملاحي الحيوي الذي كان مغلقًا نتيجة الحرب. إعادة فتح القناة للملاحة لم تكن مجرد خطوة تقنية، بل لحظة رمزية تؤرخ لانتصار الإرادة المصرية على الاستعمار.
شكلت عودة الملاحة لحظة انتصار سياسي للرئيس جمال عبد الناصر، الذي رغم الدمار والضغوط، خرج من المعركة زعيمًا شعبيًا. القناة لم تكن فقط ممرًا للسفن، بل رمزًا للسيادة الوطنية. إعادة تشغيلها مثلت إعلانًا بأن مصر قادرة على إدارة مصالحها الاستراتيجية دون وصاية غربية.
الاستعداد لإعادة فتح القناة تضمن أعمالًا ضخمة في تطهير الممرات المائية من الحطام والألغام والسفن الغارقة. لقد شاركت أطقم فنية مصرية، بمساعدة محدودة من دول محايدة، في هذه العملية المعقدة التي كانت ضرورية لعودة القناة إلى وظيفتها.
-
توين سترينجرز: البحث عن شبيهك في العالم2023-12-17
-
بوصفة سحرية وفعالة للقضاء على الناموس2025-02-17
الأمم المتحدة لعبت دورًا لافتًا في دعم إعادة تشغيل القناة، من خلال قوة الطوارئ الدولية التي نُشرت في سيناء، ومراقبة الانسحاب، والتأكد من استقرار الوضع الأمني، بما يمهد لاستئناف الملاحة.
كما ساهمت شركات الملاحة العالمية في الضغط من أجل إعادة فتح القناة، نظرًا للخسائر الاقتصادية الهائلة التي تكبدتها خلال فترة الإغلاق، مما جعل الدول الكبرى تدعم مصر ولو بشكل غير مباشر.
الإعلام العالمي واكب الحدث، فكانت صور فتح القناة من جديد تتصدر الصحف العالمية، وتتناول “عودة السيادة المصرية على ممرها الملاحي”، وهو خطاب لم يكن ممكنًا تخيله قبل سنوات قليلة فقط حين كانت القناة تحت الإدارة الأجنبية.
في الداخل المصري، استقبل الناس إعادة فتح القناة بحفاوة كبرى، واعتبروها جزءًا من الكرامة الوطنية التي استُعيدت. حتى الأوساط العمالية رأت فيها انتصارًا على الاستغلال والهيمنة.
الحدث أبرز بشكل عملي نهاية مرحلة الهيمنة الاستعمارية على قناة السويس، حيث لم يعد لبريطانيا أو فرنسا أي حق في إدارتها أو التأثير عليها، وهو مكسب استراتيجي حاسم لمصر في صراعها مع القوى الكبرى.
أعادت الملاحة في القناة مصر إلى قلب السياسة الدولية، وجعلتها لاعبًا لا غنى عنه في معادلات التجارة والطاقة العالمية. لقد تحولت القناة من ساحة صراع إلى نقطة ارتكاز للاستقلال الوطني.
فتح القناة لم يكن مجرد إعادة تشغيل ممر مائي، بل كان فعلًا سياسيًا ضخمًا، أكّد للمصريين والعالم أن إرادة الشعوب قادرة على كسر أعظم التحالفات العسكرية إذا كانت مستندة إلى عدالة قضية.
تطهير القناة: التحديات الهندسية والإنسانية
إعادة فتح قناة السويس لم يكن ممكنًا دون عمليات تطهير واسعة ومعقدة للممر الملاحي الذي امتلأ بالحطام والألغام والسفن المعطوبة نتيجة العدوان الثلاثي. كانت تلك مهمة استثنائية تطلبت تعاونًا نادرًا بين المدنيين والعسكريين في بيئة مليئة بالمخاطر.
الفرق الفنية المصرية، ومعها متطوعون من جهات مختلفة، عملوا ليلاً ونهارًا على إزالة العوائق التي خلفتها الغارات، خاصة في مناطق حيوية مثل بور سعيد والإسماعيلية والسويس. بعض المهندسين قضوا أيامًا كاملة في أعماق المياه لتحديد مواقع الألغام.
واكبت عمليات التطهير معركة سياسية في الكواليس، إذ حاولت بعض القوى الغربية التشكيك في قدرة مصر على إعادة تشغيل القناة بمفردها، وكان على القاهرة أن تُثبت العكس ميدانيًا.
تم الاستعانة بخبرات من يوغوسلافيا والهند وبولندا، وهي دول غير متورطة في العدوان، وأبدت استعدادًا لمساعدة مصر دون أجندة سياسية خفية، على عكس فرنسا وبريطانيا اللتين عرضتا المساعدة بشروط.
أدّى العمل في هذه الظروف الصعبة إلى إصابات عديدة في صفوف العاملين، حيث انفجرت بعض الألغام أثناء تفكيكها، ما كشف عن مدى التحديات التي خاضها هؤلاء الأبطال المجهولون لإعادة القناة إلى الحياة.
العمل لم يقتصر على التطهير فقط، بل شمل أيضًا إصلاح الأرصفة، وتحديث أنظمة المراقبة والملاحة، وإنشاء محطات جديدة لخدمة السفن، مما حول القناة إلى مرفق حديث أكثر قدرة على تلبية متطلبات التجارة العالمية.
كان التنسيق بين القوات المسلحة والهيئات المدنية من أبرز ملامح هذه المرحلة، حيث قدم الجيش موارد بشرية وتقنية ضخمة، بينما تولت الحكومة تأمين التمويل والدعم اللوجستي اللازم.
سُجلت شهادات نادرة لعمال وفنيين ساهموا في عمليات التطهير، بعضهم كتب لاحقًا مذكرات تروي تفاصيل خطيرة عن “قنابل على شكل صناديق عائمة” أو “سفن محشوة بالمتفجرات” زرعها العدو قبل انسحابه.
وثقت الصحافة المصرية والعربية هذه الملحمة بروح وطنية، حيث تم تصوير بعض لحظات النجاح الأولى في عبور سفن صغيرة بعد إزالة العوائق، وهي لحظات حفرت نفسها في الذاكرة الجمعية للشعب المصري.
بنهاية التطهير، لم تستعد مصر فقط السيطرة على القناة، بل أثبتت أنها قادرة على إدارة منشأة استراتيجية بهذا الحجم وسط تحديات أمنية وهندسية جسيمة، وهو ما عزز الثقة الدولية في إدارتها للقناة.
الموقف الأمريكي: بين الضغط على الحلفاء ودعم الحياد
الولايات المتحدة لعبت دورًا غير مباشر في إنهاء العدوان الثلاثي وعودة الملاحة لقناة السويس، إذ وجدت نفسها في موقف دقيق بين حلفائها الأوروبيين بريطانيا وفرنسا، وبين مصالحها الدولية التي تتطلب استقرار المنطقة.
مع بدء العمليات العسكرية ضد مصر، أبدت واشنطن تحفظها، بل ورفضت الاعتداء بشكل صريح، خشية أن يؤدي التصعيد إلى تدخل سوفيتي مباشر قد يشعل حربًا عالمية ثالثة، خاصة وأن موسكو كانت قد أبدت دعمها الصريح لعبد الناصر.
مارس الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور ضغوطًا دبلوماسية واقتصادية قوية على لندن وباريس، أبرزها التهديد ببيع السندات البريطانية في السوق العالمية، ما أدى إلى انهيار الجنيه الإسترليني وأجبر بريطانيا على الانسحاب.
رغم أن واشنطن لم تكن متحمسة لتأميم القناة، فإنها رأت في دعم قرار الأمم المتحدة بعودة الملاحة خطوة ضرورية لتجنب الفوضى الدولية التي قد تعطل حركة التجارة والنفط في المنطقة.
من خلال الأمم المتحدة، دعمت الولايات المتحدة نشر قوات الطوارئ الدولية، وضغطت من أجل إزالة الألغام وعودة الملاحة كشرط أساسي لإنهاء الأزمة، وهو ما يتقاطع مع المصالح الأمريكية المباشرة.
تابعت وزارة الخارجية الأمريكية عن كثب عمليات التطهير وإعادة فتح القناة، واعتبرت نجاح مصر في إدارتها للقناة مؤشرًا على استقرار المنطقة، مما ساعد على تهدئة المخاوف الدولية من أن تتحول القناة إلى ساحة صراع مستمر.
الصحافة الأمريكية آنذاك تعاملت مع الحدث بكثير من الحذر، فهي من جهة تدعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن جهة أخرى لا تريد خسارة علاقاتها التاريخية مع بريطانيا وفرنسا. وقد ظهر ذلك التوازن في مقالات الرأي والتحليلات الدبلوماسية.
كان لافتًا أن واشنطن لم تشارك مباشرة في عمليات التطهير، لكنها أرسلت بعثات مراقبة ومستشارين فنيين عبر الأمم المتحدة لمراقبة تطور الأوضاع وضمان أن العودة للملاحة لن تُستغل عسكريًا من أي طرف.
رغم صمتها السياسي الظاهري، إلا أن الوثائق السرية التي كُشفت لاحقًا أظهرت مدى تدخل واشنطن في الكواليس لتفادي كارثة كبرى. يمكن القول إن عودة الملاحة كانت أيضًا انتصارًا للدبلوماسية الأمريكية الهادئة.
لقد شكّلت عودة القناة مرحلة اختبار للنفوذ الأمريكي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تمكنت واشنطن من فرض موقفها حتى على أقرب حلفائها، في خطوة غير مسبوقة تُمهد لصياغة نظام دولي جديد.






