“خاتم الحكمة ومفاتيح الأقدار”

“خاتم الحكمة ومفاتيح الأقدار”
كان هناك رجل حكيم يعرف بين أهله وقومه بأنه رجل ذو عدل وحكمة ورجاحة فكر. ورث عنه أولاده الثلاثة كل ما يملك، حيث ورث الأول منزلاً فخماً، والثاني مزرعة كبيرة فيها الأغنام، والثالث خاتماً فضياً. وعندما علم الأخوان بما ورثه الأخ الثالث، ضحكوا عليه إذ لم يرث من أبيه سوى خاتم.
توفي الرجل الحكيم، وعاش الابن الثالث مع زوجته، الزوج كان يدعى جابر، والزوجة هند، حيث عاشا في كوخ بالغابة. كان يحتطب صباحاً ويبيع الحطب ليشتري قوت يومه، ثم يعود مساءً إلى زوجته التي كانت ترحب به وهي راضية بما قسمه الله لزوجها، فكانت قنوعة للغاية، فلم تسأله ولا مرة لماذا لم يرث سوى هذا الخاتم من أبيه، على الرغم من أن أخوته كانا يعيشان في غنى ورفاهية منقطعة النظير.
وفي ليلة ما، اشتد ألم الولادة على زوجة جابر حتى اعتقد جابر أنها سوف تلد الليلة، فقال:
- “يا الله، نحن بعيدون جداً عن القرية ولن نصل إلى بيت، فهو بعيد جداً عن المنزل الحكيم.”
فخرج مسرعاً وهو يدعو الله أن يساعده في الظلام، فكان يمشي في الظلام ولا يحمل سوى سراج بداخله شمعة تتمايل النار فيها.
كلما تحرك جابر، لم يسمع سوى عواء الذئاب، فكان يركض ويفكر في حال زوجته المريضة حتى وقع في بركة ماء، فانطفأ السراج فيها، مما جعله يضغط على يده ويقول:
- “يا الله، زوجتي على وشك الولادة، أريد الحكيمة كي تساعدني.”
وفي لحظات معدودة، رأى جابر نوراً قوياً يقترب منه حتى وصل إليه، إنها عربة يسوقها حصانان وخادم. فنزلت الحكيمة من العربة التي كانت تعرف جابر من خلال والده.
فسألت الحكيمة جابر:
- “ماذا تفعل هنا في هذا الوقت المتأخر؟”
أجابها:
- “والله لقد أتيت في وقتك، فزوجتي ستلد الليلة.”
قالت له:
- “اصعد.” فصعد جابر
ثم سألها:
- كيف أتيت إلى هنا؟
قالت:
- إن زوجة الملك وضعت الليلة مولودها، فقد جئت لأساعدها على الولادة، ثم قررت أن أسلك طريق الغابة كي أصل إلى منزلي في أسرع وقت، ثم عثرت عليك.
فقال جابر:
- حمداً لك يا رب، فقد استجبت لي.
فعندما وصل جابر ومعه الحكيمة، قامت الحكيمة بمساعدة زوجته هند على الولادة، لتلد طفلاً جميلاً بصحة وعافية. ونظرت إليه الحكيمة وتذكرت ما قالته لها الملكة، إذ قالت لها:
- “لا تخبري أحداً أني وضعت طفلاً، وأريدك أن تخطفي لي ولداً حديث الولادة.”
فقالت الحكيمة لجابر بعد أن لفت الطفل بشاحن أبيض:
- “لقد رزقك الله ببنت وهي تحتاج إلى الرعاية، سأخذها إلى عيادتي لأرعاها وأعيدها لك.”
فسألها:
- “ماذا عن زوجتي؟”
فقالت له:
- “إن زوجتك مغمى عليها وسوف تفيق بعد ساعة.”
فقبل جابر ولده في أنجبين معتقدًا أنه طفلة وليس طفلًا، وأخذت الحكيمة الطفل إلى المملكة وقامت باستبدال الطفلين.
وعندما استيقظت هند كان قلبها يخفق بشدة، حيث قالت لجابر:
- “أين طفلي؟”
فقال لها:
- “لقد ولدت طفلة وهي بخير، فقد أخذتها الحكيمة لتعتني بها.”
ثم قالت له:
- “قلبي ليس مرتاحًا يا جابر.”
وعندما أعادت الحكيمة الطفلة إلى جابر وهند، كانت الطفلة تبكي بصوت مرتفع، فوضعتها الحكيمة في حضن أمها، فازدادت بكاءً ولم تصمت حتى قامت بإرضاعها. فقالت الحكيمة:
- “ماذا ستسمون البنت؟”
قال جابر:
- “سأسميها سلسبيل.”
أجابتها:
- “تتربى في عزكما إن شاء الله.”
ثم ذهبت. أما عن الملكة، فكانت سعيدة بذلك الطفل وكانت تتباهى به أمام الناس لأنها أنجبت وريث الملك.
كان جابر يضطر يوميًا للذهاب إلى النهر كي يجلب الماء وإلى القرية كي يحضر حليبًا لزوجته، بالإضافة إلى أنه كان يعمل عملاً شاقًا للغاية. فجلس تحت شجرة وضغط على يده ثم قال:
- “يا ليتني أملك غنمًا وأحصنةً، حتى أفك هذا التعب عن كاهلي.”
وعندما انتهى من يومه عاد إلى كوخه، إذ تفاجأ بوجود ثلاث أحصنة برية وعين متفجرة في الصخرة الجبلية يخرج منها الماء وماعزتين وخروفين وتيسين. فدخل مسرعًا وقال لزوجته:
- “يا هند، تعالي وانظري، هل أنا أحلم؟”






