أوروبا تحترق.. صيف كارثى بسبب حرائق الغابات تخلف خسائر بشرية ومادية وبيئية فادحة

في صيف استثنائي يضرب القارة العجوز، تحولت مساحات شاسعة من الغابات في أوروبا إلى جحيم ملتهب يلتهم الأخضر واليابس، تاركا وراءه خسائر بشرية ومادية وبيئية غير مسبوقة. من البرتغال حتى تركيا، تتسع رقعة النيران يومًا بعد يوم. بينما تقف الحكومات وأجهزة الإنقاذ في سباق مع الوقت لمحاصرة الكارثة. وبين حرارة قياسية ورياح عاتية، تبدو الجهود المبذولة أشبه بمعركة مستمرة مع قوة الطبيعة، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي تهدد البيئة والاقتصاد وحياة الملايين في أنحاء مختلفة من القارة.
أوروبا تحترق.. صيف كارثى بسبب حرائق الغابات تخلف خسائر بشرية ومادية وبيئية فادحة
تشهد أوروبا صيفًا استثنائيًا يوصف بأنه من الأسوأ خلال العقدين الأخيرين، هذا بسبب حرائق الغابات التي تضرب القارة من البرتغال حتى تركيا مرورًا بإسبانيا واليونان. هذه الحرائق لم تقتصر على خسائر الأشجار والمساحات الخضراء فقط، بل امتدت لتخلف وراءها ضحايا بشرية وأضرار مادية هائلة. إضافة إلى آثار بيئية طويلة المدى. اشتدت الأزمة بفعل موجات الحر القياسية التي اجتاحت المنطقة مصحوبة برياح قوية، ما جعل مهمة السيطرة على النيران شبه مستحيلة رغم الجهود الكبيرة المبذولة من فرق الإطفاء في مختلف الدول المتضررة.
البرتغال بين ألسنة اللهب
في البرتغال، يقاتل أكثر من خمسة آلاف رجل إطفاء عشرات الحرائق المنتشرة خاصة في مناطق الشمال والوسط. وأعلن قائد الهيئة الوطنية للطوارئ والحماية المدنية أن كثافة الدخان تسببت في عرقلة عمليات الإخماد الجوي. حيث لم تتمكن الطائرات من المشاركة بفعالية. وتعد منطقة جواردا الأكثر تضررًا بعدما استمر حريق ترانكوسو لأكثر من أسبوع. ليصبح الأطول هذا الصيف. كما اندلعت حرائق ضخمة في ساتاو وأرجانيل، بينما تساند القوات فرق الإطفاء باستخدام أكثر من 1300 مركبة و36 طائرة للحد من انتشار النيران.
خسائر بشرية واعتقالات في البرتغال
لم تتوقف الحرائق في البرتغال عند حدود الأضرار المادية، بل سجلت السلطات أول حالة وفاة في جواردا. إضافة إلى إصابة عدد من رجال الإطفاء أثناء محاولاتهم المستمرة للسيطرة على النيران. وأكدت السلطات أن التحقيقات أفضت إلى اعتقال شابين يشتبه في تورطهما في إشعال بعض الحرائق عمدًا. وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول أسباب تصاعد الظاهرة. وتخشى الحكومة من تفاقم الأزمة إذا استمرت درجات الحرارة المرتفعة والرياح القوية. خصوصًا أن الحرائق تزداد شدة في المناطق الجبلية كثيفة الغابات.
إسبانيا تسجل أسوأ موسم حرائق
الوضع في إسبانيا لا يقل خطورة، حيث تعيش البلاد واحدًا من أسوأ مواسم الحرائق في تاريخها، مع وصول درجات الحرارة إلى 44 درجة مئوية. هذه الأجواء ساعدت على اندلاع حرائق ضخمة أتت على عشرات آلاف الهكتارات. وكان أبرزها في منطقة موليزويلاس دي لا كارباليدا بزامورا. ذلك الحريق وحده دمر نحو 31 ألفًا و700 هكتار وأدى إلى وفاة شخصين. كما شهدت جاليسيا حرائق واسعة النطاق دمرت أكثر من 16 ألف هكتار، ما دفع السلطات إلى الاستعانة بالجيش عبر نشر 1400 عنصر من وحدة الطوارئ العسكرية.
سكان القرى يواجهون النار
في إسبانيا أيضًا، كشف ضعف الموارد عن مشاهد مأساوية. حيث اضطر سكان القرى المتضررة لمواجهة ألسنة اللهب بأنفسهم. حمل الأهالي الخراطيم والجرادل وحاولوا إنقاذ بيوتهم ومزارعهم، في وقت كانت النيران تقترب بسرعة كبيرة من المناطق السكنية. وغياب التجهيزات الكافية وصعوبة وصول فرق الإطفاء إلى بعض المناطق الجبلية، هذا ما جعل الوضع أكثر تعقيدًا. ومع استمرار موجات الحر وتوقع مزيد من الارتفاع في درجات الحرارة، يتوقع الخبراء أن تتواصل الحرائق وتزداد رقعتها، مما يزيد الضغط على الحكومة والسكان على حد سواء.
اليونان تحت حصار النيران
اليونان لم تكن بعيدة عن المشهد، إذ أحرقت النيران خلال الشهرين الماضيين أكثر من 43 ألف هكتار وفق بيانات النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات. في إقليم آخايا شمال منطقة البيلوبونيز، شارك عشرات رجال الإطفاء في التصدي للحرائق مدعومين بتسع طائرات إخماد. السلطات أصدرت تحذيرات رسمية عاجلة لسكان القرى المهددة بضرورة إخلاء منازلهم تجنبًا للخطر. ويؤكد الخبراء أن طبيعة اليونان الجغرافية من جبال وتضاريس وعرة تجعل مهمة السيطرة على النيران أكثر صعوبة، خصوصًا مع سرعة انتشارها في الغابات الكثيفة.
تركيا والإجلاءات الجماعية
تركيا على الساحل المتوسطي تعرضت هي الأخرى لموجة من الحرائق العنيفة خاصة في محافظة مرسين. حيث التهمت النيران نحو 1500 هكتار وأجبرت 1800 شخص على النزوح القسري من منازلهم. التحقيقات أظهرت أن الحريق اندلع نتيجة شرارة لحام في أحد مواقع البناء، ما أدى إلى اعتقال صاحب شركة وأربعة من موظفيه بتهمة التسبب في الكارثة. وأعلن وزير الزراعة والغابات أن البلاد شهدت أكثر من 5100 حريق هذا العام، 96% منها ناجمة عن أنشطة بشرية مباشرة، ما يضاعف المخاطر.
تغير المناخ يزيد الكارثة
السلطات التركية وغيرها من الدول الأوروبية، أجمعت على أن تغير المناخ يمثل العامل الأساسي وراء تفاقم هذه الكوارث البيئية. فدرجات الحرارة المرتفعة والجفاف الطويل المدى يجعلان أي شرارة بسيطة تتحول إلى حريق ضخم يخرج عن السيطرة. التحذيرات تتزايد من أن هذه الظاهرة مرشحة للتفاقم في السنوات المقبلة، وهذا في حالة إن لم تتخذ إجراءات عاجلة للحد من الانبعاثات، والتكيف مع التغيرات المناخية. ومع استمرار الخسائر البشرية والاقتصادية والبيئية، يظل صيف أوروبا الحالي مثالًا حيًا على خطورة الاحتباس الحراري.
إجلاءات ضخمة وخسائر في الأرواح تعمق مأساة أوروبا
>>امتدت آثار حرائق الغابات إلى قلب أوروبا العاصمة، مع اندلاع حرائق تقترب من مدن مثل مدريد وأثينا، ما دفع إلى إجلاء آلاف السكان. حتى الآن تجاوزت مساحة الأراضي المتضررة 410,000 هكتار، مقارنة مع 189,000 هكتار في العام الماضي فقط. سجلت إسبانيا وحدها هذا العام أكثر من 157,000 هكتار محترق، ما يقارب ضعف المتوسط الشهري. وتضاعفت طلبات المساعدة عبر آلية الحماية المدنية الأوروبية، وهو ما يعكس حجم الأزمة وتعاون دول الاتحاد في التصدي لها.
خسائر اقتصادية وصحة عامة تحت التهديد
الموجة الحالية من الحرائق لا تتوقف عند التدمير المباشر للغابات، بل تمتد لتشمل اضطرابات اقتصادية واسعة تشمل قطاع السياحة وسلاسل الإمداد. فقد تضررت البنية التحتية وأغلقت طرق حيوية. كما شهدت مناطق مشهورة سياحيًا تراجعًا ملحوظًا في أعداد الزائرين، خصوصًا في اليونان وإسبانيا. بالإضافة إلى ذلك يسجل تدهور في جودة الهواء بفضل الدخان الكثيف، وهو ما يهدد الصحة العامة، ويزيد من الضغط على المنظومة الطبية التي تجد نفسها أمام تحديات إضافية لمواجهة تداعيات هذه الكارثة.






