منوعات

مولد الحكاية: حين وُلدت الصحافة في شارع قَلِق

في حيّ شعبي يموج بالحركة والضجيج، وُلد علي أمين عام 1914. لم يكن مولده لحظة عابرة في عائلة مصرية أرستقراطية الطابع، بل كان ولادة مبكّرة لقلق مستقبلي كبير. لم يكن طفلًا عادياً، بل كان يمتلك شيئاً في عينيه يُشبه السؤال الدائم عن المعنى، عن الوطن، وعن الكلمة.

نشأته في قلب القاهرة، بين شوارعها القديمة ومقاهيها المزدحمة وحكايات ساكنيها، شكّلت وجدانه باكرًا. لقد أفرزت تلك البيئة صوتاً حساساً يعرف كيف يلتقط النبض الشعبي. كان الشارع بالنسبة له مصدرًا دائمًا للفكرة، للحدث، للقصّة التي تستحق أن تُروى.

في بيئة حيث الكلمة تساوي السيف، تعلّم علي أمين مبكرًا أن الكتابة ليست ترفًا، بل مسؤولية. وأن الصحافة ليست مهنة فقط، بل فعل مقاومة. وقد بدأ منذ صغره في قراءة الجرائد كمن يقرأ نشيدًا وطنيًا، أو بيانًا ثوريًا، لا مجرد أخبار.

وكانت العائلة، بخلفيتها الثقافية والسياسية، محفّزًا داخليًا آخر. فشقيقه مصطفى أمين كان شريك الحبر والهمّ والرسالة، ومنذ سنوات المراهقة تشكّلت بينهما ملامح مشروعٍ لم يكن يعرفان أنه سيتحوّل إلى مؤسسة وطنية كبرى.

كان “الشارع” هو المنصة التي استلهم منها علي أمين رؤيته للحياة. شارع لا ينام، لا يصمت، لا يهدأ. شارع فيه الباعة والقرّاء والعاشقون والساخرون، وكان يعرف أن دوره المستقبلي سيكون في أن ينقل هذا الشارع، كما هو، إلى الورق.

وحتى حين سافر للدراسة بالخارج، بقي الشارع المصري يسكنه. فباريس كانت مدينة العلم، لكن القاهرة بقيت مدينة القلب. وبين عراقة الغرب وحداثته، ظل صوت البلد القديمة يرنّ في أعماقه، يطلب منه أن يعود، لا كعابر بل كراوٍ.

علي أمين لم يولد فقط في شارع، بل كان هو نفسه شارعًا من الحكايات. طريقًا يمشي عليه الناس بالكلمات، ويمر عبره الزمن بالمواقف. كان طفله الداخلي يتغذّى على الضجة، وتاريخه الشخصي يُصاغ كل يوم من عبور الناس وهم يركضون وراء أرغفة العيش وأحلام الكرامة.

في تلك البيئة المركّبة، تعلّم أن الكتابة لا تُكتب من برج عاجي، بل من نافذة تطلّ على زقاق حيّ، من سماع بائع الخبز وهو يشكو، ومن ملاحظة عيون فتاة تُطالع الصحف علّها تجد حلمها في سطرٍ ما.

وهكذا، بدأ وعيه يتشكّل كراصدٍ حادٍّ للتحوّلات. لم تكن الكلمة عنده لعبة أدبية، بل مسؤولية. لقد ورث الشارع لا من الجغرافيا فقط، بل من التاريخ، من أوجاع الناس وآمالهم الصغيرة.

ومع هذا النشوء المختلف، لم يكن غريبًا أن يتحوّل علي أمين لاحقًا إلى أحد أهم مؤسسي الصحافة الشعبية في مصر، صحافة تقرأ النبض لا البروتوكول، وتنقل الهمّ لا البيان الرسمي. لقد كانت الولادة الأولى هي بداية حكاية شارع لن تنتهي.

“أخبار اليوم”: من فكرة إلى مؤسسة، ومن مؤسسة إلى وطن

حين أطلق علي ومصطفى أمين مشروع “أخبار اليوم” عام 1944، لم يكن ذلك مجرّد إنشاء صحيفة جديدة، بل كان خلقًا لمؤسسة ستُغيّر وجه الصحافة المصرية إلى الأبد. كانت رؤيتهما مختلفة، شعبية، قريبة من الناس، لا من الساسة فقط.

“أخبار اليوم” لم تكن جريدة، بل كانت شارعًا آخر. نسخة مطبوعة من سوق مزدحم، فيها السياسة والفن والرياضة والشكوى والبسمة، وكل ما يعكس الحياة كما هي. لقد أراد علي أمين أن تكون الصحيفة مرآة حقيقية لا مزيفة، وهذا ما حدث.

المشروع في بداياته لم يكن سهلاً. فالفكرة كانت راديكالية في زمانها، وتعرض لمقاومة من أوساط الصحافة التقليدية التي رأت فيها تهديدًا لاحتكار النخبة للكتابة والنشر. لكن علي أمين كان يؤمن بأن الشارع أقوى من كل شيء، وأنه لا صوت يعلو فوق صوت الناس.

فبدأ بتغيير لغة الصحافة، ليس فقط في مضمونها، بل في شكلها أيضًا. أصبحت العناوين أكثر بساطة، المقالات أقصر، القصص الصحفية أقرب إلى الحكي الشعبي. كانت هذه صحافة الناس، بلغة الناس، ولأجل الناس.

لقد آمن بأن كل مصري يستحق أن يكون له صوت. ففتحت الصحيفة أبوابها للرسائل، للشكوى، للآراء المختلفة. لم يعد القارئ متلقّيًا فقط، بل مشاركًا في صناعة المحتوى. وهو ما كان سابقًا لزمنه، وبعيدًا عن تقاليد الصحافة الرسمية.

ومع مرور الوقت، تحولت “أخبار اليوم” إلى مدرسة كاملة. خرّجت كتابًا وصحفيين ومصممين ومصورين، وأصبحت قلبًا نابضًا داخل الجسد الصحفي المصري. كان علي أمين مديرًا، لكنه كان أيضًا صديقًا، وملهمًا، ومدافعًا عن كل موظف فيها.

وما ميّز هذه الصحيفة تحديدًا هو ذلك الحضور الإنساني فيها. كل عدد كان يحتفل بالناس، يُكافئهم، ينقل معاناتهم، يضعهم في الصفحة الأولى. لم يكن فيها فصل بين “السياسة” و”الشعب”، فكل خبر كان يمر عبر عدسة الناس أولًا.

بفضل هذه الفلسفة، أصبحت “أخبار اليوم” جزءًا من وجدان الشعب المصري. انتظرها الملايين كل أسبوع، كما ينتظرون زيارة قريبة عزيزة. وكانت مقالات علي أمين – مثل “فكرة” – أشبه بدفتر يوميات الوطن.

لم تكن الصحيفة هدفًا اقتصاديًا فحسب، بل كانت مشروعًا وطنيًا بامتياز. وبهذا، لم يُخلّد علي أمين اسمه فقط عبر مؤسسة صحفية، بل عبر زرع بذور مشروع وطني للوعي العام، لا يزال صداه قائمًا حتى اليوم.

“فكرة”… المقالة التي أصبحت يومًا مصريًا

لو وُجدت موسوعة للحكمة اليومية في الصحافة العربية، لتربّعت سلسلة “فكرة” لعلي أمين على صفحتها الأولى. هذه الزاوية الصغيرة، التي لم تكن تتجاوز بضع كلمات، تحوّلت إلى لحظة يومية ينتظرها المصريون كما ينتظرون شروق الشمس.

بدأت “فكرة” كمساحة حرة، يكتب فيها علي أمين تأملاته في الحياة والمجتمع والسياسة. لكن سرعان ما أصبحت تلك الزاوية “مرآة يومية” للشعب. لم تكن مقالًا بل كانت بوصلة: فيها أمل، توجيه، نصيحة، وجرأة ناعمة.

ولأنها كانت قصيرة، كان يكتبها بعناية تامة. كل كلمة تُحسب، كل فاصلة تُوزن. لقد علّم القراء أن المعنى لا يحتاج للثرثرة، وأن الحكمة يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا حين تكون أقصر. كانت كل “فكرة” تشبه صفعة على وجه البلادة.

امتازت “فكرة” بقدرتها على التسلل إلى الوجدان. يقرؤها القارئ البسيط والمثقف على حد سواء، ويجد فيها ما يعنيه. لقد أعاد علي أمين في هذه الزاوية تعريف دور الكاتب، لا كناصح من أعلى، بل كصديق يهمس في الأذن.

تحدث فيها عن الوطنية، الأخلاق، الصداقة، الفساد، الغلاء، وحتى الحب. وكانت له القدرة العجيبة على الإمساك بتفاصيل صغيرة في الحياة، ثم تحويلها إلى دروس عميقة، دون أن يُعلّمك بشكل مباشر.

“فكرة” لم تكن فقط وسيلة للكتابة، بل كانت وسيلة للتأثير. كثير من المسؤولين تحرّكوا بناءً على جملة واحدة فيها. وكثير من الناس استعادوا أملهم في الحياة بسبب فكرة كتبها علي أمين في ربع صفحة.

أصبحت “فكرة” مشروعًا موازيًا للصحيفة ذاتها. هناك من كان يشتري الجريدة فقط من أجلها. بل إن هناك من كان يقصّها من الورق، ويحتفظ بها في المحفظة، أو يعلّقها على جدار بيته.

بهذا المعنى، كانت “فكرة” ليست مجرد عمود صحفي، بل كانت “فعلًا يوميًا” من المقاومة الثقافية. مقاومة القبح، والسلبية، والنسيان. كل كلمة فيها كانت محاولة لقول “لا” بطريقة مهذبة، لكنها فعالة.

وما زالت حتى اليوم تُذكر كواحدة من أنبل محاولات المزج بين الصحافة والحكمة الشعبية. علي أمين لم يكن واعظًا، لكنه كان ضميرًا حيًا يكتب بلغة الناس ولأجلهم.



هل كان المحتوى مفيداً؟

نعم
لا
شكرا لك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى