
في خطوة جديدة تعكس طموحها لتعزيز مكانتها في مجال الدفاع الفضائي أعلنت شركة ثاليس Thales الفرنسية توقيع عقد رسمي مع وزارة القوات المسلحة الفرنسية لتوريد رادار مراقبة فضائية متطور مصمم خصيصا لرصد وتتبع الأجسام والتهديدات القادمة من الفضاء الخارجي بما في ذلك بعض الأقمار الصناعية العدائية والمخلفات الفضائية التي قد تهدد أمن البلاد وايضا بنيتها التحتية الفضائية الحساسة
فرنسا تعزز قدراتها الدفاعية الفضائية
يأتي هذا العقد كجزء من استراتيجية فرنسا الطموحة لتقوية منظومتها الدفاعية الفضائية في ظل تصاعد التوترات الدولية واتساع نطاق المنافسة في مجال الفضاء بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة الامريكيه، وروسيا، والصين، وايضا الاتحاد الأوروبي، وتشير بعض التقارير إلى أن هذا الرادار سيكون قادرا على تحليل مسارات الأجسام الفضائية بدقة عالية، والتنبؤ بالتصادمات المحتملة، وتوفير بيانات فورية لغرف العمليات العسكرية والجهات المسؤولة عن مراقبة الفضاء الفرنسي.
مشروع استراتيجي لحماية الفضاء الفرنسي
يمثل مشروع الرادار الجديد أحد أعمدة برنامج الدفاع الفضائي الفرنسي الذي أطلق في السنوات الأخيرة لتأمين الفضاء القريب من الأرض Low Earth Orbit وحماية كل الأقمار الصناعية الوطنية من أي تهديد محتمل، و الرادار الذي ستقدمه ثاليس سيستخدم لتتبع آلاف الأجسام في المدار، سواء كانت اقمارا صناعية عاملة، أو مركبات فضائية مهجورة، أو حتى حطامًا ناتجا عن تجارب ل الصواريخ المضادة للأقمار الصناعية.
تعاون بين الحكومة والصناعة
العقد الذي وقعته فرنسا مع ثاليس لا يقتصر فقط على تصنيع الرادار، بل يشمل أيضًا مرحلة الاختبارات والتدريب ونقل التكنولوجيا إلى الفرق الفرنسية المتخصصة، وسيتم تنفيذ المشروع تحت إشراف وكالة الدفاع الفضائي الفرنسية CDE بالتعاون مع وكالة الفضاء الوطنية CNES، في إطار رؤية وطنية متكاملة لتطوير قدرات الرصد والتحكم في الفضاء، وقال مصدر مسؤول في وزارة الدفاع الفرنسية إن هذا المشروع يعد خطوة استراتيجية مهمة جدا نحو تحقيق السيادة الفضائية لفرنسا، مشيرًا إلى أن الرادار الجديد سيعمل ك عين رقمية للبلاد في الفضاء، قادرة على كشف أي تحرك غير طبيعي أو نشاط مشبوه في المدار القريب و المدار البعيد.
خصائص الرادار الجديد
يتوقع أن يعتمد الرادار الذي تطوره ثاليس على تقنيات الموجات عالية التردد والذكاء الاصطناعي لتحليل الإشارات الواردة بسرعة وكفاءة، و يمتاز هذا النظام بقدرته على العمل في مختلف الظروف الجوية والليل والنهار، إضافة إلى إمكانية ربطه بشبكات الأقمار الصناعية الدفاعية الموجودة بالفعل، ومن الناحية التقنية، سيتيح الرادار الجديد تغطية واسعة لمجال الرؤية الفضائية تصل إلى مئات الكيلومترات فوق سطح الأرض، مع إمكانية تحديد حجم وسرعة واتجاه الأجسام الفضائية بدقة كبيرة جدا، كما يمكنه تمييز النفايات الصغيرة التي لا يتجاوز حجمها عن عدة سنتيمترات، والتي قد تشكل خطراً على كل الأقمار الصناعية المدنية والعسكرية على حد سواء.
مواجهة حروب الفضاء الحديثة
تأتي هذه الخطوة في ظل ازدياد الحديث حول ما يعرف بـحروب الفضاء، حيث تسعى الدول الكبرى إلى تطوير أسلحة قادرة على تعطيل الأقمار الصناعية أو التلاعب بأنظمة الاتصالات والملاحة العالمية، وقد أعربت باريس مرارًا عن قلقها من الأنشطة العدائية التي ترصدها في المدار، مثل عمليات خاصه بالتجسس الفضائي أو التجارب التي تترك كميات كبيرة من الحطام في الفضاء، ويرى بعض الخبراء أن الرادار الجديد من ثاليس سيسهم بشكل مباشر في تعزيز قدرة فرنسا على الردع والمراقبة، ومنحها رؤية شاملة لما يحدث في محيطها الفضائي، مما يمكنها من اتخاذ قرارات سريعة في حال حدوث أي تهديد مباشر.
فرنسا والسباق العالمي نحو الفضاء الدفاعي
منذ إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في عام 2019 عن تأسيس قيادة الفضاء الفرنسية، دخلت فرنسا رسميًا سباق تطوير القدرات الدفاعية الفضائية، وتهدف هذه القيادة إلى تأمين المصالح الفرنسية في الفضاء، سواء من خلال حماية الأقمار الصناعية أو مراقبة الأنشطة العسكرية للدول الأخرى، وتعد فرنسا اليوم واحدة من الدول الأوروبية القليلة التي تمتلك برامج دفاع فضائي مستقلة، إذ خصصت ميزانيات ضخمة للأبحاث والتطوير في هذا المجال، بالتعاون مع شركات وطنية كبرى مثل إيرباص للدفاع والفضاء و ثاليس ألينيا سبيس، والعقد الجديد مع ثاليس قد يعكس استمرار هذا النهج، ويعزز من مكانة الشركة الفرنسية كأحد اللاعبين العالميين الرائدين في تقنيات الرصد و الرادارات الدفاعية ايضا.
أهداف متعددة: من الدفاع إلى الابتكار
لا يقتصر الهدف من هذا المشروع على الدفاع فقط، بل يمتد أيضًا إلى تحفيز الابتكار في قطاع التكنولوجيا الفضائية الفرنسي، ف الرادار سيوفر فرصا بحثية جديدة لعلماء الفضاء والمهندسين، كما سيساعد في تطوير تقنيات جديدة تستخدم لاحقًا في التطبيقات المدنية مثل مراقبة الطقس، وإدارة حركة الأقمار الصناعية التجارية، وتحليل النفايات الفضائية، ويتوقع أن تفتح هذه الخطوة الباب أمام شراكات أوروبية مستقبلية ضمن برامج وكالة الفضاء الأوروبية ESA، خصوصًا أن مراقبة الفضاء أصبحت قضية مشتركة تمس جميع الدول التي تعتمد على الاتصالات والملاحة وذلك يكون عبر الأقمار الصناعية.
دعم أوروبي متزايد للأمن الفضائي
تأتي الخطوة الفرنسية في وقت يشهد فيه الاتحاد الأوروبي اهتمامًا متزايدا بالأمن الفضائي، حيث تعمل المفوضية الأوروبية على وضع إستراتيجية موحدة لحماية البنية التحتية الرقمية والفضائية لدول الاتحاد، ويمكن أن يشكل الرادار الفرنسي الجديد نموذجا أوليًا لمشروعات أوروبية أكبر تهدف إلى مراقبة المدار الأرضي المنخفض والمتوسط، وبحسب محللين، فإن المشروع الفرنسي يمكن أن يكون بداية لتعاون أوسع في مجال الإنذار المبكر من الهجمات الفضائية، خصوصًا في ظل تصاعد بعض التهديدات الإلكترونية التي قد تستهدف كل الأنظمة المرتبطة بالأقمار الصناعية.
المستقبل: نحو فضاء أكثر أمانا
مع تزايد عدد الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية التي تطلق سنويا، أصبحت مراقبة الفضاء مسألة معقدة تتطلب أدوات متطورة ودقة عالية جدا، ومن هنا يمثل هذا مشروع ثاليس الجديد نقلة نوعية في قدرة فرنسا على إدارة ومراقبة المجال الفضائي، بما يضمن أمنها القومي واستمرارية خدماتها الحيوية التي تعتمد على الأقمار الصناعية، مثل الاتصالات والملاحة والبث التلفزيوني، كما أن إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الفضائية سيسمح بتوقع الأخطار قبل وقوعها، وتحسين دقة القرارات العسكرية والمدنية المتعلقة بالفضاء.
فرنسا تؤكد على انها تتجه لتعزيز استقالها الفضائي و الدفاعي
بإعلانها عن هذا العقد الجديد مع شركة ثاليس، تؤكد فرنسا أنها تتجه بثبات نحو تعزيز استقلالها الفضائي و الدفاعي، في عالم باتت فيه السيطرة على الفضاء عنصرا حاسما من عناصر القوة الوطنية، ف الرادار الجديد لا يُعد مجرد أداة مراقبة، بل هو رمز للسيادة والتطور التكنولوجي الفرنسي، ورسالة واضحة بأن باريس تسعى لتكون من الدول الرائدة في مجال الأمن الفضائي خلال العقد القادم وبينما تستعد ثاليس لبدء تنفيذ هذا المشروع في خلال الأشهر المقبلة.
هل ستتمكن فرنسا من تحقيق توازن بين الطموح الدفاعي
يبقى السؤال الأهم، هل ستتمكن فرنسا من تحقيق توازن بين الطموح الدفاعي والتعاون الدولي في فضاء أصبح مزدحمًا بالفاعلين والمخاطر و الإجابة ستتضح مع مرور الوقت، لكن المؤكد أن باريس تخطو بخطى واثقة نحو فضاء أكثر أمانا ورقابة ودقة بفضل هذا المشروع الطموح.






