رواية صغيرتي (الجزء السابع)

“إنتي بتقولي إيه”
“بقولك أنا جعانة”
فضلت أدور يمين، وشمال عشان ألاقي حد يأكدلي اللي أنا سمعته…
“إنتي متعشتيش يا رهف؟”
“لأ”
“طيب ليه متروحيش المطبخ، وتحضري أكلة سريعة ليكي ؟”
قالت: “أنا نفسي في بيتزا”
“بيتزا؟؟”
“أيوة بيتزا”
قلت: “لكن تحضيرها هياخد وقت طويل أوي، ليه مجهزتيهاش من قبل كده؟ إعملي حاجة خفيفة أحسن”
“أنا مش عارفة طريقة تحضيرها، ومش عايزة أعرف.. ده غير إن أنا لسة حاسة بالجوع دلوقتي بس”
طب وبعدين في الليلة دي؟؟
قلت: “طيب، يلا حضري أي أكل تاني”
“أنا عايزة بيتزا”
“رهف.. إنتي فاكرة إن أنا هعرف أعملك بيتزا؟”
“إنت هتعرف تشتريهالي من المطعم”
بصيت على الساعة.. كانت واحدة بليل!
“مطعم.. دلوقتي؟”
“أيوة.. أكيد هيكون في مطعم واحد على الأقل مفتوح دلوقتي”
ده معناه إن أنا لازم أروح المطعم عشان أجيب البيتزا!
ده آخر شغل ممكن أفكر إني أعمله دلوقتي!
“حضريلك أي أكل من المطبخ.. الوقت إتأخر، وأنا تعبان أوي”
“مش نفسي في حاجة غير البيتزا”
“كلي أي حاجة، وبكرا هاخدك المطعم”
قالت: “معاك إنت، ورضوى؟”
بصتلي بصة حادة، وقالت: “هي العروسة هتقبل بحاجة زي كده؟ هتقبل إني أكون عزول بينكوا؟!”
اتنهدت، وقلت عشان أخلص الموضوع: “قدامك المطبخ باللي فيه يا رهف.. تصبحي على خير”
لفيت، وكملت طريقي…
لما وصلت عند باب الأوضة، وفتحته، سمعتها بتقول: “لو آسر كان هنا، مكنش سمح أبدا إني أنام وأنا جعانة، وكان زمانه لف الدنيا عشان يجيبلي اللي أنا عايزاه”
تلفتلي أعصابي، ورزعت الباب جامد وأنا بلفلها…
شوفتها قاعدة على الكرسي، وموطية راسها تحت، وهتبدأ تعيط…
مشيت ناحيتها، ووقفت قريب منها، وقلت بعصبية: “تمام.. أنا هروح أجيبلك اللي إنتي عايزاه”
سكت شوية عشان آخد نفسي، وأهدي أعصابي، وبعدين قلت: “متستفزنيش كده تاني! مفهوم؟”
رفعت راسها، وبصتلي.. ممكن تكون نظرة إستغراب أو إعتذار معرفتش أميزها كويس لإني لفيت، وروحت ناحية باب البيت على طول…
أول ما وصلت عند الباب، سمعتها بتقول: “هتهالي معاها صوابع البطاطس المحمرة.. كتييير”
بصيتلها، ولقيتها بتبتسم.. أيوة بتبتسم!!
إنتوا عارفين أنهي نوع من الإبتسامات؟؟
اللي بتخلي الواحد ينسى إنه بيتصبب عرقا، وإن عضمه تعبان لدرجة الشلل، ومشاعره متهيجة لدرجة الغليان!!
آه منها رهف دي!!
إن أنا ألاقي مطعم مفتوح في الوقت ده، مكانش حاجة سهلة أبدا…
لكن أنا اشتريت لصغيرتي الدلوعة دي اللي هي عايزاه، وخلال أربعين دقيقة رجعت البيت…
كانت لسة قاعدة زي ما هي على نفس الكرسي.. والكتاب في حضنها، وإيديها محطوطة على الصفحة اللي كانت بتقرأ فيها…
مقامتش لما أنا جيت…
قلت: “عشاكي وصل يا صغيرتي!”
مردتش عليا.. قربت منها.. ولقيت عينيها مغمضين.. ببساطة كانت نايمة…
“رهف”
برضه مردتش.. قربت أكتر، وقلت بصوت واطي: “رهف.. إنتي نمتي؟؟”
لسة مفقتش.. أعمل إيه في البنت دي؟؟
في نص الكتاب المفتوح، لقيت حاجة بتلمع.. قربت أكتر عشان أشوفها.. لقيته خاتم خطوبة رهف!!
ميدت إيدي، وخدت الخاتم عشان أبص فيه كويس.. لقيت محفور جواه أول حرفين من إسم رهف، وآسر، وتاريخ الخطوبة…
فضلت واقف في مكاني، وعمال أقلب في الخاتم على إيدي…
كنت بتمنى إني أمحيه من الوجود، وأمحي معاه أي علاقة بتربط بين آسر، ورهف.. حتى رابط الدم اللي بينهم….
آخر مرة آسر زارنا فيها، وفي آخر لحظة قضاها معانا في المزرعة، وآخر صورة عيني شافتها ليه هو، ورهف.. كانوا في عناق حميم.. حلل كل خلايا الدم الموجودة في جسمي.. وصابني بأنيميا حادة مميتة…
لكن لغاية اللحظة دي، أنا معرفش مصير العلاقة دي إيه؟ ومش عايز أجيب سيرتها لرهف أبدا…
بصيت دلوقتي على رهف.. نايمة بعمق، وبهدوء…
طبعا إنتوا عارفين أنا بحب أتفرج عليها بالشكل ده إزاي؟؟
وعارفين أنا قد إيه بجاهد نفسي عشان أقف عند الحدود اللي بيننا، ومتخطاهاش؟؟
قربت منها أكتر، وهمست: “رهف.. يلا قومي نامي في أوضتك”
لكن هي متحركتش!!
ندهت عليها: “رهف.. قومي يا صغيرتي.. إنتي هتنامي هنا؟؟”
مديت إيدي، وخبطت براحة على إيديها…
رهف اتحركت، ومالت بجسمها على مسند الكرسي، وسندت راسها لورا، ونامت وهي بتقول: “ياه يا رضوى.. حلي عني بقى.. أنا بكرهك”
وبعدين سكتت!!
استغربت!! يا ترى صغيرتي بتحلم بإيه دلوقتي؟؟
هي ليه بتقول الكلام ده؟؟ وده معناه إيه؟؟
“ده أنا ليث يا رهف.. إنتي نايمة في الصالة.. يلا قومي على أوضتك”
رهف ابتسمت وهي نايمة، وقالت: “بابا.. أنا بحبك”
بعد كده غرقت في نوم عميق!!
يا ريتني أدخل في حلمك، وأشوف إنتي بتحلمي بإيه؟؟
نوم جميل، وهادي.. صغيرتي.. تصبحي على خير…
……………
لما صحيت على صوت منبه مزعج جدا، لقيت نفسي نايمة على الكرسي بطريقة مش مريحة خالص!
لقيت على الترابيزة اللي قدام الكرسي شنطة شكلها كانت بتاعة مطعم أكل!
قمت، وبصيت حواليا، ملقتش أي حد.. لكن كنت سامعة صوت المنبه المزعج جاي من ناحية أوضة ليث…
مديت إيدي ناحية الشنطة الأول، وبصيت عليها…
دي البيتزا!!
وديت عيني ناحية أوضة ليث، ولقيت الباب مفتوح على مصراعيه، والمنبه كان بيرن ياستمرار من غير ما يقف.. وليث تقريبا مصحيش…
قمت أنا، واتسحبت ناحية الأوضة، وفصلته، وبصيت على ليث…
كان نايم على السرير، وإيديه، ورجليه متوزعين على كل الزوايا بتاعة السرير…
كان باين عليه إنه غرقان في النوم جدا…
برغم كده، أول ما نطقت إسمه: “ليث”
فتح عينه بسرعة، وقام قعد فورا!!
هو أنا صوتي مخيف للدرجة دي؟؟ ده المنبه صوته إتنبح من كتر ما بيرن!!
ليث بص يمين، وشمال، وبعدين بص عليا…
“رهف؟ مالك؟”
هو فعلا خايف!!
قلت: “ولا حاجة.. وقت الصلاة”
خرجت من أوضته، وروحت على أوضة رضوى اللي أنا لسة متشاركة فيها معاها، وكنت شايلة الشنطة بتاعة المطعم، والبطانية اللي كنت متغطية بيها وأنا قاعدة بقرأ الكتاب…
لقيت الباب مقفول من جوا!
“رضوى.. إنتي بتستعبطي؟ أنا هعتبر إنك بتطرديني”
بعد شوية، خرج ليث مع الراجل العجوز كالعادة عشان يصلوا في المسجد…
شلت الشنطة بتاعتي، والبطانية، وروحت على أوضة ليث، وكملت نومي على الكنبة اللي عنده!
لقيتها فرصة ما تتعوضش عشان أوسع دايرة الخلاف اللي بيني أنا، ورضوى…
قلت لليث بعد كام ساعة: “هي مش عايزياني في أوضتها، ولا في بيتها، ولا في مزرعتها.. خرجني من المكان ده”
ليث كان متضايق جدا، وقال: “مش معقول رضوى تتعمد إنها تقفل الباب في وشك.. تلاقيها قفلته غلط”
“طبعا هي هتقول إنه إنقفل بالغلط.. لكن الموضوع كان مقصود يا ليث.. أنا متأكدة.. ليث.. أنا مش عايزة أعيش في المكان ده”
ليث وشه كشر، وملامحه إكتأبت جامد، وفضل يفرك في قورته بكف إيده…
بعد كده قال: “هنروح فين؟؟”
قلت: “خلينا نرجع شقة آسر”
الفكرة معجبتش ليث، وقال: “طب وشغلي؟؟”
“دور على شغل تاني، أصلا ده شغل متعب جدا، وميستحقش منك كل الإهتمام ده”
ليث حزن بسبب كلامي ليه، وكان ظاهر جدا على وشه إنه متضايق، لكن لقيته بيقول: “أنا هدور على حل تاني”
سكت شوية، وبعدين كمل كلامه وهو مضيق فتحة عينه: “لكن أنا مستحيل أسمحلك تتجوزي قبل ما تكملي الخمسة وعشرين سنة”
ذهلت من كلامه، ومن نظرته.. فبحلقتله بفضول شديد، وسألت: “إشمعنى خمسة وعشرين يعني؟؟”
“ده على الأقل.. إنتي لسة صغيرة، وهتفضلي صغيرة كام سنة تاني”
بشكل تلقائي رفعت إيدي اليمين عشان أبين صوباعي اللي فيه الخاتم، واعرفه إن أنا مخطوبة.. يعني كبيرة!!
الغريب إني ملاقتش الخاتم!!
ملامحي اتغيرت، وفضلت أقلب في إيدي على وشها، وضهرها، وأدور على الخاتم في صوابعي العشرة، لأ في صوابعي العشرين!!
ليث كان بيراقبني، وشافني وأنا متوترة ورايحة ناحية الكرسي، وبدور تحتيه، وفوقيه…
ليث مشي، وجه ناحيتي بالراحة، ووقف ورايا بالظبط…
كنت أنا قاعدة على الأرض، ومنزلة عيني لتحت، وعمالة أدور بإيدي على الأرض اللي تحت الكرسي…
يا ربي.. هو إختفى فين؟؟
“بتدوري على إيه؟؟”
لفيت راسي، ورفعت عيني للجبل اللي كان واقف ورايا، وشفت ميل بسيط لزاوية من زوايا بقه.. يعني حاجة شبه ابتسامة ماكرة!!
قلت وأنا لسة في وضعي زي ما أنا، وببص عليه زي اللي بيبص على السقف: “أنت شوفته؟؟”
“هو إيه؟؟”
“خاتمي!”
“خاتم إيه؟؟”
“خاتم خطوبتي يا ليث.. سيبته على الكتاب إمبارح”
ليث تعابير وشه اتغيرت، وقال: “هو ضياعه هيفرق معاكي أوي.. يعني هو حاجة مهمة بالنسبالك؟؟”
قلت وأنا مستغربة: “أيوة طبعا.. هيدو مش مجرد خاتم وخلاص”
ليث كشر شوية، وبعدين مد إيده في جيب من جيوبه، وخرج الخاتم، وحطه على الترابيزة…
قمت أنا، وبصيت على الخاتم، وبعدين على ليث.. واحترت في أمره جدا!!
ليث لف، ومشي عشان يخرج من البيت، لكن أول ما وصل عند الباب لف، وبص عليا، وقالي: “مش هتحطي حاجة زي دي في إيدك الشمال قبل ما يعدوا سنين كتير! مهما كان مين الطرف التاني.. أنا مش هسمح بحاجة زي كده”
وبعدين مشي!!
..……………..
أخيرا الليل جه…
قد إيه أنا مبسوطة، وفي قمة السعادة!!
النهاردة أنا، وليث هنلبس خواتم الخطوبة أخيرا!!
قضيت فترة طويلة على غير العادة، واقفة قدام المراية، وبتزين، وبظبط نفسي…
جهزت سهرة جميلة، ورومانسية مع خطيبي في الأوضة اللي برا البيت…
والتجهيزات بتشمل.. العشا، وطبق التقديم، والشموع الحمرا، وفستاني الأزرق الغامق، وتسريحتي الجميلة، وخواتم الخطوبة، وطقم الشبكة…
كمان الكلام الجميل اللي كنت مجهزاه عشان أقوله لليث…
ده أهم حاجة في السهرة.. أنا جوايا مشاعر كتيرة جدا، ونفسي أعبرله عنها…
بصراحة، أنا لغاية دلوقتي مش حاسة إن أنا زي باقي البنات المخطوبين، عشان ظروف ليث مسمحتش إننا نستمتع بأيام خطوبتنا بشكل طبيعي…
إزاي هنقدر نتمتع، وأبوه، وأمه ماتوا قبل فترة صغيرة جدا؟؟
دلوقتي، بعد ما عدى من الصدمة، ورجعتله طاقته، وصحته النفسية.. جت رهف، وكانت عائق بيني، وبين خطيبي…
النهاردة هي متضايقة مني عشان نسيت باب أوضتي مقفول بعد ما غيرت هدومي، وروحت نمت على طول من غير ما آخد بالي…
عموما، مضايقتها دي جت بفايدة، عشان تبقى بعيدة عننا شوية بس…
الباب اتفتح أخيرا، وليث دخل.. خطيبي العزيز…
انبهر بكل حاجة حواليه.. أنا جهزت جو رومانسي جميل جدا…
“حلو.. زوقك حلو أوي”
“شكرا يا ليث.. إتفضل أقعد”
قعدنا إحنا الإتنين في أماكننا، وكان بيننا سفرة العشا المميز…
كان في جنبنا ترابيزة صغيرة محطوط عليها علبة الخواتم، والعقد…
فضلنا نتلكم سوا في جو هادي، ولطيف، ومليان ابتسامات ناعمة، وجميلة…
أول ما هيلبسني الخاتم، هقول: بحبك يا ليث.
إنتوا متخيلين أنا مبسوطة قد إيه؟؟
متخيلين لون وشي عامل إزاي؟؟
طب عندكوا فكرة عن سرعة دقات قلبي؟؟
يا ريتكوا كنتوا معانا…
ليث خد علبة الخواتم، ومسك الخاتم الدهب بتاعي، ومد إيده عشان يلبسهولي…
دي اللحظة الحاسمة اللي أنا كنت مستنياها…
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط جامد على الباب خلانا نتفزع، ونقوم نقف بسرعة…
“ليث…”
اتفتح الباب، ولقيت ماما جاية ناحيتنا بسرعة…
“ماما.. في إيه اللي حصل؟؟”
ماما كانت باصة على ليث، وجاية ناحيته، وبتكلمه، وبتقول: “ليث.. تعالى بسرعة.. رهف تعبانة جدا”
ليث مستناش حتى لما ماما خلصت كلامها.. لقيته رمى الخاتم من إيده، ووقع جوا كاس العصير، وطلع يجري زي اللي داخل سباق، وخرج من الأوضة من غير ما يبص وراه…
معدتش ثانية، ولا جزء من الثانية، ولا حتى هفوة، وكان ليث اختفى، واتبخر من قدام عيني…
كل حاجة راحت!
السكون ملى الأوضة، ومكنش بيكسره غير صوت الخاتم اللي بيتمرجح جوا الكاس…
وضلمة منورتهاش غير ضوء الشموع اللي بتسيح قدام عيني…
وبواقي سهرة خلصت قبل ما تبدأ…
وسعادة اختفت قبل ما تظهر…
ولسان خرس قبل ما ينطق: بحبك يا ليث…
…………….
بعد الإنتصار اللي أنا حققته لما فسدت على رضوى السهرة بتاعتها.. حسيت بنشوة إنتصار كبيرة جدا!
إزاي مفرحش؟ وفي ليلتها السعيدة فضل ليث عمري معايا في المستشفى، وبيرعاني…
راحت كل الأوجاع المفتعلة اللي أجبرت معدتي إنها تتظاهر بيها، مجرد ما شفت ليث جاي ناحيتي بقلق…
اتحولت ساعتها لرقص لما شفت صباع إيده وهو فاضي من أي خاتم!
بعد كده سألته وإحنا في المستشفى وأنا باصة على إيده اليمين: “الخاتم بتاعك فين؟”
ليث فكر شوية، وبعدين قال: “في علبته”
حسيت بسعادة، وكنت عايزة أضحك جامد!
لكن منعت نفسي بالعافية عشان ليث ميكتشفش إن أنا مفيش حاجة تعباني!
طبعا غير غيرتي من المتطفلة، ورغبتي في إن أنا أبعدها عنه نهائي!!
هو ده أكبر مرض عندي!!
نزلت راسي في الأرض عشان ما يقرأش الفرحة، والمكر الموجودين جوا عيني…
فضلت كده شوية، لغاية ما سمعته بيقول: “طب وإنتي؟؟”
رفعت عيني، وبصيتله بهبل، مكنتش فاهمة يقصد إيه؟؟
قال: “خاتمك فين؟؟”
كنت باصة في عينيه، واتنقلت فورا على إيدي اليمين!
أنا ملبستهوش تاني من ساعة ما قلعته!
قال: “متقوليش إنك ضيعتيه تاني”
قلت وأنا بهزر: “أنت لاقيته ولا إيه؟؟”
ليث استغرب، وقال باندهاش: “إنتي فعلا ضيعيته تاني؟؟ إنتي إيه يا بنتي؟؟”
قلت بسرعة: “أنا رهف”
ابتسم، وقال: “فعلا؟؟ كنت هنسى! كنتي بتضيعي ألعابك، وبتيجي تطلبي مني أدورلك عليها”
ابتسمت بخجل…
لقيته بيقول: “بس دي كانت ألعابك.. لكن ده…”
قطع كلامه…
فضل يبص عليا شوية وهو ساكت، وبعدين ودى وشه للحيطة…
قلت: “ليث…”
بصوت هادي خالص…
بصلي، وجاوب: “نعم؟؟”
“هو أنت هتفضل تعتني بيا.. حتى لو فضلت من غير جواز لمدة عشر سنين؟؟”
ليث استغرب من سؤالي، وبعدين قال: “وعشرين، وخمسين، ومية سنة كمان”
قلت وأنا مكسوفة: “بجد يا ليث؟”
“طبعا يا صغيرتي.. إنتي جزء مني”
كنت هقول بسرعة: “وإنت كلي”
لكن حبست الجملة في لساني عشان متطلعش…
قلت وأنا بلعب في صوابعي: “ليث…”
سكت كام سانية، وكلمت: “أنا خلصت من الخاتم”
بصيتله عشان أشوف تعبيرات وشه…
كان مستغرب، وحيران…
قلت عشان أوضح أكتر: “آسر نهى الإرتباط اللي بيننا، وطلقني بشكل شرعي، ورسمي.. عشان كده قلعت الخاتم”
“آسر نهى الإرتباط اللي بيننا، وطلقني بشكل شرعي، ورسمي.. عشان كده قلعت الخاتم”
بعد ما قلت كده، لقيت وش ليث مرسوم عليه تعبيرات غامضة جدا…
مفاجأة.. ذهول.. صدمة.. عدم تصديق لكلامي.. أو مش عارفة كان معناها إيه بالظبط؟
سكت شوية عشان يحاول يفكر، ويستوعب الكلام اللي أنا قلته، وبعدين قال: “يعني.. يعني.. إنتي، وآسر…”
كملتله الجملة: “مبقيناش مرتبطين”
ليث وقف فجأة، وفضل يحوم في الأوضة عشان يفكر…
وبعدين لف فجأة، وبصلي، وسألني: “ليه يا رهف؟؟”
بصنيا لبعض بنظرات عميقة جدا، وبعدين وطيت راسي في الأرض.. كنت خايفة عيني، ولساني يصرخوا، ويقولوا: عشان بحبك أنت…
فضلت ساكتة، ومرضتش أبص عليه تاني…
هو معملش حاجة غير إنه راح ناحية الستارة عشان يقفلها…
بعد ما لفها كويس، وقفلها حوالين سريري، قالي جملة أخيرة: “مهما كان السبب، وعشان إنتي تحت رعايتي أنا دلوقتي.. فامسحى فكرة الجواز من دماغك نهائي طول السنين الجاية”
………………..
إتصلت بآسر، وعرفت منه التفاصيل…
سمعت منه جملتين فضلوا متعلقين في راسي، كان أولهم: “مفيش داعي إنكوا تيجوا تزوروني تاني، مش عايز أشوفها”
الجملة التانية كانت: “هي تقدر تتجوز دلوقتي من اللي هي عايزاه”
“تقصد مين؟؟”
“إسألها”
كل ده أكدلي إن رهف فعلا إنفصلت عن آسر بسبب شخص تاني في قلبها.. والشخص التاني ده مش هيكون غير صبري!!
أنا بقى مش هكون ليث لو سمحت ليها تتجوز أي مخلوق على وش الأرض…
رهف من اللحظة دي بقت ليا.. أيوة ليا أنا…
مهما كانت العقبات اللي قدامي، ومهما عاندتني الظروف.. فأنا مش هسمح لأي راجل إنه يدخل حياتها، ويسرقها مني تاني، ومش هتكون لحد في النهاية غير ليا أنا، وبس…
الأيام عدت، والحظر اترفع أخيرا عن المدينة الصناعية، والناس دلوقتي بقت تقدر تخرج منها، وترجعلها عادي من غير أي خطورة…
أول ما ده حصل.. رهف طلبت مني إني آخدها لبيت خالتها، وكانت بتلح عليا بطلبها جامد…
ده اللي خلى الشكوك اللي جوايا تكبر، وتتضخم، وبقيت مجنون بإسم صبري.. حتى بقيت بشوفه في الكوابيس…
بعد إلحاح شديد منها، وافقت إني آخدها لبيت عيلة خالتها، بعد ما موسم الحصاد يخلص…
…………….
بعد كام يوم، ليث أخيرا هياخدني لبيت خالتي، ونهال، وهشوف كل العيلة.. قد إيه أنا مشتاقة ليهم!!
عدوا شهور كتيرة أوي من ساعة ما إتفرقنا في الليلة الحمرا إياها.. الله لا يرجعها…
بالرغم من كل حاجة، كنت بتصل بنهال بشكل شبه يومي عشان أحكيلها عن كل حاجة بتحصل معايا، وحواليا…
في يوم من الأيام، ليث كان بيشتغل في المزرعة كالعادة، وأنا كنت براقبه، وبرسم منظر جميل كان جنبه…
الشقرا المتطفلة كانت جوا البيت بتعمل حاجات مع مامتها…
فجأة، لقيت ناس غريبة داخلين المزرعة، وبيعدوا الممر، وبيقربوا مني…
كانوا أربع رجالة…
واحد منهم قرب مني، وسأل: “هو إنتي رضوى فهيم؟؟”
التاني قاطعه، وقال: “شفت، زي ما كنت متوقع.. دي بنت قاصر”
الراجل الأولاني قال وهو بيقرب مني أكتر: “إنتي هي؟؟”
أنا رجعت لورا، ورميت الفرشة، وعلية الألوان من إيدي، وأنا بنادي: “لييييث”
ليث كان بيشتغل، وأول ما سمع صوتي جه يجري…
أول ما بقى قدام عيني.. جريت عليه وأنا مرعوبة
“رهف.. في إيه؟”
كان بيتكلم، وباصص على الرجالة اللي واقفة…
وبعدين سألهم: “إنتوا مين؟؟”
الراجل اللي كان بيتكلم معايا قال: “أنا المحامي يوسف المهدي، ودول رجالة قانون تبعي.. جينا عشان ندور على الآنسة رضوى فهيم وحيد”
بيقول كده وهو بيبص عليا أنا…
إستخبيت بسرعة ورا ليث، وخرجت راسي عشان أشوفهم!!
الراجل كمل كلامه، وقال: “هي دي؟؟”
ليث قال: “لأ مش دي، لكن أنا ممكن أعرف إنتوا عايزين منها إيه؟؟”
الراجل قال: “هي موجودة هنا؟ مش هي دي مزرعة المرحوم فهيم وحيد؟؟”
“أيوة.. إنتوا عايزين إيه منها؟؟”
“معلش، بس أنت تبقى مين؟”
“ليث شكري.. زوج رضوى فهيم”
الرجالة كلهم فضلوا يبصوا لبعض، وبعدين الراجل اللي كان بيتكلم قال: “ممكن نتكلم مع السيدة رضوى؟؟ الموضوع مهم”
ليث قال: “طب هو أنا ممكن أعرف إيه الموضوع المهم؟؟”
“الموضوع بخصوص الورث بتاعها، لكن مش عايز أتناقش فيه من غير وجودها شخصيا، ومعاها البطاقة بتاعتها.. بعد إذنك”
ليث لف عشان يتكلم معايا…
“رهف.. لو سمحتي نادي على رضوى، وأطلبي منها تجيب معاها البطاقة بتاعتها، وهاتي بطاقتي من محفظتي، هتلاقيها في أول درج في الكومودينو اللي في أوضتي”
سمعت الأمر، وجريت بسرعة عشان أنفذه…
روحت جري لرضوى، وعرفتها الموضوع، وبعدين روحت لأوضة ليث عشان أدور على محفظته…
خرجت المحفظة من درج الكومودينو، وخرجت منها البطاقة، وفي الوقت ده لمحت حاجة جوا المحفظة أثارت فضولي!!
شوية قصاقيص ورق محطوطين جنب بعض ورا البطاقة…
خرجت واحدة منهم، وعرفت إنها جزء مقطوع من صورة!!
خرجت باقي القصاقيص واحدة ورا التانية، لغاية ما بقوا كلهم في إيدي، ولقيت فيهم واحدة موجود فيها وش شخص…
رتبت القصاقيص، وجمعتهم جنب بعض، لغاية ما بقت الصورة واضحة قدامي…
صورة لبنت صغيرة، قاعدة على الأرض، وقدامها علبة ألوان، وكراسة تلوين بتلون رسوماتها…
صورة ميقلش عمرها عن تلاتشر سنة، وكمان ميزيدش عمر البنت اللي فيها عن خمس سنين!!
دي صورتي أنا!!
“رهف”
سمعت صوت رضوى بتنده عليا، فرجعت بسرعة القصاقيص زي ما كانوا جوا المحفظة..
خدت البطاقة، وخرجت جري من الأوضة…
خرجنا مع بعض من البيت للمزرعة، ولقينا ليث والرجالة الأربعة وهم قاعدين على الكراسي بتاعة الترابيزة اللي محطوطة قريب من البيت…
أول ما وصلنا.. الكل وقف…
ليث قال وهو بيشاور على رضوى: “هي دي رضوى فهيم وحيد”
بعد ما الرجالة إتأكدوا من البطاقة، قال نفس الراجل: “يعني إنتي مطلعتيش قاصر زي ما كنا فاكرين؟؟”
رضوى قالت: “أنا عندي أربعة وعشرين سنة”
الراجل قال: “طب كويس، ده هيسهل عليكي مهمة استلامك للميراث”
رضوى، وليث بصوا على بعض باستغراب…
وبعدين رضوى قالت: “ميراث؟؟ ميراث إيه؟؟ أبويا الله يرحمه مسابلناش غير المزرعة دي”
كانت بتشاور بإيديها على اللي حواليها…
الراجل قال: “أنا مش بتكلم عن ميراث والدك الله يرحمه”
رضوى استغربت، وسألت: “أومال مين؟؟”
الراجل قال: “عمك المرحوم رائف وحيد”
بحلقنا إحنا التلاتة في وشوش بعض، وكنا في منتهى الدهشة، والإستغراب.. كان ممكن أكون أنا أقلهم إستغراب…
ليث قال: “رائف وحيد؟؟ أبو علي؟؟”
الراجل جاوب: “أيوة، أبو علي.. الله يرحمهم”
ليث، ورضوى بصوا لبعض، وبعدين للراجل الغريب…
رضوى سألت: “عمي رائف! غريبة! ده مات من سنة! هو ذكرني في الوصية بتاعته؟؟”
الراجل قال: “المرحوم مسابش وصية، وكمان مسابش وريث.. لكن ساب ثروة كبيرة”
ليث، ورضوى بحلقوا لبعض زيادة، وبعدين رضوى سألت: “ثروة؟؟”
الراجل قال: “أيوة، وليكي منها نصيب كبير”
السكوت ملى المكان شوية، وبعدين رضوى قالت: “يعني يوصل لكام مثلا؟؟”
الراجل قال بصوت إتعمد إنه يكون واضح، ورنان: “يوصل لملايين كتيرة يا سيدتي!”
رضوى تنحت، وليث، وأنا كمان، وفتحنا بقنا على الآخر من كتر الذهول…
رضوى قالت بارتباك شديد: “ملا.. ملايين.. سابها ليا أنا؟؟”
الراجل قال: “أيوة ملايين”
رضوى فضلت تهز راسها وهي مش مصدقة، وحاطة إيدها على قلبها من كتر الذهول…
الراجل قال: “واضح إنك مكنتيش تعرفي يا أستاذة رضوى، إن عمك المرحوم رائف كان غني جدا، وثري ثراء فاحش!”
كانت مفاجأة هزت كياننا كلنا…
رائف وحيد، هو أبو علي القذر الحيوان، اللي أنا قتلته بإيدي من تسع سنين…
ورائف ده كان غني جدا، وعنده فلوس، وأملاك كتير…
كان ما بين أملاكه مصنع كبير بيغطي تلتين المدينة الساحلية، وهو مصنع موصلتلوش يد الحرب.. زي ما عملت في مصانع تانية كان من ضمنهم المصنع القديم لبابا…
الحقيقة.. الحدث ده كان مزلزلنا كلنا، وإحتل تفكيرنا لأيام طويلة…
البنت الفقيرة اللي أنا ارتبطت بيها، واللي قبلت بيا على حالتي، وعيوبي، وفتحت قلبها، وبيتها، وكل حاجة تملكها عشاني…
اللي أنا كنت بفكر أنسحب تماما من حياتها عشان رهف…
بقت دلوقتي.. مالكة لثروة عظيمة!!
ياه على الأيام…
ياه على الزمن.. اللي عمال يطوحنا، ويمرجحنا إحنا، ومصيرنا يمين، وشمال.. فوق، وتحت.. ماضي، ومستقبل..!
كان لازم إنها تسافر بنفسها المدينة الساحلية عشان تخلص الإجراءات اللازمة لاستلام نصيبها العظيم من الثروة…
أنا كان لازم أرتب أموري عشان الرحلة دي.. للمدينة الساحلية.. مدينتي الأصلية.. اللي مزورتهاش من زمان…
“أنت مصدق يا ليث؟؟ أنا مش قادرة أصدق لغاية دلوقتي، كإنه حلم.. آخر حاجة كنت أتوقعها إنها تحصل في الدنيا، إن أنا أورث حاجة من ثروة عمي اللي أنا مشفتهوش في حياتي غير كام مرة عابرة!”
بتتكلم وهي مش عارفة تصدق، ولا تكذب نفسها.. عينيها بتشع فرحة، وبهجة…
قلت: “سبحان الله!”
رضوى مدت إيديها، ومسكت إيدي، وقالت: “دوس على إيدي كويس يا ليث.. خليني أحس بالوجع عشان أتأكد إنها حقيقة مش حلم”
ابتسمتلها، وقلت: “دي حقيقة مدهشة! صدقي يا رضوى! إنتي خلاص بقيتي غنية!”
رضوى بصت عليا بسعادة، وعينيها اترغرغت بالدموع، وبعدين إترمت في حضني…
“أحضني جامد يا ليث.. أنا عايزة أحس إنها حقيقة فعلا.. عايزة أحس إني مش بحلم.. عايزة أحس إني في الواقع.. عايزة أتأكد إنك معايا”
حاوطتها بدراعي عشان أشجعها، وأخليها تصدق اللي أنا نفسي مش قادر أصدقه، وفضلت أكرر: “سبحان الله.. سبحان الله!”
غمضت عيني وإحنا حاضنين بعض، وعمت في بحر الذكريات البعيدة.. بستعرض شريط حياتي، والمفاجآت اللي مخبيها القدر ليا، وصدمني بيها مرة ورا التانية…
رضوى قالت: “هنعمل إيه دلوقتي؟؟”
“معرفش! إحنا لسة في أول الطريق”
رضوى بعدت عن صدري شوية، وبصت عليا كتير، وابتسمت، وقالت: “مفيش داعي إني أقلق.. طالما أنت معايا”
ابتسلمتلها، فرجعت حطت راسها على صدري بارتياح…
لكن أنا، غمضت عيني بوجع، ومرارة.. وحيرة، وضياع…
أنا هعمل إيه دلوقتي؟؟
إيه اللي مستنيني تاني؟؟
مخبيالي إيه تاني يا أقداري؟؟
لما فتحت عيني.. لمحت عيون حمرة، ومليانين دموع، وبيبصولي بوجع.. بيطلوا عليا من فتحة الباب…
أول ما شفتهم.. صاحبتهم إنسحبت فورا، وبعدت.. وسابتني أغرق في بحر الضياع…
مقدرتش أقف في مكاني لحظة واحدة بعد كده…
بعدت رضوى عني شوية، وقلت: “خليني أروح عشان أجهز شوية حاجات.. عشان السفر، وكده”
رضوى ابتسمت، وقالت: “وأنا كمان هظبط شوية حاجات.. أنا مش عارفة هنقعد هناك قد إيه؟؟”
سيبتها، واتسحبت ناحية أوضة رهف…
خبطت عليها كتير، لكن مردتش عليا…
لما كنت خلاص همشي.. شوفت أوكرة الباب بتتحرك أخيرا…
دخلت، ولقيت رهف غرقانة في دموعها…
قلبي إتقسم نصين، وعقلي طار من خوفي عليها…
“مالك يا صغيرتي؟؟ إيه اللي حصل؟؟”
رهف بصتلى بنظرة ثاقبة.. مكفاهش إنها قطعت أحشائي، وكمان سيحت الحيطة اللي ورايا من حدتها…
“رهف!”
قالت: “هتسافروا إمتى؟؟”
قلت: “في خلال كام يوم”
قالت: “هو أنت لازم تروح؟؟”
استغربت سؤالها، وجاوبت: “أيوة طبعا، رضوى أكيد هتكون محتاجاني هناك”
قالت بنبرة مليانة حزن: “طب وأنا؟”
بصيتلها باستغراب، وقلت: “طبعا هتبقي معايا”
رهف مردتش عليا، ووطت راسها لتحت بحزن…
قربت منها أكتر، وقلت: “رهف، هو إنتي فاكرة إني ممكن أسيبك هنا، وأمشي؟”
رهف رفعت راسها، وبصتلي بصة، خلت كل قوتي تروح…
قلت بصوت ضعيف، وموجوع: “بالله عليكي يا رهف.. إنتي تقصدي إيه؟ عرفيني بلسناك.. لغة العيون دي هتوديني للجنان”
رهف قالت: “هتبقوا أغنيا!”
وبعدين كملت: “يا رب تتهنوا!”
بعد كده غطت وشها بإيديها الإتنين، وعيطت عياط مؤلم جدا…
“عشان خاطري يا رهف.. كفاية .. ليه كل ده؟ إيه اللي بيدور في راسك دلوقتي؟”
رهف قالت وهي على نفس الوضع: “سيبني لوحدي”
مرضتش، وقلت بإصرار: “مالك دلوقتي؟ عرفيني لو سمحتي؟”
رهف بعدت عني، وبصتلي بنفس النظرة، وقالت: “أنا عايزة أروح لخالتي! ممكن تاخدني لهناك؟؟”
رتبت أمورنا للسفر أنا، ورهف، ورضوى، والخالة فيردا…
عم إياس فضل في المزرعة عشان يهتم بيها، وبشلغلها هو، والناس اللي أنا عينتهم من فترة…
خطة سفرنا كانت إننا نعدي على المدينة الصناعية في الأول عشان نروح لعيلة أم صبري.. بسبب إصرار، وإلحاح رهف.. وبعدين نروح المدينة الساحلية…
كانت رضوى قاعدة جنبي في العربية، وكنا بنتكلم أنا، وهي معظم الوقت، وكان فيه صمت غريب على الكراسي اللي ورانا.. رهف، والخالة فيردا…
الخالة فيردا غلبها النوم على طول، ونامت.. أما حبيبتي الصغيرة، كنت كل ما ببص عليها في المراية، بلقيها مبحلقالي، وبتبصلي بنظرات حادة جدا…
كل ما كنت بحاول أشركها معانا في كلامنا، كانت بترد عليا رد بسيط، وقاطع لأي كلام…
المشوار للمدينة الصناعية المتدمرة مكانش طويل.. الشارع كان فاضي من أي عربيات ماشية.. دي الحاجة اللي تخلي أي حد يعدي من الطريق ده يكون خايف…
عدينا على نفس البنزينة اللي بيتنا عندها الليلة دي في الطل وإحنا متشردين، وحافيين…
محطة البنزين كانت مهجورة، والسوبر ماركت مقفول.. المكان كله ساكن، وهادي…
مكنش فيه حاجة بتتحرك غير التراب اللي بتطيره الرياح…
قد إيه كان يوم قاسي علينا..!
خففت السرعة، وفضلت أراقب كل حاجة حواليا، وشريط الذكريات كله جه في دماغي…
إحنا نجينا بأعجوبة!!
سبحان الله!!
“ليث”
ده كان صوت رهف وهي بتناديني بخوف، تقرييا برضه الذكريات وجعت قلبها…
لفيت، وبصيت عليها.. لقيتها تقريبا كانت لازقة في الكرسي بتاعي، وعلامات الخوف، والتوتر مالية وشها المدور…
قلت عشان أشجعها، وأخليها تتخطى الخوف: “الحمد لله.. نجينا”
بعد كده عومنا في بحر عميق من الهدوء المتعب…
كملنا طريقنا، والذكريات عمالة تدور في راسنا…
هنا إحنا مشينا حافيين…
هنا جرينا…
هنا وقفنا…
هنا شلت رهف…
هنا رهف وقعت…
هنا رهف إتعورت…
آه.. قد إيه الجرح ده كان بشع..!
وهنا…
هنا…
تفتكروا في إيه هنا؟؟
دي عربيتي!!
“ليث”
رهف ندهت عليا وهي بتبص على عربيتي اللي واقفة على جنب الطريق، ومعاها كذا عربية تاني واقفين في نفس المكان!
وقفت العربية، وفضلت أتفرج على عربيتي القديمة وهي واقفة هناك…
بصيت على رهف، ولقيتها بتبص عليا…
يااه على الأيام!!
يااه على الشهور!!
هي لسة عربيتي واقفة زي ما هي مستنياني أرجعلها في نفس المكان؟!
بعد ما لقيت عربيتي على الطريق، وقفت العربية وكنت قاعد بتفرج عليها…
بعد كده، فتحت الباب، وكنت عايز أنزل عشان أشوف العربية عن قرب…
“رايح فين يا ليث؟؟”
رهف سألتني، وجاوبت: “هبص عليها، وهرجع”
قبل ما ألحق أنزل، كانت رهف فتحت الباب بتاعها، ونزلت!
وقفت جنبها، وقلت: “أنا هروح أبص عليها”
“هاجي معاك”
طبعا مفيش داعي إن أنا أعترض…
روحنا عند العربية، وفتحت الأبواب اللي كانت مش مقفولة كويس، وفضلت أبص على كل حاجة جوا، ورهف كانت جنبي…
“زي ما هي.. مفيش حاجة إتغيرت أبدا.. شايفة يا رهف؟!”
معلقتش على كلامي، وفضلت تبص جوا العربية.. تقريبا بتسترجع ذكرياتها المرعبة فيها…
ركبت على الكرسي بتاع السواق، وهي جريت، وركبت على الكرسي اللي جنبي، وقفلت الباب…
“زي ما هي يا رهف.. إنتي مصدقة؟؟ سبحان الله!”
رهف قالت: “يلا بينا نرجع بالزمن لورا.. ونرجع من مكان ما جينا الليلة دي، وننسى أي حاجة حصلت من ساعتها”
“يا ريت”
اتنهدت، وكملت كلامي: “يا ريتنا بعد ما وصلنا للنقطة دي، نرجع لورا تاني، وكل حاجة ترجع زي ما كانت”
سندت راسي على مسند الكرسي، وغمضت عيني…
أنا مش عايز أرجع لورا كام شهر.. عايز أرجع تسع سنين.. لأ عشر سنين.. لأ خمستاشر سنة…
عايز أرجع لليوم اللي المخلوقة الصغيرة دي إقتحمت حياتي فيه فجأة، وملتها صريخ، وعياط، ودموع.. ووجع…
فتحت عيني، وبصيت لرهف.. لقيتها بتبص عليا بقلق…
هي دي بالظبط.. هي دي المخلوقة اللي إحتلت حياتي، والعالم بتاعي من سنين.. هي بنفسها قاعدة جنبي دلوقتي.. مش بيبعدنا عن بعض غير كام سنتي…
بتبصلي كإني أنا كل الدنيا، والناس بالنسبالها…
“رهف”
“نعم؟”
“حاسة بإيه دلوقتي؟؟”
قالت: “دلوقتي دلوقتي؟؟”
“أيوة دلوقتي!”
ابتسمت، وقالت: “مبسوطة”
غريبة أوي رهف دي.. كل حالاتها عجيبة، ومش مفهومة!!
بعد كده، قفلت أبواب العربية، وودعناها على أمل إننا نرجعلها تاني في يوم من الأيام…
كملنا المشوار بتاعنا ناحية المدينة الصناعية…
أول ماوصلنا على أولها.. لقينا مظاهر الخراب، والدمار مالي شوارعها، وبيوتها…
كنت مضطر إني أدخل في زوارق كتير عشان أوصل لنص المدينة…
المباني المهدودة.. الشجر المحروق.. الشوارع المتدمرة.. والحاجات المتبعترة هنا، وهناك…
كل دي مناظر بتزرع الرعب في قلب الصخر…
عدينا أخيرا على الشارع اللي بيودي للبيت بتاعنا.. وآه من وجع المنظر…
آه، وألف آه وآه….
بيتنا عبارة عن كتلة من الفحم الإسود.. متحاوطة بأكوام من التراب…
البيت الصغير الهادي العزيز، إتحول لشبح ميت.. مفيهوش أثر، ولا أي معالم للحياة، والروح…
“يا الله!”
رهف قالت كده، وحطت إيديها على عينيها عشان متشوفش المنظر البشع ده.. وعشان تخبي الدموع اللي نزلت من كتر حزنها على البيت، واللي كان فيه…
مقدرتش آجي لغاية هنا، وأمر مرور الكرام…
وقفت عربيتي عند الباب.. في المكان اللي أنا كنت متعود أركن عربيتي فيه…
بصيت حواليا، وحسيت بخنقة شديدة جدا في صدري.. كإن التراب، والرماد سد مجرى التنفس بتاعي، ومنع الهوا إنه يدخل جسمي…
برغم كده، مقدرتش أمنع نفسي إني أكمل…
فتحت الباب، وقلت: “أنا هبص بصة، وهرجع”
بصيت على رهف اللي قاعدة ورا، ولقيتها لسة مخبية وشها بإيديها…
قلت: “رهف.. تيجي؟؟”
كنت عايزها تيجي معايا.. أي حاجة تتحرك معايا في الهدوء اللي مالي الشبح الميت ده.. كنت عايز أحس بشوية حياة.. بشوية أمان.. كنت عايز أحس إن في حد لسة عايش.. برغم اللي مات، وبرغم اللي راح….
رضوى قالت: “أنا هاجي معاك!”
رهف بسرعة بعدت إيديها عن وشها، وفتحت الباب!!
الخالة فيردا كمان جت ورانا، ومشينا إحنا الأربعة ناحية مدخل البيت…
الأبواب كانت مفتوحة، زي ما سيبناها أنا، وليلى في اليوم اللي هربنا فيه…
مشينا وإحنا بندوس على الرماد، وبنتنفس التراب، وريحة الخراب…
الذكريات بتقرصنا.. والمناظر بتخبط في وشنا.. وموطيين ظهورنا المتحسرة على اللي كان، ومرجعش زي زمان…
رهف مسكت إيدي، وكل ما كنا بنقدم خطوة، كانت بتدوس على إيدي زيادة من كتر التوتر…
كل ما كنا بنشوف حاجة، كانت بتغمض عينيها جامد، وبتعصر الدموع المتجمعة فيهم…
لغاية ما وصلنا للطرقة اللي كانت بتودي على أوضة بابا، وماما…
حررت إيدي من إيديها، وجريت بسرعة ناحية الباب، وفتحته باندفاع…
“ماما.. بابا”
وقتها بس أدركت أنا قد إيه كنت مجنون لما سمحت للفضول إنه يتغلب عليا، ودخلت البيت…
رهف جريت جوا الأوضة وهي بتنادي: “ماما.. بابا”
انهارت على السرير، وحضنت المخدة وهي بتعيط بحرقة، ومرارة.. عياط عالي شق الحجر، و كسر الحيطان.. وزلزل الأرض من قوته…
“أنا مستنياكوا.. إنتوا ليه مرجعتوش؟؟ حج إيه ده اللي مش بيرجعوا الحجاج منه.. من بيت الله.. الله.. يا الله.. أنت شايف بيتي دلوقتي.. أنت رب البيت، وأنا مفيش بيت ليا.. وأنت رب الناس، وأنا مفيش ناس ليا.. كل الأمهات، والأبهات راحوا ليك، وأنا معنديش أب، ولا أم.. يا رب.. أنا معنديش أب، ولا أم.. يتمتني مرتين يا رب.. مرتين فقدت فيهم أغلى ما وهبتني.. لأ أربع مرات.. أمين، وأبين.. وأربع أيتام في بيت خراب، ومحروق!”
إزاي أنا ليث هقدر أتحمل الكلام ده.. ومن رهف كمان!؟
انهرت في العياط معاها من غير ما أحس.. أنهي شعور، وأنهي أعصاب اللي هتفضل للإنسان وهو شايف اللي إحنا شايفينه ده؟!
حسبنا الله ونعم الوكيل…
من مخدة لمخدة.. ومن زاوية لزاوية، ومن حاجة لحاجة…
فضلت صغيريتي تتنقل بينهم وهي بتنادي: “ماما.. بابا”
كانت بتدور في العفش، والدواليب المتكسرة، وتخرج بواقي الهدوم بتاعتهم، وتحضنها وتعيط…
كانت بتصرخ.. وأنا قلبي يصرخ.. كانت بتتقطع.. وأنا قلبي يتقطع.. وبتنهار.. وأنا قلبي بينهار معاها.. وأي إنهيار…
“كفاية يا رهف.. يالله عليكي.. خلينا نمشي من هنا عشان خاطري”
رهف رفضت إنها تتحرك، وفضلت ماسكة حتى في بواقي الستاير، وشباك الأوضة…
رضوى، والخالة فيردا عيطوا على عياط رهف، ووقفوا برا الأوضة بحزن على اللي حل علينا، وعلى بيتنا، وعلى أعز الناس لينا…
رهف جريت فجأة على الأدراج الموجودة تحت المراية بتاعة التسريحة، وفضلت تفتح درج ورا التاني…
خرجت كل اللي فضل من حاجات أمي، وفضلت تحضن، وتبوس فيهم، وتشيلهم في شنطتها…
“ماما كانت بتقعد هنا كل يوم عشان تسرح شعرها”
“ليث بص، دي إسورة ماما المفضلة”
“ليث أنت فاكر إنها ممكن تزعل لو إحتفظت بيهم؟؟”
“أنا عايزة آخد ده معايا.. وده، وده، وده، وده”
“ليث، أنا مش عايزة أخرج من هنا! يا ريتني كنت هنا، واتحرقت قبل ما يموتوا هم!”
مرة تاني سمعتها وهي بتدعي على نفسها بالموت…
قلتلها وأنا بترجاها: “كفاية يا رهف.. يلا بينا نمشي من المكان ده عشان خاطري.. أنا مش متحمل أكتر من كده”
قربت منها، ومسكت دراعها، وشديتها غصب عنها عشان تخرج من الأوضة.. برغم مقاومتها ليا…
رهف كانت بتعيط عياط جامد، وكملت في النوبة دي وإحنا واقفين على باب الأوضة…
مكانتش راضية تتزحزح بعيد عنه خطوة واحدة…
“رهف.. صغيرتي…”
ندهت عليها بأتعس صوت خرج من حنجرتي…
بصتلي، وقالت بحزن: “مين اللي فضلي بعدهم؟؟ مين فضلي؟”
قلت: “أنا يا رهف.. ليكي، ومعاكي دايما.. أنا يا رهف.. أنا”
رهف بصت عليا بصة حزينة جدا، وقاتلة، وكانت شفافيفها بتترعش من كتر العياط، والدموع…
“رهف…”
“ليث.. أحضني”
وقفت زي العبيط.. مش عارف أفهم، ولا أتصرف، ولا أتكلم…
قالت، وشفايفها لسة بتترعش: “أحضني.. مش أنت أبويا، وأمي دلوقتي؟؟ مش أنت اللي فضلت ليا؟؟”
لحظتها اتمنيت إن أنا أتحول لحيطة.. تنفع أكتر مني…
زي أي حيطة حضنتها، ومسكت فيها.. برغم إنها جماد، ومفيهاش روح.. لكن هتحسسها بالدفء أكتر مني…
لكن أنا.. أنا واقف قدامها زي الشبح الميت.. زيي زي البيت اللي إحنا فيه اللي مش نافع لأي حاجة…
معملتش حاجة غير إني وطيت راسي لتحت وأنا عاجز إني أعمل أي حاجة تنفع، وتحسس بالدفى أكتر من الحيطان…
عمري ما هسامح نفسي طول ما أنا عايش على إني خذلت صغيرتي في لحظة زي دي…
بعد كده، وبرغم إني كنت مصر إني أمشي فورا.. لكن رهف أصرت إنها تدخل أوضتها، وتشوف حاجتها…
السرير كان محروق، ولسة لغاية دلوقتي بشكر ربنا ألف مرة إنها كانت بايتة عند خالتها اليوم ده…
ألف حمد، وشكر ليك يا رب…
العفش زي ما هو في مكانه، لكن لونه إتحول للون إسود متفحم، ومتغطي بالتراب، وفتافيت الحاجات المحروقة…
مكنتش عايزة أدخل الأوضة، وقفت عن الباب أراقب رهف وهي بتحسس على حاجاتها المحروقة…
لغاية ما راحت عند مجموعة اللوح الكبيرة بتاعتها…
فضلت تقلب فيهم بحزن، وبتقول: “لأ.. لأ.. لأ”
وبعدين بصت عليا، وقالت: “ليث.. دي اتحرقت”
فضلت تحضن في الرماد، وبواقي اللوح…
ساعتها قررت إني أدخل أخيرا…
لما بقيت جنبها بالظبط، قالت وهي عمالة تبعتر في التراب اللي حواليها: “بص.. حتى الصورة اتحرقت.. ليه؟؟ يا ربي أنا إيه اللي باقيلى؟؟ إيه اللي باقيلي؟؟”
“خلونا نمشي من المكان هنا، ونختصر الوجع ده كله، لو سمحتوا”
ده كان صوت رضوى اللي كانت واقفة عند الباب…
رهف قالت: “إمشوا، وسيبوني.. أنا عايزة أموت هنا.. أنا ليه عشت، وهما ماتوا؟؟ حتى الصورة اتحرقت.. أنا إيه اللي فاضلي؟؟”
رضوى جت ناحيتنا، ومسكت إيد رهف، وكانت بتحاول تواسيها، وتهديها…
لكن رهف زقت إيديها جامد، وقالتلها شوية كلام جارح.. ممكن من كتر الحزن اللي هي فيه…
رهف مسمحتلناش إننا نسيب البيت غير لما فحصته أوضة أوضة، وطرقة طرقة، وزاوية زاوية…
حتى المطبخ، قعدت فيه فترة طويلة بتسترجع الذكريات، وبتردد: “ماما كانت بتطبخ الأكل هنا.. وبابا كان بيكتب الملاحظات بتاعته هنا.. وهنا كانت ليلى بتزين كيكة الشوكولاتة بتاعتها..
آسر واقف هناك، بيتكلم في التليفون.. وعلى الترابيزة دي.. كنت بقعد أنا أقشر البطاطس..
يا ريت كل ده يرجع تاني..
حتى لو يوم واحد بس!
أعيش فيه في وسط عليتي.. وسط أبويا، وأمي، وأختي، وأخويا..
يوم واحد بس..
حتى لو هيكون آخر يوم في حياتي”
لكن ده هيكون آخر يوم في حياتي أنا، لو مبطلتيش اللي إنتي بتعمليه ده يا رهف.. إرحميني…
رهف خدت معاها تذكار من كل مكان، ومن كل شخص.. حتى آسر…
كمان خدت معاها الإكسسوارات بتاعتها، وبتاعة ليلى، واللي فضل من فستان الفرح بتاع ليلى المحروق كمان…
“أنا هديه لأختي لما ترجع.. كانت متجننة بيه، وبتعتبره كنزها الغالي! مسكينة يا ليلى”
خرجنا من البيت المتحطم ده وإحنا ماليينه كآبة، وحزن، ودموع…
أنا معشتش في البيت ده غير فترة بسيطة جدا، ومش معايا منه غير شوية ذكريات، وقربت أسيح من كتر الحزن…
ما بالك رهف؟!
بعدنا عنه، وقلوبنا متعلقة عنده، وعنينا ماسكة فيه لغاية آخر لحظة، وخدنا معانا كل اللي لاقيناه.. سواء سليم، أو محروق…
سيول الدموع موقفتش لغاية ما وصلنا لبيت أبو صبري…
لقيناه هو كمان محروق، بس بشكل أقل من بيتنا المتدمر…
أول ما خبطنا على الباب.. إتفتح، وظهر من وراه أفراد العيلة كلهم…
هم كانوا مستنيينا من ساعات طويلة…
أول ما رهف شافت خالتها صرخت، واترمت في حضنها بمرارة…
اللقاء ده كان من أقسى اللقاءات اللي أنا شوفتها في حياتي…
ما عدا لقائي بأمي، وأبويا، وعيلتي بعد ما خرجت من السجن…
طبعا مع الفرق إني مكنتش لاقي أهلي بعد ما خرجت من السجن مباشرة، عشان أترمي في حضنهم، وأعيط…
استهلكنا كمية دموع كبيرة جدا، لغاية ما كان هيجيلنا جفاف…
رهف طلعت بعد كده مع بنت خالتها للدور اللي فوق…
باقي الستات راحوا للأوضة التانية.. وفضلنا إحنا الرجالة مع بعض، بنتشارك في همومنا، وفي عزانا، وفي أوجاعنا…
قبل ما الليل يليل، كنت عايز آخد عيلتي، ونروح أي فندق عشان نقضي فيه الليلة قبل ما نكمل مشوارنا بكرا…
مع إني مش واثق إني ممكن ألاقي مكان مناسب…
طلبت من صبري إنه ينادي عليهم هم التلاتة…
صبري راح، ورجع بعد شوية مع أمه، ورضوى، وأمها…
سألت عن رهف، فقالتلي أم صبري إنها بعتت بنتها الصغيرة عشان تناديها من أوضة نهال…
شوية صغيرين، ولقينا وسام جاية ناحيتنا، وبتقول: “رهف بتقول إنها هتفضل معانا، ومش هتمشي مع ليث، و البنت الشقرا المتطفلة هي، وأمها”
كلنا بصينا لبعض باستغراب، وبحلقنا في البنت الصغيرة…
بعد كده أمها سألتها: “وسام! هو ده اللي هي قالته؟؟ هي طلبت منك تنقليلنا الكلام ده؟؟”
في اللحظة دي جت الآنسة نهال، وبصت على أختها بغضب، وبعدين بصت علينا، وعلى رضوى، وقالت: “رهف هتبات معايا الليلة دي”
إتضايقت جدا من الموضوع ده، وقلت: “هي فين؟ أنا عايز أتكلم معاها، ممكن تندهي عليها؟”
قالت: “هي مش عايزة تخرج دلوقتي”
إتضايقت أكتر، وقلت: “معلش لو سمحتي.. ممكن تناديها…؟؟”
ملحقتش أخلص الجملة، ولقيت البنت الصغيرة طارت عشان تروح لرهف، وتنادي عليها…
ثواني، ورجعت وهي بتقول: “مش هتروح معاك، إمشي، وسيبها في حالها”
قالت الآنسة نهال: “وسام! إتنيلي أسكتي! متتدخليش، وملكيش دعوة.. خليكي في حالك”
قلت لوسام: “إنتي قلتيلها إن أنا عايز أتكلم معاها؟؟”
وسام ابتسمت، وقالت: “أيوة.. وبتقول إنها مش عايزة تتكلم معاك، وأنا لازم أعرفكوا إنها مش هتروح معاكوا.. فإمشوا بقى”
أم صبري راحت دلوقتي لأوضة بنتها، ورجعت بعد شوية وهي بتقول: “خليها تنام هنا الليلة دي.. هي في حالة وحشة”
عبارة (حالة وحشة) دايقتني، وقلقتني أكتر…
“عشان خاطري يا سيدتي.. هاتيها عشان أتكلم معاها دلوقتي”
أول ما خلصت الجملة، لقيت رهف ظهرت قدامي، وقالت: “أنا هفضل هنا في بيت خالتي.. مش همشي معاكوا”
خفت جدا، وقلت: “تقصدي الليلة؟؟”
قالت: “لأ، كل ليلة.. أنا هعيش هنا بقية حياتي”
بصيت ليها، ولكل اللي قاعدين حواليا وأنا مش مستوعب…
قلتلها: “تقصدي إيه يا رهف؟؟ مش هينفع تعملي كده”
قالت بنبرة كلها تحدي: “لأ.. هينفع”
“رهف.. مستحيل”
قالت بتحدي أكبر: “لأ يا ليث.. أنا هفضل قاعدة هنا.. مع عيلتي الحقيقية.. وإمشي أنت مع عيلتك الجديدة.. يلا في أمان الله”
عشان أنا كنت عايزة أبعد عنه، وعن رضوى اللي بتقرب منه أكتر يوم بعد يوم، ولإن بقى عندي إحباط شديد جدا بعد نزول الثروة العظيمة دي على رضوى، وتعلقها أكتر بليث.. رفضت إني أكمل سفري معاه، وأقعد عند خالتي…
مبقتش قادرة أتحمل أكتر من كده…
اللي بيدق جوايا ده قلب، مش ماتور عربية!!
مش متحملة أشوف رضوى وهي معاه.. بتخنق كل ما عيني بتلمحها…
نفسي رضوى تتحول لشوية شخابيط بالقلم الرصاص على أي لوحة من اللوح بتاعتي.. عشان أمسحها من الوجود تماما بأستيكة فتاكة…
ليث، ورضوى، وأمها، وأفراد عيلة خالتي، كانوا كلهم واقفين بيتفرجوا عليا وأنا عمالة أقول: “أنا هفضل هنا باقي عمري”
ليث كان واقف ساكت في الأول.. السكوت اللازم لاستيعاب الموقف…
وبعدين قال: “مستحيل ده يحصل”
بقينا عمالين نشد أنا، وهو في الكلام…
خالتوا إتدخلت هي، وصبري، ونهال، وكانوا واقفين في صفي، وبيطلبوا من ليث إنه يسيبني معاهم…
لكن ليث قال: “يلا يا رهف، أنا تعبان بما فيه الكفاية، وعايز أرتاح”
بدأت عيني تدمع قدامهم كلهم، وقرايبي رقت قلوبهم ليا، وبقى عندهم شكوك إن أنا مش مرتاحة مع ليث، أو إن هو بيعاملني بطريقة وحشة…
خالتو قالت: “سيبها تبات معانا النهاردة على الأقل، وبكرا نتناقش في الموضوع”
ليث قال: “بعد إذنك يا خالتو أم صبري.. ده موضوع منتهي، ومفيهوش نقاش”
خالتو قالت: “بس هي مش عايزة تمشي من هنا، أنت هتاخدها غصب عنها يعني؟”
ليث قال: “أيوة، لو اضطريت إني أعمل كده، فأكيد هعمل كده”
الجملة دي رنت في ودان كل اللي موجودين، وخرستهم.. وقلقتهم في نفس الوقت…
حتى أنا دموعي وقفت، وبحلقت فيه بدهشة كبيرة…
ياخدني معاه غصب عني؟؟
يمسكني من إيدي جامد، ويشدني بقوة، أو يشيلني على دراعه، ويحبسني معاه في العربية؟!
فكرة تضحك، وكلها إثارة!!
لكن.. إيه السخافة اللي أنا فيها دي.. إزاي الفكرة الغبية دي تدخل دماغي في وقت زي ده؟؟
صبري قال بانفعال: “تقصد إيه؟؟ أنت إزاي تتجرأ إنك تقول حاجة زي دي؟؟ رهف هتفضل هنا”
ليث بصله بنظرة غامضة، وقال: “يا ريت متتدخلش أنت”
صبري قال باستياء: “إزاي يعني متدخلش؟ أنت نسيت إنها بنت خالتي؟ إحنا أولى بيها، وبرعايتها أكتر منك، أمي لسة عايشة، ربنا يبارك في عمرها”
أبو صبري إتدخل، وقال: “مش وقته الكلام في الموضوع ده”
صبري بص عليه، وقال: “لأ، ده وقته يا بابا.. كان المفروض إنها تيجي هنا من شهور، لولا الحظر اللي كان بيعيق تحركاتنا”
ليث صبره نفذ، وقال بعصبية: “أنت بقى متخيل إني هسمح بكده؟؟”
صبري قال بأسلوب حاد: “الموضوع مش إنك تقبل ولا متقبلش.. ده اللي لازم يحصل سواء أنت عايز أو مش عايز.. وكمان دي رغبة رهف”
بعد ما قال كده بصلي عشان أأكد كلامه، وبعدين بص على كل اللي موجودين…
قلت بنبرة تحدي: “أيوة.. أنا عايزة أعيش هنا مع خالتي”
وش ليث إتحول لكورة من النار.. العروق اللي كانت على قورته، ورقبته كانت وارمة جدا، لدرجة تخلي أي خد يشوفها يبقى عارف إنها هتنفجر.. حالا!!
عينه كانت بتطلع حمم بركانية!!
يا إلهي!!
قد إيه هو مرعب!!
أنا قرب شعر راسي يقف، ويعدي من الحجاب اللي على دماغي!!
قال بصوت مرعب: “وأنا بقى مش همشي من المكان ده خطوة واحدة، غير وإنتي معايا”
في لحظة حاسمة، ومرعبة زي دي، يطلع تعليق غبي من بنت خالتي الصغيرة وهي بتقول: “يبقى.. بات معانا هنا!”
كلنا بصينا على وسام بنظرة ضيق، وبعدها نظرة تفكير، وبعدين نظرة استحسان لكلامها!!
خالتو قالت: “دي فكرة كويسة جدا، ليه متقضوش الليلة دي معانا؟؟”
ليث إعترض بسرعة، ورضوى كمان…
بعد نقاش قصير، ليث بص عليا، وقال: “الليلة دي بس”
كلامه ده بيبن إنه موافق على البيات في بيت خالتي.. ومصر إنه مش هيخرج من باب البيت إلا وأنا معاه!!
ياه على ليث ده!!
هو فاكر نفسه مين؟؟
أبويا؟؟
أمي؟؟
خطيبي؟؟
لو كان كده مكنش هيسيبني وأنا غرقانة في وسط الدموع بتاعتي في بيتنا المحروق، ومحتاجة لحضن يضمني، وإيد تطبطب على كتفي.. مكنش هيفضل واقف زي الجبل الجليدي بيتفرج عليا كده…
طلعت مع نهال على أوضتها، وقعدنا نتكلم كتير…
خرجتلها كل حاجة كنت كتماها جوا صدري طول الشهور اللي فاتت.. لغاية ما دماغها تقلت، ونامت، وسابتني وأنا غرقانة في وسط التفكير بتاعي…
الكل ناموا زيها من كتر التعب، والوقت عدي، وأنا عاجزة تماما عن النوم…
ليث عمال يلعب فوق جفوني.. عشان كده قمت من على السرير، وروحت للدور اللي تحت عشان أدور عليه..!
كنت عارفة إن أنا مش هعرف أنام، ولا هيهدالي بال، غير لما أشوفه…
لمحته قاعد في نفس المكان اللي كان قاعد فيه لما كنا بنتخانق، وباين عليه إنه عايم في التفكير العميق…
اتسحبت لورا بحذر.. مكنتش عايزاه يحس بيا، ولا عايزة أظهر قدامه.. ظهوري هيفتح باب الخناق تاني.. كفاية كده….
لكن.. بعد ما شوفته، خلاص هقدر أنام وأنا عيني شبعانة…
نوم سعيد يا ليث عمري…
الجملة دي بقولها كل يوم قبل ما أنام لصورة ليث اللي محفورة على جفني، واللي أنا عاجزة إني أشيلها، حتى لو شيلت جفوني، وعيوني من جدورها…
………………
وافقت بالعافية إني أبات الليلة دي في بيت أبو صبري، ومنمتش غير ساعتين بس، بسبب التفكير اللي كان داير في دماغي طول الوقت…
هيحصل إيه لو صغيرتي قررت إنها تفضل هنا؟؟
هي فاكرة إن أنا ممكن أسمح بحاجة زي كده؟؟
إطلاقا يا رهف.. مستحيل…
ده لو كان آخر حاجة هعملها في حياتي، فأنا مش هسيبك هنا، ومش هسمحلك تبعدي عني…
مهما بعدتي، ومهما طيرتي، ومهما حصل، ومهما هيحصل.. فإنتي بتاعتي أنا…
فطرنا في وقت متأخر، على ما كل الناس صحيت…
الرجالة في مكان، والستات في مكان تاني…
أول ما خلصنا، أم صبري طلبت إنها تتكلم معايا شوية…
قعدت أنا، وهي، وبنتها الصغيرة في أوضة المجلس…
كنت عارف طبعا من قبلها الكلام هيدور على إيه؟
“ليث يا إبني.. التجارب اللي رهف مرت بيها تجارب مش قليلة.. بيتها إتحرق، واتشردت، وبعدين باباها، ومامتها ماتوا، وإنفصلت عن خطيبها، وعاشت في مكان غريب، ومع ناس غريبة.. ده كتير أوي على بنت صغيرة يا إبني”
فضلت ساكت ومستنيها تكمل كلامها…
“هيبقى غلط جدا لو فضلت عايشة هناك.. هي محتاجة لرعاية من أب، وأم.. عشان كده لازم تعيش معانا”
هزيت راسي باعتراض فورا، فقالت أم صبري: “طب ليه لأ؟؟”
“مش هقدر أسيبها هنا”
“لكن ليه.. هنا المكان الطبيعي اللي المفروض إنها تكون فيه بعد ما فقدت أبوها، وأمها.. المفروض إنها تعيش مع خالتها، وعيلة خالتها اللي بتحبهم، واتربت في وسطهم من وهي صغيرة”
قلت باستنكار: “مش هينفع اللي إنتي بتقوليه ده يا خالتو أم صبري.. الكلام خلصان”
أم صبري إتضايقت، وقالت: “ليه؟؟ أنت كده شايف إن قراراتك دي سليمة يعني؟؟ يعني هي ينفع إنها تعيش معاك أنت؟؟ مع إبن عمها الغريب عليها، ومراته، وأمها الأجانب.. وتسيب خالتها، وبنات خالتها؟!”
وقفت وأنا محروق دمي من كلامها جدا.. هي إزاي بتقول عليا إني غريب عن رهف؟!
“أنا إبن عمها، مش راجل غريب عنها”
“يعني إيه إبن عمها؟ لو كان آسر الموضوع كان هيبقى مختلف.. ده كمان حتى آسر مش هينفع تعيش معاه بعد ما سابوا بعض.. أنت مش محرم ليها يا ليث”
الجملة إستفزتني، وقلت بغضب: “ولا صبري، ولا أبوه كمان”
أم صبري إبتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت: “لكن أنا موجودة”
“حتى لو.. رضوى، وأمها موجودين هناك.. هي مش لوحدها معايا”
“مفيش وجه مقارنة يا إبني.. دول ناس غريبة عنها، وأنا خالتها.. يعني أمها”
صبري نفذ، وقلت: “بس إنتي برضه مش محرم ليها هنا.. وجودك إنتي، وبناتك مش هيغير حاجة في الموضوع”
أم صبري سكتت شوية، وقالت: “لو كانت دي المشكلة، فحلها موجود، حتى لو كان سابق لأوانه”
الجملة دي دقت جرس الخطر في راسي، فقلت بالراحة: “إنتي.. تقصدي إيه؟؟”
أم صبري قالت: “هو كان بيحلم إنه يتجوزها من سنين طويلة.. لو هي وافقت على كده.. هيبقى صبري، ورهف زوجين عايشين مع بعض تحت سقف واحد”
كنت متوقع إنها هتقول كده.. وخايف منه…
اتوترت، وتعابير وشي كلها إتغيرت، ولفيت فورا عشان أسيب الأوضة…
أول ما وصلت عند الباب، سمعتها بتنادي: “ليث.. على فين؟؟”
بصيت عليها وهي النار طالعة من عيني، وصدري.. مكنتش عايز أفقد أعصابي ساعتها، وكمان قدام أم صبري…
لكن أنا مقدرتش، ولقيت نفسي بصرخ: “هاخدها، وهمشي فورا”
كملت طريقي من غير ما أرد عليها وهي عمالة تنادي عليا…
لقيت قدامي صبري واقف، وكان قريب مني.. مستني نتيجة اللقاء الجميل اللي بيني، وبين أمه…
لما شافني بحالة تبين لأي حد شدة عصبيتي، وإنفعالي، وشاف أمه جاية بتجري ورايا، ويتناديني، سأل بقلق: “إيه اللي حصل؟؟”
محدش فينا رد عليه…
الرد اللي كان عندي، كان عبارة عن بونية شديدة قربت تطلع من إيدي غصب عني، وتروح على وشه.. وأنا كبتها غصب عشان مزودش الطين بلة…
بصيت ساعتها على وسام الصغيرة، وطلبت منها تروح تنده بسرعة على رهف، ورضوى، والخالة فيردا…
“عرفيهم إننا هنمشي دلوقتي”
البنت جريت على المكان اللي كانوا قاعدين فيه.. في أوضة من الأوض…
أم صبري قالت: “ليث.. الله يهديك يا إبني.. أنت بتعمل إيه؟؟”
جاوبت بخنقة: “ماشي مع عيلتي.. شكرا ليكم على إستضافتكم، وجزاكم الله كل خير”
صبري قال لأمه: “إنتي قلتيله؟”
ردت: “أيوة.. لكن…”
قطعت كلامها، وبصت عليا…
لقيت صبري هو اللي بيقلي: “هي ماما قالتلك عني أنا، ورهف؟”
إكتفيت ساعتها بنظرة ثاقبة خرمت بيها عينه…
كان متردد إنه يتكلم، لكن لقيته بيقول: “من زمان كنت بفكر في…”
لقيت نفسي بصرخ في وشه: “متفكرش في أي حاجة، وخليك زي ما أنت”
الإتنين فضلوا يبصوا لبعض وهم متعجبين…
صبري قال: “خلي رهف معايا.. أنا عايز أتجوزها في أسرع وقت، وبما أنك هنا.. فإحنا ممكن…”
المرة دي بقى مقدرتش أتحمل، ولقيت نفسي بأسرع ما يمكن، وبعد ما أعصابي تلفت تماما، بفجر البونية المدفونة في إيدي ناحية وش صبري بعنف، وقسوة شديدة…
تقريبا الصدمة من اللي أنا عملته فاجأت صبري أكتر من الضربة نفسها…
فضل واقف متسمر في مكانه، ومبحلق فيا بذهول…
أنا ساعتها كنت لسة حاسس بشحنة في إيدي محتاجة للتفريغ…
يا ريتني فرغتها ساعتها في أي حاجة.. صبري.. الحيطة.. الأرض.. الشجر.. الحديد.. ولا إني أكبتها بالمنظر ده.. وتبقى مستنية إنها تطلع تاني على أي حد…
وسام رجعت، ومعاها رضوى، وأمها…
فضلت أبص عليهم هم التلاتة، وملحقتش أسأل، ولقيت وسام بتقول: “رهف بتقول إمشوا.. هي مش هتيجي معاكوا أبدا”
رضوى دلوقتي قالت: “هي مصرة إنها تفضل هنا، وأنا حاسة إنها سعيدة مع خالتها، وبنات خالتها”
بعد كده بصت على أمها، وقالت: “مش كده يا ماما ولا إيه؟؟”
خالتي فيردا قالت: “أيوة صح، دي مسكينة، ومرت بظروف صعبة جدا، ليه متسيبهاش هنا شوية يا ليث؟”
لغاية هنا بقى، والبركان طلع…
كل اللي حواليا واقفين في صفها ضدي.. الكل عايزني أسيب رهف، وشايفين إن ده هيكون التصرف السليم…
ممكن يكون كده فعلا، وممكن يخرج من أي إنسان عاقل…
لكن أنا.. في اللحظة دي مجنون.. ولما الموضوع يكون متعلق برهف.. فأنا بكون أجن المجانين…
سألت وسام: “هي فين؟؟”
شاورت على الأوضة اللي كانوا الستات قاعدين فيها…
قلت: “أنا ممكن أدخل؟؟”
وسام بصتلي بهبل، ومكنتش عارفة ترد…
بعدت عيني عنها، وبصيت على رضوى، وكررت السؤال ليها: “أنا ممكن أدخل؟؟”
رضوى قالت: “آه”
مشيت ناحية الأوضة وأنا بنادي بصوت واضح، ومسموع: “رهف.. رهف”
عشان أنبهها هي، وبنت خالتها إني جاي…
خبطت على الباب، وبعدين فتحته بنفسي وأنا عمال أنادي…
الكل جه ورايا، وفضلوا يبصوا عليا بصات مختلفة.. مش فارقة معايا، ومش هيفرق معاكوا إني أوصفهالكوا هنا…
لقيت صغيرتي واقفة، وجنبها بنت خالتها، وباين على وشهم القلق، والتوتر…
“رهف.. يلا بينا”
رهف هزت راسها باعتراض…
إتكلمت بصوت خشن، وقوي أكتر من الأول، وقلت: “رهف.. بقول يلا بينا.. هنمشي دلوقتي حالا”
رهف قالت: “أنا مش هروح معاكوا.. إمشوا، وسيبوني في حالي”
رفعت صوتي أكتر، وإتكلمت بلهجة الإنذار الأخير: “رهف.. بقول يلا بينا.. عشان الوقت عدى، ولازم نمشي.. وأنا مش هخرج من هنا غير وإنتي معايا”
رهف قالت بتحدي: “مش همشي”
في اللحظة دي، إستخدمت بواقي الشحنة اللي كانت مكبوتة في إيدي.. اللي أنا قلتلكوا عليها.. طلعت على حبيبة قلبي.. رهف…
جريت عليها، ومسكت دراعها بعنف، وشديتها غصب عنها، وأجبرتها إنها تمشي ناحية الباب…
كل اللي حواليا كانوا مستنكرين، ومتضايقين من اللي أنا بعمله…
لكن أنا بعدت كل اللي حاول يعترض طريقي، وزقيت صبري زقة جامدة، وخبطته في الحيطة…
أم صبري حاولت توقفني، ووقفت في وشي، وفضلت تصرخ…
أنا عديت من جنبها، ورهف كانت بتمد إيديها، وبتمسك في خالتها، وبنت خالتها، والحيطة، وأي حاجة بتقابلها…
لكن أنا فضلت أسحب فيها بكل قوتي…
رضوى، ومامتها كانوا بيحاولوا يوقفوني عن اللي أنا بعمله.. لكن خدوا نصيبهم مني بشخطة قوية جدا في وشهم، خليتهم عاجزين عن النطق…
خرجت وأنا في إيدي رهف، وروحت ناحية مدخل الباب.. صبري، والباقي جم ورايا…
حذرت صبري، وقلتله: “إبعد عن طريقى أحسنلك.. عشان جسمك ميتكسرش دلوقتي”
“أنت فاكر نفسك مين؟ إبعد عن بنت خالتي، وإلا…”
خرجت مفتاح العربية، وفتحت الباب اللي جنب كرسي السواق، ودخلت رهف غصب عنها جوا العربية، وقفلت الباب بعد كده…
دلوقتي.. أنا لازم أعرف صبري درس.. عشان يعرف جزاء اللي يفكر يقرب من حبيبتي، ولا يخطبها…
كنت ناوي أموته من كتر الضرب، لكن كل اللي حواليا إتدخلوا، ومعرفتش أضربه غير كام ضربة لا تسمن، ولا تغني من جوع، ولا تهدي البركان اللي قايم جوايا…
في وسط المعمعة، والبلبلة، والصريخ، واستغاثة رهف، وضربها على الإزاز عشان يجي حد ينزلها من العربية، والفوضى اللي مالية المكان.. أنا بصيت على رضوى، والخالة فيردا، وقلت: “مستنيين إيه؟؟ يلا إركبوا العربية دلوقتي”
روحت ناحية العربية فورا، وركبتها، وفتحت القفل اللي كنت قافله عشان رهف، وخليتهم يركبوا، وقفلت العربية تاني، وطرت بسرعة جدا…
مشينا مسافة طويلة والدنيا حوالينا ساكتة تماما، ومفيش حد فينا قادر يتكلم…
مفيش حاجة كانت بتكسر السكوت، غير صوت ماتور العربية، وصوت الهوا اللي داخل من فتحة الإزاز الصغيرة بتاعتي، وصوت عياط رهف اللي موقفش لغاية دلوقتي…
مفيش حد إتجرأ إنه ينطق بكلمة واحدة.. كنا كلنا في حالة ذهول من اللي حصل…
عمري ما كنت متخيل إن أنا ممكن أقسى على صغيرتي بالشكل ده…
لكن جن جناني لمجرد التفكير في إنها هتفضل مع صبري، أو هتكون ليه…
حتى لو كان آخر حاجة هعملها في حياتي، فأنا مش هسمح لحد إنه ياخد رهف مني مهما كان…
مهما كانت الظروف.. مصيرك يا رهف.. ليا أنا.. أنا وبس…
“إنتي متعبتيش من كتر العياط؟؟ يلا بقى كفاية كده.. مفيش فايدة من هدر الدموع على الفاضي…”
قلت الكلام ده بأسلوب ناشف، خلى رضوى تمد إيديها من ورا ضهري، وتخبطني على كتفي عشان أسكت، وأسيب رهف في حالها…
سكت شوية كتير، بعد كده مبقتش قادر أركز في السواقة وأنا شايف رهف مقطعة نفسها من العياط جنبي…
وقفت العربية على جنب، وبصيتلها…
كانت ساندة راسها على الشباك في وضع ترق ليه القلوب الجبارة.. فما بالك بقلبي أنا.. ليث؟؟
“صغيرتي”
بصتلي بنظرة إحباط، وخيبة أمل كبيرة.. لدرجة إني كنت هدور العربية، وأرجع مكان ما جيت، وأوديها لبيت خالتها تاني…
لكن إتمالكت نفسي بصعوبة جدا…
“رهف.. أنا آسف”
مديتش للجملة بتاعتي أي أهمية، وفضلت زي ما هي على الوضع اللي هي فيه…
“عشان خاطري يا رهف.. قدري موقفي.. مش هقدر أسيبك في مدينة، وأسافر أنا لمدينة تانية بعيد عنك.. إنتي تحت مسؤوليتي، ورعايتي، ومش هينفع أسيبك تبعدي عني ليلة واحدة”
مكنتش لاقي منها أي تجاوب معايا…
بعد تردد كبير، مديت إيدي، ومسكت إيديها…
سحبت إيديها مني بقوة، وعنف، وقالت بكل غضب: “سيبني…”
قلت: “أنا مقدرش أسيبك في أي مكان”
رهف ردت عليا بانفعال: “وأنا مش عايزة آجي معاك! هو بالغصب يعني، ولا أي تحكم وخلاص؟ أنا مش عايزة أسافر معاك.. رجعني عند خالتي.. رجعني عند خالتي بقلك”
بعد كده فتحت في عياط جامد…
أنا قلت: “هنرجع نزورها تاني بعد ما نخلص المهمة اللي ورانا، وهنفضل هناك زي ما إنتي عايزة.. لغاية ما تزهقي”
رهف صرخت: “أنا عايزة أفضل عايشة معاهم طول عمري.. أنت مش فاهم ده؟”
إتضايقت، وولعت من الجملة دي، ومسكت إيديها تاني، ودوست عليها جامد…
قلت بحدة وأنا بجز على سناني، كإني بقطع الحقيقة اللي أنا مش راضي أصدقها: “أنا مش هسيبلك الفرصة عشام تعملي اللي بيدور في دماغك.. أقسم بالله يا رهف.. أقسم بالله ليعدوا خمس سنين على الأقل عشان أسمح لأي راجل إنه يتجوزك.. لو كان بقى إبن خالتك طمعان فيكي، فده بقى بالذات هيستنى عشر سنين على الأقل عشان أسمحله بس إنه يطرح الفكرة، ولو اتجرأ إنه يرجع يعرض الموضوع تاني قبل كده، فوالله العظيم اللي خلقني، وخلقك، لهديله درس عمره ما ينساه، وهخليه ينسى حروف إسمه.. وغير كل ده.. إنتي مفيش حاجة هتبعدك عني غير الموت.. الموت.. الموت بس يا رهف”
مأدركتش بالظبط خطورة الكلام اللي أنا قلته.. غير بعد ما شوفت رهف بتبحلق فيا بذهول غريب…
حتى الدموع اللي كانت في عينيها اتبخرت…
كلامي ربط لسانها، ومنعها حتى من إنها تتوجع من شدة ضغطي على إيديها…
ممكن أكون كسرت عضمة من عضمها، أو حركت مفصل من مفاصلها!!
أنا كنت بضغط على إيدها بقوة شديدة جدا، خلت عضلات إيدي أنا تنمل…
هدوء تام ملى الدنيا حوالينا.. مبقاش فيه صوت للماتور، ولا الهوا، ولا لرهف، ولا لأي حاجة تاني…
سيبت إيد رهف، ولقيتها حمرة جدا، وأكيد واجعاها أوي…
لكن رهف مكنش باين عليها الألم، ومسحبتش إيديها بعيد عني.. وكمان مرفعتش عينيها المذهولة من عيني…
………………
طول الشهور اللي فاتت، كنت ببص بنظرة إعجاب شديد على خطيبي ليث…
كنت متأكدة مليون في المية، إنه أحسن راجل على وش الأرض، ومشوفتش منه أو فيه أي عيب يذكر، ولا لاحظت منه أي تصرف مش طبيعي…
كانت كل صفاته، وطباعه بتعجبني جدا، وأخلاقه، وتصرفاته كانت دايما يتبهرني…
في اليوم ده.. شوفت حاجة فاجأتني، وجابتلي ذهول، وحسيت منها بخيبة أمل…
مكنتش متخيلة إن ليث ممكن يكون متسلط، وقاسي للدرجة دي!!
متوقعتش أبدا إنه ممكن يخرج منه أي تصرف وحشي بالمنظر ده!!
كنت شايفاه إنسان طبعه هادي، ومسالم، وأخلاقه عظيمة…
الطريقة اللي سحب رهف بيها غصب عنها، والطريقة اللي شخط علينا بيها لما حاولنا نمنعه عن اللي هو بيعمله، والطريقة اللي ضرب بيها صبري بكل وحشية، والطريقة اللي إتكلم بيها مع رهف وإحنا على الطريق الطويل للمدينة الساحلية.. كل ده زرع جوايا الخوف، والحذر…
الطريق للمدينة الساحلية كان طويل جدا، وممل جدا، والسكوت الرهيب سيطر علينا إحنا الأربعة…
أمي نامت على طول، وفضلت أنا أراقب الطريق، وأحاول إني أبص على ليث.. لكن هو كان مركز جدا في الطريق، وكان بيسوق بسرعة مرعبة…
“ممكن يا ليث تهدي السرعة شوية؟؟”
طلبت منه ده، وكنت خايفة من رد فعله…
لكن هو مخففهاش، وقال: “الطريق طويل جدا.. المفروض كمان إني أزودها عن كده، مش أهديها”
وبعدين بص على رهف اللي كانت مودية وشها ناحية الشباك، وساندة راسها عليه، وقالها: “أربطي حزام الأمان”
مشوفتش من رهف أي حركة!
يا ترى هي نايمة؟؟ ولا مسمتعتش؟؟ ولا إيه؟!
ليث رجع تاني يقلها: “رهف.. أربطي حزام الأمان بتاعك”
شوفتها بتتحرك، وبعدين سمعتها وهي بتقول: “ليه؟ أنت ناوي تخبطنا في عربية نقل أو جبل يعني؟؟”
ليث بان عليه إنه كان متضايق من كلامها، وصبره نافذ…
قال: “لا قدر الله.. أربطيه بس عشان سلامتك يا رهف”
رهف قالت: ” متخافش على سلامتي.. أهلا بالموت في أي وقت.. أنا مستنياه بفارغ الصبر”
الكلام ده خلى ليث يرتبك، والعربية فلتت منه، وانحرف من الطريق شوية، وكلنا اترعبنا…
بعد كده خفف السرعة حبة حبة، لغاية ما وقف العربية خالص…
وبعدين بص على رهف، وقال: “بطلي تجيبي سيرة الموت يا رهف.. أنا شربت منه لغاية ما إكتفيت.. إوعي تكرري الكلام ده تاني”
رهف معلقتش عليه، ورجعت سندت راسها تاني…
ليث قال: “أربطي الحزام”
قالت: “مش هربطه”
“رهف.. يلا أربطيه”
“مش هربطه”
“طيب.. يبقى أنا اللي هربطه”
شوفت ليث بيمد إيده ناحية الحزام…
رهف تقريبا زقت إيده بعيد عنها، ورجعت ضهرها ناحية الحزام…
شوية، وسمعت صوت تكة القفل بتاعة الحزام…
رهف قفلته بنفسها!
“بنت مطيعة”
ليث قالها كده، ورجع دور العربية، ومشي بأقصى سرعة…
بعد شوية، ليث وقف عند محطة بنزين، عشان يحط بنزين في العربية، ويشتري أكل، ويصلي…
إتكلم معانا وهو بيشاور على مبنى جنبنا…
“في هنا مصلى للسيدات، لما تخلصوا إرجعوا العربية، وبعدين نروح المطعم”
أنا، وماما فتحنا البابين اللي ورا، ونزلنا…
ليث فتح بابه، وبعدين بص على رهف اللي كانت قاعدة زي ما هي، ومكنش طالع منها صوت، ولا حركة تبين إنها ناوية تقوم…
“إنتي مش هتنزلي؟”
ليث سألها، وسمعتها وهي بترد عليه: “أنت اللي هتروح فين؟؟”
ليث قال: “رايح المسجد”
كان بيشاور بإيده على نفس المبنى، واللي موجود فيه مصلى للرجالة، وواحد تاني للستات، وكان فاصل بينهم حيطة، والبابين بتوعهم في طرفين المبنى…
تقريبا الفكرة معجبتش رهف (الدلوعة الصغيرة)، ورفضت إنها تروح تصلي غير لما ليث وافق إنه يقف على الباب بتاع المصلى النسائي، عشان يكون حارس على الباب لغاية ما نخلص صلاة…
بعد ما خلصنا صلاة، ليث إقترح إننا ندخل المطعم اللي جنبنا عشان ناكل.. بس الفكرة معجبتهاش..!
بعد كده ليث إقترح إنه هو اللي يجيب الأكل، وناكل في العربية، وبرضه الفكرة معجبتهاش..!
إيه البنت دي؟!
أنا إبتديت أتخنق جدا من تصرفاتها…
دي فعلا طفلة كبيرة!!
إنتوا عارفين في الآخر عملت إيه؟؟
أصرت إنها تروح معاه، وسابتني أنا، وماما نرجع ، ونقعد لوحدنا في العربية…
أنا ركبت في الكرسي اللي قدام، وماما قعدت ورايا بالظبط…
قلت وأنا متضايقة: “ده بيدلعها بأسلوب هيشلني يا ماما.. أنا مستغربة.. هو ليه مسابهاش في بيت خالتها وهي مصرة كده إنها تقعد هناك! مش هو المفروض إن هو بينفذلها كل رغباتها من غير أي إستثناء! إشمعنى بقى عارض الرغبة دي؟؟”
أمي قالت: “هو بيعمل كده عشان حاسس بالمسؤولية الكاملة ناحيتها.. متنسيش يا بنتي إنها يتيمة، وكمان وحيدة”
قلت: “إنتي سمعتي اللي هو قاله؟ تقريبا إبن خالتها عايز يتجوزها بعد ما عرف إنها سابت خطيبها آسر.. أنا شايفة إنه حل ممتاز للوضع بتاعها.. ليث بقى معارض ليه؟؟”
قالت: “هو أدرى واحد بمصلحتها يا رضوى.. متتدخليش إنتي في الموضوع، وسيبيه يعمل اللي هو شايفه صح”
الحقيقة إن الموضوع كان شاغل تفكيري جدا في الكام ساعة اللي فاتوا…
ليث قال لرهف وهو في قمة الغضب، والإنفعال إن هو مش هيسلمحلها تتجوز أي راجل في الدنيا، قبل ما يعدوا سنين كتير!
الجملة دي زرعت جوايا شكوك، وأفكار مخيفة، وخطيرة…
بعد شوية، ليث جه وهو شايل في إيده شنطة جواها أكل، وماشية جنبه دلوعته الصغيرة…
رهف وقفت جنب الشباك بتاعي، وبصت عليا بصة غيظ حادة جدا مش فاهمة معاناها، وبعدين ركبت العربية جنب ماما…
ليث بعد ما قعد بدأ يوزع علينا علب الأكل اللي كانت عبارة عن هامبرجر، وعصير…
لما جه دور الدلوعة بص عليها، ومد إيده ليها بعلبة البطاطس المحمرة…
“إتفضلي يا رهف.. أكلك أهو”
البنت اللي قاعدة ورا ليث بالظبط قالت بكل بساطة: “مش عايزه.. كله أنت”
ليث بان عليه إنه مستغرب جدا، وقال: “مش إنتي اللي طلبتي بطاطس محمرة!؟”
قالت: “أيوة.. بس خلاص غيرت رأيي.. خليها معاك”
ليث مد إيده ليها بعلبة الهامبرجر بتاعته، وقال: “خدي دي طيب”
قالت: “مش عايزة، شكرا”
“لكن، إنتي هتفضلي كده من غير أكل؟ عايزة إيه أجيبهولك طيب؟”
“ولا حاجة، مش نفسي في حاجة، ومش عايزة حاجة”
“طب والبطاطس دي؟”
“كلها أنت.. أو أقولك.. أكلها لخطيبتك”
وبعدين سندت راسها على الشباك عشان تعرفه إنها نهت الحوار…
ليث رجع علبة الهامبرجر، والبطاطس المحمرة جوا الشنطة، وبعدين دور العربية، ومشي…
باختصار.. أنا، وماما بس اللي كلنا الأكل بتاعنا..!
حصلت مواقف كتيرة جدا في الرحلة الطويلة، والمتعبة دي…
لو رهف إتكلمت معايا، بتتكلم بطريقة ناشفة، ورخمة.. كإنها بتفش غلها من اللي حصل معاها فيا أنا!!
بعد ما عدى شوية وقت، وفي وسط الضلمة اللي كانت حوالينا.. أنا استسلمت للنوم…
لما صحيت بعد فترة مش عارفة قد إيه، لقيت العربية واقفة، ولقيت ليث، ورهف قاعدين برا على الرملة، وبيتكلموا في حاجات الله أعلم هي إيه.. وماما نايمة ورايا…
………………..
لإن أنا نعست جدا، زي ما كل اللي معايا كانوا نعسانين، وغرقانين في النوم.. وقفت العربية عشان أخرج أقف شوية، وآخد إستراحة من السواقة، وأجدد النشاط بتاعي…
بصيت ورايا لقيت رهف بتبص عليا!
“أنت وقفت ليه؟”
“إنتي مش كنتي نايمة؟ أنا حاسس إني تعبت، وعايز أتمشى”
أول ما مشيت كام خطوة، لقيت صغيرتي ماشية ورايا بالظبط…
متكلمناش، وفضلت ماشي ببطء على الرملة، وببعد عن العربية كام متر، وحاسس بيها وهي ماشية ورايا.. لكن أنا مكنتش راضي أبصلها…
بعد ما مشيت مسافة صغيرة، لفيت عشان أرجع العربية، فلقيت عيني وقعت على عينيها مباشرة!!
تقريبا الزمن وقف عن الحركة في اللحظة دي…
لو تعرفوا نظرة واحدة من عيون رهف ليا بتعمل فيا إيه.. ساعتها أكيد هتبرروا التصرفات الغريبة اللي بتطلع مني!!
رهف بتوديني للجنون!!
حد بيلوم مجنون على جنانه؟!
بعد ما الزمن اتحرك، مشيت ناحيتها عشان أروح للعربية.. لكن رهف فضلت واقفة مكانها، لغاية ما عديت من جنبها، ومشيت كام خطوة، وحسيت بيها برضه ماشية ورايا…
كنت حاسس بمشاعر كتيرة جدا جوايا وأنا بغرس في الرملة خطوة خطوة…
كنت حاسس بالقلق من اللي مخبيهولي القدر…
كنت حاسس بالغيظ من رغبة رهف إنها تقعد عند خالتها، وإبن خالتها…
كنت حاسس بالندم من قسوتي معاها…
كنت حاسس بالحزن، والخوف من اللي بيدور في راس رهف عني…
كان عندي رغبة كبيرة في إني أعتذر منها…
كنت مشتاق إني أواسيها، وأرجعلها الطمأنينة، والأمان، وثقتها فيا…
كنت هموت وألف وشي ليها دلوقتي، وأصرخ في وشها: (أنا بحبك)
إيه اللي هيحصل يعني لو عملت كده؟؟
وأخيرا.. كان فيه شعور جوايا ممكن أسيطر على أي شعور تاني، لكن مش هقدر أسيطر عليه هو بالذات!!
ده بيقرص، وبيلدع!!
أنا جعان!!
طلع صوت إستغاثة من معدتي.. فضلت أدعي ربنا كتير جدا إنه ميكونش وصل لودان رهف…
أول ما وصلت ناحية العربية، مديت بسرعة ناحية الشباك بتاعي، وخرجت شنطة الأكل وخرجت منها التلات علب اللي كانوا فاضلين.. علبة الهامبرجر، وعلبة البطاطس المحمرة، وعلبة العصير…
رهف وقفت قريب مني، وكانت بتبصلي.. أكيد هي مستغرباني دلوقتي!
رجعت تاني على الرملة، وقعدت وأنا في إيدي الأكل…
بصيتلها، وقلت: “تعالي كلي معايا”
قسمت سندوتش الهامبرجر لنصين، ومديت إيدي، عشان أديها نص منهم…
كانت لسة باصة عليا باستغراب!
قلت: “هو صحيح ساقع.. بس طعمه أكيد حلو”
رهف اترددت، وبعدين جت قعدت جنبي، وخدت نص السندوتش من إيدي…
قربتلها علبة العصير، وعلبة البطاطس، لكن هي رفضتهم…
بدأت آكل في نص السندوتش بتاعي، وأبلع صوابع البطاطس الساقعة، وأشرب العصير وأنا مستمتع جدا بأكلي ده!
هو كده.. الجوع كافر!!
أي أكل مهما كان ردئ بيبقى لذيذ وهو الواحد جعان!
لتكملة القصة اضغط الزر بالاسفل



