رواية صغيرتي (الجزء الخامس)

روحت لآسر أوضته عشان أحاول أتكلم معاه، وأهدى الدنيا…
آسر قرب عليا أوى، ومسك وشى، وخلانى أبص فى عينه يالعافية: “قليلى ليه؟ هو أنا طلع منى حاجة زعلتك فى يوم من الأيام؟”
هزيت راسى بلأ…
عمره ما حصل… أبدا… عمر ما كان فيه حد بيهتم بيا، وبيحافظ على مشاعرى، وبياخد باله منى، قد ما كان بيعمل آسر…
قال: “طب ليه؟ ليه تأجلى الفرح كده من غير أى مبرر؟ وتهدى جسر الوصال بيننا فجأة… فجأة من غير سابق إنذار… وتقولى إنك إتغصبتي على الجواز منى… وإن إنتى عمرك ما كنتى عايزة كده… بعد كل السنين دى يا رهف… بعدكل السنين دى أنا مش لاقى أى سبب أو مبرر مهما دورت… قليلى ليه؟؟”
الدموع انسابت من عينى إجابة لسؤاله اللى لسانى مش لاقيله إجابة…
آسر فضل يمسح دموعي، وقال بحنية: “أنا آسف على اللى حصل النهاردة الصبح… كنت متجنن… سامحينى”
غمضت عينى إشارة إن الموضوع مش فارق معايا…
لما فتحت عينى لقيت عيون آسر المشوهة الدموع بتلمع جواها، وخايف يطلعها برا…
قال: “متعمليش فيا كده يارهف… إنتى عارفة إنا بحبك قد إيه”
خدنى بعد كده بين دراعاته بحب، وعاطفة كبيرة…
سيبت المجال لآسر إنه يعبرلى عن مشاعره كلها، وفضلت محبوسة جوا حضنه فترة كبيرة، ومش راضية أتحرك…
لغاية ما سمعت صوت حد جاى، فبصيت أنا، وآسر، ولقينا ليث واقف على الباب…
مش هقدر أوصفلكوا النظرات المتوحشة، الغضبانة اللى كان بيبصلنا بيها…
كنت حاسة إنها بتلسعنى… لأ دى كانت بتحرقنى…
جه ناحيتنا خطوة خطوة… الأرض كانت بتتهز من قسوة خطواته…
كان الشر طالع من عينه وهو باصص لآسر، وعمال يعض على شفايفه بغيظ…
حسيت بالخوف، ورجعت لورا، ووقفت ورا آسر…
ليث مد إيده، ومسك آسر من قفاه بعنف، وقال: “أنا قلتلك متحاولش تستعطفها تانى… حذرتك إنك تقرب منها لغاية ما بابا، وماما يرجعوا… أنت مبتفهمش؟”
وبعدين سحبه، ورماه على الحيطة…
آسر رفع رجله، وضرب بيها ليث… قام ليث إداله بالبوكس فى وشة المتشوه…
ليث قال وهو لازق آسر فى الحيطة: “أنا مش هسمح لرهف إنها تتجوزك… أنت فاهم؟ هى متستحقش راجل متشوه زيك”
آسر قال: “طبعا… مهو أحسنلها تتجوز حد من القتلة المجرمين”
أول ما آسر قال كده، ليث إتحول لوحش تماما…
ده أقل وصف ممكن أوصفهلكوا…
صرخت: “كفاية، وقفوا اللى إنتوا بتعملوه ده”
لكن الإتنين دخلوا فى خناقة مميتة…
جريت عشان أدور على ليلى… لقيتها فى أوضتها بتكلم خطيبها…
قلتلها بصريخ: “إجرى يا ليلى… بيتخانقوا تانى”
ليلى سابت السماعة، وجت جرى معايا…
حاولنا نتدخل عشان نفض الخناقة المجنونة، لكن فشلنا…
كل واحدة فينا قعدت تصوت، لكن برده من غير أى فايدة…
الخناقة استمرت وقت طويل… وأنا كنت عمالة أصرخ وأنا بعيط…
“أقفوا بقى… كفاية”
لكن مفيش حد فيهم كان سامعنى…
قلت: “خلاص، أنا هتجوز آسر… هعمل اللى إنتوا عايزينه… كفاية كده… كفاية”
الكلام ده مزودش الحرب غير إشتعال زيادة…
ليلى بصتلى، وصرخت فى وشى: “كل ده بيحصل بسببك إنتى… إبعدى عننا يا ملعونة”
رمتنى لبرا غصبن عنى…
أنا فضلت أعيط، وأصرخ جوا أوضتى، وبنادى على بابا، وماما…
……………
لو مكنش أخويا… إبن أمى، وأبويا… شقيقى… اللى دمه بيجرى فى عروقى… وحبه متخزن جوا قلبى… كنت خلصت على الراجل المتشوه اللى كان حاضن رهف من شوية…
أنا إتجننت تماما، وفقدت أقل معانى للرأفة، والإنسانية…
فضلت أضرب فيه بشكل أقوى، وأقسى مية مرة من اللى ضربتهوله النهاردة الصبح…
ده جزاء اللى يقرب من صغيرتى أنا…
أيوة… دى بتاعتى أنا… وعمرى ما هسمح لأى راجل مهما كان، إنه يقرب منها مسافة تقل عن ألف متر… من هنا ورايح…
ليلى كانت واقفة بيننا إحنا الإتنين عشان تحجز، ولولا إنى سيطرت على نفسى، كنت زقيتها هى كمان…
أنا دلوقتى فى أقصى وقت فقدت فيه أعصابى، وكنت ثاير…
لو كان فيه فى إيدى سلاح، كنت أكيد هفرتك أى حد يقف قدامى من غير أى تفكير…
الحاجة اللى وقعت فى إيدى ساعتها، كانت علبة حديد نزلت على المكتب وإحنا بنتخانق…
مديت إيدى على المكتب، ورفعتها باللى لقيته فيها، وضربته على راسه بالعلبة الحديد…
آسر كان بيحاول يفلت منى من غير أى فايدة، وبيبص على العلبة اللى فى إيدى، وبيصرخ: “هتعمل إيه يا مجنون؟”
قلت: “هكسر دماغك”
قال بخوف: “ليث… أنت هتقتلنى؟”
ليلى جت جرى، ومسكت دراعى عن اللى كان هيعمله بجنان دلوقتى…
سيبت العلبة تقع من إيدى…
قلت وأنا بهدد أخويا: “هقتلك لو حاولت تقربلها تانى”
قعدته، وقعدت، ولزقت راسى فى راسه، وقلت: “أنا مقتلتش الحيوان ده، وضيعت سنين عمرى وأنا مرمى فى السجن، وخسرت الماضى، والمستقبل بتاعى، عشان أخرج، وأشوفك وأنت بتتجوز صغيرتى غصب عنى، ولو حاولت تقربلها تانى، هبعتك ليه… لإن ده هو جزاء اللى يضر صغيرتى بأى شكل من الأشكال… فهمت يا آسر؟ أنا هقتلك، وهقتلكوا كلكوا لو اتجرأتوا إنكوا تإذوا صغيرتى ولو حتى بمجرد الكلام… فهمت؟؟”
بعد كده ضربته فى وشه البونية الأخيرة، وبعدين قمت…
فضلت أتطوح شوية وأنا ماشى من شدة التعب…
روحت ناحية الباب، وكنت ماشى، ومش عارف أنا رايح فين…؟
عينى وقعت على ليلى اللى بتبصلى بخوف…
قالت وهى عينيها مفتوحين لأقصى حد: “ليث… إنت بتقول إيه؟؟”
قلت بصوت قوي: “أيوة… كنت فى السجن… ومش هيمهمنى إنى أرجعله تانى طول ما الموضوع متعلق برهف… ومش هسمح لحد إنه يغصب صغيرتى إنها تتجوز حد هى مش عايزاه، ومش هخلى أى راجل يتجوزها، ولا يقرب منها لغاية ما تقلى هى إنها عايزة تتجوزه، ورايداه… مفهوم؟”
خرجت من الأوضة، وسيبت ورايا المذهول مذهول، والمتكسر متكسر، والمجروح مجروح…
مشيت على طول على أوضة رهف اللى أول ما شافتنى إتنفضت من الخوف، وفضلت تترعش…
فى اللحظة دى بس أدركت إنى خرجت عن كوني أنا… وإن أنا مكنتش فى وعيي خالص… وإن أنا شوهت الصورة الكويسة اللى كانت باقية مني فى دماغ رهف…
قلت: “رهف”
أول ما سمعت صوتى إتخضت… ممكن صوتى كان مرعب بالنسبالها… ممكن كان شكلى يخوف… ممكن بقيت بالنسبالها دلوقتى حد مخيف، ومش طبيعى…
وقفت متسمر فى مكانى، وبراقب صغيرتى المذعورة…
سمحت للأرض اللى لامسة رجلى إنها تمص الباقى من غضبى، وغلى…
فضلت أتنفس أنفاس عميقة عشان تدخل صدرى، وتهدى أعصابي… ورخيت اللى كان مشدود من عضلاتي…
قلت بصوت حاولت إنى أخليه حنين فى وقت العصبية، والوحشية اللى أنا فيها: “رهف… صغيرتي… متخافيش منى… أنا آسف”
لكن الخوف، والرعشة مفارقوش جسمها، وشفايفها اللى تحت…
قلت بوجع: “أنا آسف إنى رعبتك كده يا رهف… عشان خاطرى متخافيش منى، عرفينى بس بأى حاجة إنتى عايزانى أعملهالك، وأنا رهن إشارتك”
رهف إتكلمت وهى بتترعش: “سيبنى لوحدى”
وقفت شويية فى مكانى، وكنت عاجز عن إنى أحرك رجلى… بعد كل الضرب اللى أنا ضربته فى أخويا…
قلت: “سامحينى يا رهف… أنا ليث اللى إنتى عارفاه”
قالت: “لأ، أنت مش ليث… إمشى من أوضتى، وسيبنى فى حالي”
اتوجعت من اللى هى بتطلبه منى، وقلت وأنا مكسور: “اللى تؤمرى بيه… هخرج، لكن هرجع تانى… وهعمل إى حاجة إنتى عايزاها من جواكي… حتى لو كنتى عايزة تتجوزي آسر تاني… لكن أنا أول ما هحس إن حد غاصبك تعملى حاجة إنتى مش عايزاها… ساعتها مش هقف وإيدى متكتفة أبدا”
مشيت من أوضة رهف، ومن البيت كله…
لما رجعت تانى هناك، كان تانى يوم العصر، وكانت عربية نور راكنة قدام البيت، وعربية آسر مكنتش موجودة…
لما دخلت لقيت نور، وليلى قاعدين سوا فى أوضة الأنتريه…
رميت السلام، ونور رد عليا، لكن ليلى ودت وشها الناحية التانية…
سألت: “آسر فين؟”
ليلى مردتش، فقال نور: “رجع شقته”
سألت: “هو مشي أمتى؟”
قال: “تقريبا على الضهر كده”
سألت، وكنت موجه كلامى لليلى: “وفين بنت عمك؟؟”
مجاوبتش، فكررت سؤالى: “فين بنت عمك يا ليلى؟؟”
ليلى بصتلى بزعل، وقالت: “لو سمحت متتكلمش معايا”
نور بان عليه الإحراج، وقال بصوت هادى: “ليلى… أعصابك”
لكن ليلى صرخت: “أنا البنى آدم ده مبقاش أخويا، ومش عايزة أتكلم معاه تانى”
سيبتهم، وروحت أدور على رهف…
ملقيتهاش فى أى حتة…
رجعت لليلى تانى، وسألتها: “فين بنت عمك؟”
ليلى مجاوبتنيش، فنور اتدخل، وقال: “تقريبا هى راحت لبيت خالتها… صبرى جه من شوية، ومشيت معاه”
اتضايقت من اللى حصل ده جدا، وقلت: “لوحده”
ليلى ردت: “آه لوحده، أنا اتصلت بيه، وخليته ييجى ياخدها لبيته… فى إيه”
قلت: “وهى ليه مستنتنيش؟”
ليلى قالت بعصبية: “وهى تستناك ليه؟ هى راحت مع ابن خالتها، والموضوع خلص”
قلت بنرفزة: “ليلى… إنتى إزاى تسيبيها تخرج كده؟”
قالت بزهق: “هو أنت كنت عايزنى أروح معاهم ولا إيه؟”
وبعدين كملت: “وعلى فكرة ما تقلقش عليها، هى فى المكان اللى هى بتحبه، ومع الناس اللى بتحبهم”
قلت: “إنتى تقصدى إيه؟”
قالت من غير إى صبر: “إيه؟ هى ما عرفتكش برده إنها سابت أخويا، واتخلت عنه، وسبب كل ده هو إبن خالتها الغالى؟ خليها تشبع بيه بقى”
اتفاجئت، واندهشت من الكلام اللى أنا سمعته، وبقى اتفتح على آخره من كتر المفاجئة…
“مين؟ إيه اللى إنتى بتقوليه ده؟”
ليلى عضت على شفايفها، وضغطت على إيديها، وقالت بخنقة: “الملعونة… عمرى ما هسامحها على اللى عملته فى أخويا أبدا… وعمرى ما هسامحك أنت كمان… الله لا يوفقها فى جوازها من الراجل اللى دمرت أخويا عشان… الله ينتقم منهم”
……………
كل ما أفتكر الدموع المحبوسة فى عين آسر اللى كان رافض ينزلها فى حضننا الأخير، كنت بنزل دموع قدها مليون مرة…
مكنش اللى أنا عملته حاجة تتغفر أبدا، ده آسر صديق الطفولة، والمراهقة، والشباب… هو أعز إنسان عندى، لكن مش أحب الناس لقلبى…
النهاردة الصبح لما شوفته، معدتى إتلوت، وجالى مغص شديد مفاجئ بسبب الكدمات اللى شوهت اللى ما كنش متشوه من جسمه الرفيع…
لما حاولت أتكلم معاه مردش عليا، لغاية ما بدأت أقتنع إن الكدمات اللى فى بقه، خلته عاجز عن الكلام خالص…
لكن هو إتكلم مع ليلى اللى قعدت معاه فى الأوضة لوحدها وقت طويل…
أكيد كانوا قاعدين بيتكلموا على اللى أنا عملته، والمشلكة اللى أنا اتسببت فيها بسبب غبائي، وتسرعي…
كل ده، عشان أنا إكتشفت إنى بحب ليث؟!
بحب وحش مفترس، مش راجل طبيعى…
من ساعة ما ظهر فى حياتي من جديد مسببليش غير التعب، والمعاناة…
ولو قلت كل كلمات الندم اللى فى الدنيا، مش هيكفينى إنى أعبر عن الندم، والشعور بالذنب اللى أنا حاسة بيهم دلوقتى…
دلوقتى أنا واحدة طايشة، وناكرة للجميل، والمعروف، وكسرت بقلب الراجل اللى بيحبها بجنان، ونفسه يسعدها…
عشان راجل متعرفش عنه حاجة تقريبا، غير إنها بتحبه، وبتتمناه…
لما يرجعوا أبويا، وأمى… وآسر وليث يمشوا… هرجع أنا زى ما كنت يتيمة، ووحيدة زى ما جتلهم من خمستاشر سنة، وهفقد عيلتى من أول وجديد…
كل شوية نهال بتيجى عشان تتطمن عليا، فبتشوفنى على نفس الحالة اللى سابتنى بيها… سرحانة فى أفكار حزينة مبتنتهيش، وحاسة بالضياع، والتشتت…
كنت بحاول أنام على سريرها شوية…
أنا الليلة اللى فاتت كنت سهرانة سهر النجوم… ووحيدة زى القمر ما هو لوحده فى السما، وبعيط زى المطر… وتعيسة زى تعاسة السواد اللى مالى السما… والأفكار بتلعب فى دماغى زى ما الرياح بتلعب بورقة شجرة دبلانة سابت غصنها، وأصلها، وجدرها، وتاهت فى الصحرا اللى ملهاش بداية ولا نهاية…
“إنتى لسة صاحية؟؟”
نهال سألتنى وهى وشها قلقان، وخايف عليا…
قلت: “أنا عينى هيجيلها نوم إزاى يا نهال؟؟ وأنا عملت اللى عملته ده؟؟ بكرا بالليل هيرجعوا أبويا، وأمى، أنا هقولهم إيه؟ يا ربى، أنا مش عايزة أوريهم وشى”
قلت: “مش عايزة أعيش معاهم تانى… أنا أصلا متجرأش إنى أوريهم وشى تانى، يااه لو تشوفى الطريقة اللى ليلى كلمتنى بيها النهاردة؟”
ساعتها إفتكرت الكلام القاسى اللى وجهتهولى بعد ما آسر مشى وهو نفسه مكسورة…
نهال قالت: “وهى من إمتى كانت طيبة معاكى أصلا؟ هى دايما قاسية عليكى، سيبك منها… لكن لما أمك ترجع يا رهف عرفيها حقيقة اللى جواكى، عرفيها إنك عمرك ما حبيتى آسر، وإنك بتحبى ليث”
قلت بحزن، وإعتراض: “لأ، مستحيل ده يحصل… ولا بأى شكل… إزاى يا نهال، إزاى؟ وهكسب إيه لما أقول كده؟ ولا إنتى فاكرة إنها هتقول: (طب يا حبيبتى مش مشكلة، ننقلك من آسر لليث، ولا يهمك)… بكل بساطة كده؟”
فضلت ألوم نفسى، وألوم نهال إنها كانت بتشجعنى إنى أعمل اللى أنا عملته ده، وألوم ليث جوايا…
“يا ريته ما سافر، وسابنى… يا ريته ما رجع… يا ريتنى أقدر أوقف تفكير فيه… يا ريته يحس بيا… يا ريت معجزة تحصل، وتخليه يرتبط بيا، وتخلى آسر ينساني… يا ريته يختفى من حياتى، وقلبى… يا ريته يظهر دلوقتى، وينقذنى من كل ده”
قلت لنهال كل الأمنيات اللى أنا نفسى أحققها، لكن عارفة إنها مستحيلة…
ما عدا أمنية واحدة منهم اتحققت فورا!!
سمعنا خبط على باب الأوضة، ولقيت وسام داخلة، وبتقول: “رهف، قريبك الضخم جه”
بصيت ناحية وسام بقلق، وكنت متفاجئة، ولسانى اتربط…
نهال اتكلمت بالنيابة عنى، وقالت: “تقصدى مين يا وسام؟”
قالت: “ليث الطويل”
أنا، ونهال فضلنا نبص لبعض، وبعدين قلت: “هو عايز إيه؟”
وسام كانت بتتلكم وهى مبسوطة: “سأل على أبويا، وأخويا… والإتنين مش موجودين… وبعدين قال: (هى رهف بنت عمى هنا)… قلتله: (آه)، وبعد كده قال: (طب ينفع تناديهالى يا آنسة؟)… قال عنى آنسة… إنتوا متخيلين؟!”
كان باين عليها إنها مبسوطة جدا بالإكتشاف العظيم ده… إنها آنسة!
قد إيه البت دى دماغها فاضية، وتافهة؟
قلت: “هو فين؟”
قالت: “واقف على الباب برا”
يا ترى جاى ليه؟
“ليث الطويل واقف برا عند الباب”
وسام قالتلى الكلام ده، وأنا بصيت على نهال، وقلت: “أكيد جاى عشان ياخدنى البيت… أنا مش عايزة أروح البيت… مش عايزة أرجع”
لقيت وسام جريت على طول وهى بتقول: “أنا هروح أقله الكلام ده”
نهال صرخت: “وسام! إستنى… ما بتصدقى تسمعى أى كلمة عشان تطيرى، وتقوليها على طول؟ روحى قولى لماما إن هو جه عشان تتصرف”
وسام طارت عشان تنفذ الأوامر وهى مبسوطة…
بعد كام ثانية خالتى جت، وقالت: “أنا هروح أتكلم معاه… متقلقيش”
لكن الحقيقة إن قلقى إبتدا يزيد من اللحظة دى…
خالتو راحت، ورجعت بعد دقيقتين وهى بتقول: “هو عايز يتكلم معاكى… واقف مستنيكى برا فى الجنينة”
جيت أقوم فقالت: “لو إنتى مش عايزة تعملي كده، أنا هروح أمشيه”
قلت: “مفيش داعى يا خالتو، أنا همشيه بنفسى”
فضلت أقرأ شوية آيات من القرآن فى سري، عشان تقوينى إنى أقف قدامه من جديد…
فى الجنينة الصغيرة بتاعة البيت… لقيت ليث واقف قريب من الباب… مشيت ناحيته وأنا بجر فى رجلى جر… وكنت خايفة، ومتوترة جدا…
كنت عارفة إن خالتى، وبنتها بيراقبونى من الشباك…
لما بقيت قدامه بالظبط، هو إبتدا الكلام، وسلم عليا…
سألنى: “إنتى كويسة؟”
ده مجرد سؤال عادى الناس بتستخدمه فى يومها كذا مرة، ولكذا سبب…
لكن أنا احتجت وقت طويل جدا، وقياسى عشان ألاقى إجابة ليه…
هو أنا فعلا كويسة؟؟
لما ليث شاف التردد، والحيرة اللى أنا فيهم، قال: “شكلك أحسن شوية”
نطقت بشكل لا إرادى، وبصوت هادى: “آه… الحمدلله”
قال: “طب يلا بقى نرجع البيت؟؟”
هنا بقى عليت صوتى، وانفعلت وأنا بقول: “لأ”
ليث اتفاجئ بردى، وقال: “ليه؟ دى الساعة تمانية… إنتى عايزة تقعدى أكتر من كده؟؟”
قلت: “آه”
“لغاية إمتى؟ الوقت خلاص اتأخر… خلينا نرجع عشان أنا سايب ليلى لوحدها فى البيت”
“لأ”
بعد مقولت كده، وكان باين على وشى الإعتراض، ليث قال: “إنتى عايزة تباتى هنا يعنى؟”
“آه”
“الليلة دى بس؟”
“لأ”
“كل يوم؟”
“آه”
“إنتى بتهزرى، صح؟”
“لأ”
“يعنى بتتكلمى جد؟”
“آه”
“طب وإنتى فاكرة إنى ممكن أسمح بحاجة زى كده؟”
“لأ”
مكنتش ببص على ليث خالص… كنت باصة على الحشائش الخضرا الجميلة اللى مغطية الأرض اللى تحت رجلى… وأنا فى قمة التوتر، ومكنتش مركزة أوى فى اللى أنا بقوله…
لكن لما قال: “تقصدى آه، ولا لأ؟”
خدت بالى بسرعة من سؤاله الأخير، ومن إجابتى الأخيرة ليه، ورديت بارتباك: “آه، أقصد طبعا آه”
قال: “وأنا بقول طبعا لأ”
كان بيكلمنى وهو باصصلى بنظرات كلها إصرار على كلامه: “يلا عشان نرجع للبيت دلوقتى يا رهف”
قلت: “لأ”
قال: “هو إنتى معندكيش حاجة تقوليها غير آه أو لأ، خلينا نرجع دلوقتى يا رهف الله يرضى عنك، عشان مش عايز أسيب ليلى لوحدها فى البيت أكتر من كده”
“أنا مش عايزة أرجع… هفضل هنا”
“ليه؟”
“عايزة أقعد مع خالتى… عايزة شوية سلام، وهدوء بعيد عنكوا”
تقريبا كلامى ضايق ليث، لإن تعبيرات وشه كلها اتغيرت…
قال: “بكرا أبويا، وأمى هيرجعوا، ونحط حد لكل حاجة، هنسوى المشاكل بالشكل اللى إنتى عايزاه… متقلقيش ومتضحيش بنفسك عشان أى حاجة”
قلت: “لكن… آسر ميستحقش ده… ميستحقش اللى أنا عملته فيه… ولا اللى أنت عملته فيه… آسر ده غلبان جدا”
مجرد تعاطفي مع آسر نرفزه زيادة، وخلى تعبيرات وشه تتغير أكتر…
قال: “المشاكل كلها هتتحل بكرا، أو بعده بالكتير… أنا مش هسافر وأسيبك غير لما أتأكد إن كل حاجة ماشية على أحسن شكل”
كلمة أسافر دى، دقت جرس الخوف فى قلبى…
قلت بسرعة: “تسافر؟ هو أنت هتسافر؟؟”
قال: “أبويا، وأمى هيرجعوا، وأنا مهمتى هتنتهى”
قد إيه جملته دى قتلتنى!
هو مش كفاية عليا اللى أنا فيه عشان ييجى يزودنى هم فوق هم؟
قلت: “طب وفرح ليلى؟”
اتنهد، وبص للسما، ومردش…
قال بعد كده: “يلا يا رهف”
مكنتش عايزة أرجع… هو أنا هرجع عشان إيه؟ عشان أنزل دموع أكتر من اللى أنا نزلتها؟؟
عشان أتحسر زيادة؟؟
عشان أشوفه وهو ماشى، وسايبنى تانى؟؟
هو جه فى مهمة معينة، خلصها، وهيسافر…
كرر كلامه: “يلا يا رهف”
قلت: “أنا مش هاجى معاك… أنا هفضل هنا لغاية ما أمى ترجع”
اتضايق زيادة، وقال بشوية الصبر اللى اتبقوا عنده: “عشان خاطرى يا رهف، يلا… أنا مش بحبك تباتى برا البيت”
“لكن ده بيت خالتى، وأنا اتعودت على كده”
“لما بابا يرجع إعملى اللى إنتى عايزاه… لكن دلوقتى، وإنتى تحت رعايتي أنا، مش عايزك تباتى فى مكان بعيد عنى”
“ليه؟”
“مش هحس إن أنا مرتاح، وأنا تعبان كفاية، ومش ناقص قلق زيادة، يلا تعالى معايا دلوقتى”
حسيت إنى اتغاظت من كلامه…
هو فاكر نفسه مين عشان يتحكم فيا كده؟
إذا كان بابا نفسه عمره ما رفض إنى أبات هنا فى بيت خالتى من وقت للتانى…
هو ماله، ودخله إيه فى الموضوع؟
“مش هاجى”
قلتها وأنا بتحداه…
هو بصلى بعصبية، وصرخ بقوة: “رهف”
اتنفضت بسبب صرخته المخيفة دى… وبحلقتله وأنا خايفة… وضربات قلبى بتتسابق عشان تضخ الدم براه بشكل عشوائي…
عينه كانت مركزة جوا عينى، وعاقد حواجبه، ووشه غضبان، ومكشر، ومرعب…
شكله كان يثير الرعب فى قلب اللى مبيخافش حتى من الوحش…
رجعت خطوتين لورا من كتر الخوف، كان نفسى رجلى تاخدنى، ونطلع نجرى، لكن الخوف صلب أعصابى، ووقف عضلاتى…
ليث مد إيده ليا، فاترعبت ليلطشنى على وشى… لكن إيده وقفت فى نص الطريق…
قلت: “أنا… ه… هجيب شنطتى…. و… آجى بسرعة”
لفيت وأنا مرعوبة، وجريت كام خطوة عشان أهرب منه…
لكن سمعته بينادينى تانى!
“رهف”
اتصلبت فى مكانى، ورجلى اتسمرت فى الأرض، وبعد شوية لفيتله بخوف أكتر من اللى قبله…
إى اللى هيحصل دلوقتى؟؟
هو عايز يضربنى، ولا هيعمل إيه؟؟
أنا شايفاه بيقرب منى أكتر، وأنا مش قادرة أهرب…
لما بقى قدامى بالظبط، بصلي كويس، وقالى: “رهف… إنتى مالك إتخضيتى كده ليه؟؟”
منطقتش، ومخرجش من بقى غير تيارات الهوا السريعة بسبب نفسى اللى مش عارفة آخده بالراحة…
ليث بحلقلى بحزن، وألم، وقال: “رهف… هو إنتى فاكرة إن أنا ممكن أأذيكى بأى شكل من الأشكال؟”
وبعدين كمل: “هو إنتى مجنونة؟ تبقى مجنونة فعلا لو فكرتى كده”
بص على صوابعى اللى بتترعش من الخوف، وبعدين على عينى المرعوبة، وفضل يتنهد بخنقة شديدة…
قال: “تمام… أنا هعدى عليكى بكرا قبل ما نروح عشان نجيب بابا، وماما من المطار… لكن لو كنتى عايزة ترجعى قبل كده عرفينى، ومتطلبيش ده من إبن خالتك”
أنا لسة مبحلقة فيه وأنا مستوعبة نص كلامه بالعافية…
قال بصوت هادى، ودافى، ومليان حنية: “صغيرتى… خلى بالك من نفسك”
خلص كلامه، وقال: “تصبحى على خير”
لف، ومشى بعيد، وساب المكان خالص…
فضلت أنا براقبه لغاية ما غاب… وغاب معاه قلبى، وإحساسي…
مشيت بالراحة، ودخلت البيت… لقيت التلاتة مستنينى…
خالتو سألت: “ها، إيه؟”
قلت: “هييجى بكرا”
بعد كده طلعت أنا، ونهال لأوضتها من أول، وجديد…
قالت: “إنتى كان شكلك متوتر جدا يا رهف، هو كان بيقلك إيه؟”
مسكت إيديها، وقلت: “نهال، أنا هتجنن… أنا مش عارفة هو بقى كده ليه؟ ده مرعب جدا”
“رهف، قال إيه؟ عرفينى؟”
“مش فاكرة هو قال إيه؟ قال إيه؟؟ والله ما فاكرة يا نهال… أنا بفقد تركيزى خالص وهو قريب مني… مش عارفة إيه اللى بيحصل فيا؟”
مقدرتش أمسك نفسى، ودموعى نزلوا من عينى الإتنين، وكانوا بيتسابقوا مين فيهم اللى هيبل الخد الحزين اللى عنده الأول…؟
“رهف… حبيبتى… إمسكى نفسك”
“ده هيسافر تانى يا نهال، وهتحرم من وجوده جنبى تانى، ومن رعايته بيا، ومن إنى أشوفه، وأتعلق بيه، وأسمعه وهو بينادينى: ( يا صغيرتي)، زى ما كان بيعمل من وأنا صغيرة، مفيش حد ندهنى كده خالص غيره لغاية دلوقتى، إزاى هقدر أتحمل حياتى تانى وأنا من غيره، وقلبى فاضى، ومفيش حد ساكن فيه؟ أنا هتجنن يا نهال لو سابنى، ومشى… مش هتحمل ده… أنا بحبه أوي يا نهال… هو كل حاجة بالنسبالى… أنا هعمل إيه من بعده؟ قوليلى هعمل إيه؟ قوليلى”
مكنتش شايفة غير السواد اللى ضلم حياتى، وملاها بسبب ليث قلبي…
برغم الوجع، والتعب اللى أنا فيه…. النوم سابنى، وهرب فى الليلة السودة دى…
………
كنت بتمنى إنى أروح لمكان واسع، وكبير… تيارات الهوا بتطير فيه من غير قيود…
للبحر… اللى هرمى فيه حمولى، وهموم قلبى الحزين…
لكن أنا رجعت البيت اللى حيطانه بتطبق على نفسي… عشان أفضل قاعد مع أختى الغضبانة…
كانت قاعدة فى أوضتها، وحمدت ربنا إننا مش هييجى فرصة نشوف بعض تانى النهاردة…
بعد اللى حصل النهاردة… مبقتش طايق البيت، وكرهت نفسى، وكرهت إن أنا واحد منهم…
بعد ما نور مشى، ليلى جتلى وهى مذهولة، ومش مصدقة، وعينيها بتطق شرار، وغضب…
“سؤال واحد جاوبنى عليه، وبعد كده إنسى إن عندك أخت… يا ليث… قلى… هو أنت كنت فى السجن؟؟”
السؤال الوحد جه وراه عشرات الأسئلة…
الظاهر إن آسر قبل ما يمشى اتعرض لاستجواب شديد، وخلته حكالها على كل حاجة، وزود من عنده كمان…
فى أسئلة كتيرة كنت بهرب من الإجابة عليهم…
اللى أنا شوفته فى عينيها من تقليل، واحتقار كان كافى عندى إنى أقفل الموضوع على كده، ومبررش لنفسى نهائي قدامها…
“أنا مش مصدقة… أخويا أنا قاتل، وخريج سجون؟؟ وأنا اللى كنت فاكراه رجل أعمال كبير درس برا البلد! أنا اللى كنت بتباهى بيك بين صحابي! إزاى هقدر أواجه خطيبي، وأهله بحقيقة تكسف زى دى؟ عشان كده كنت بتتجنب إنك تتكلم عن نفسك؟ قد إيه أنا مصدومة بحقيقتك اللى اتكشفت قدامى النهاردة”
لما بصيتلها، ودت وشها اللى بيعيط للناحية التانية، وجريت على أوضتها عشان تداري وجعها، وتدفن الواقع الأليم…
آديها دلوقتى منعزلة فى نفس الأوضة بقالها ساعات كتيرة…
أنا قعدت فى أوضة آسر مع الأفكار الكتيرة اللى جوايا…
كان قائد الأفكار دى، هى صغيرتي رهف…
كل ما كنت بفتكر الخوف اللى اتملكها وهى واقفة قدامى… كنت بكره نفسى، ووجودى على وش الدنيا…
هو أنا لو مكنتش على الأقل الأمان بالنسبة ليها… هيكون إيه الفايدة من وجودى…؟
إيه اللى اتبقالى؟ أدينى خسرت أهلى عشانها…
آسر، أدينى اتخانقت معاه، وكسرت قلبه، وعضمه كمان…
ليلى، أنا وقعت من نظرها، وبقت بتحتقرني… ورهف… رهف حبيبتى… بتهرب منى، وبتترعش من الخوف بسببي…
هو أنا إزاى خليتها تخاف منى كده، وتفقد ثقتها فيا؟؟
يا ترى هى بتفكر فيا إزاى دلوقتى؟؟
هيبقى إيه موقفها مني لو عرفت بجريمتى، وسجنى؟؟
هتحتقرنى زى ما بتعمل ليلى؟؟ لأ يا رهف… عشان خاطرى…
أنا عمرى ما هتحمل حاجة زى كده أبدا…
أفضل إنى أموت على إنى أعيش وأشوفك وإنتى بتبصيلى بصة إستحقار واحدة بس… مهما كانت جريمتى، وذنوبي…
يا ريت ما تعرفيش…
يا رهف… سا محيني…
ممكن أنا مبقتش ليث اللى إنتى حبتيه، واتعلقتى بيه من وإنتى صغيرة، وكنتى فخورة وواثقة فيه…
لكن أنا ما زلت ليث اللى بيحبك، وبيموت عليكى، وبيهتم بكل حاجة تخصك بجنان…
يا ريتك تعرفي…
أخيرا نمت على ذكريات الماضى الجميل بتاعي…
هى الحاجة الوحيدة الحلوة والحقيقية فى حياتي… والحاجة الوحيدة اللى قدرت تسعد قلبى المكسور، والحزين…
فجأة…
صحيت من النوم صوت ضرب شديد زلزل البيت باللى فيه…
فتحت عينى، ولقيت الليل بقى نهار… والضلمة بقت نار… والسكون بقى زلزال… والهدوء بقى ضجة شديدة، ومهولة…
شايف كل حاجة حواليا بتترعش، وبتقع فى الأرض، وسريرى بيتهز من تحتيا…
فى الأول مكنتش مستوعب هو كابوس ولا حقيقة؟
بسرعة جه صوت انفجار هز حيطان البيت…
نطيت من على سريري وأنا عمال أتطوح بسبب إهتزاز الأرض اللى أنا ماشى عليها…
شفت ليلى جاية جري عليا وهى عمالة تصرخ…
“هو إيه ده؟ قنابل؟!”
لتانى مرة صوت إنفجار كبير نور معاه السما بضى النار… والدنيا اتملت دخان، وريحة حريق كبيرة…
الأرض كانت بتتهز من تحتنا، فمسكت إيد أختى، ونمنا على الأرض…
شوفنا بعينينا قذايف النار وهى بتخترق إزاز البيت، وبتدخل تولع في كل حتة تلمسها…
حاجة لقيناها نازلة بتخرم السقف، ونزلت، وعملت إنفجار…
جريت أنا، وليلى وهى بتصرخ، عشان نبعد عنه أول ما حسينا بيه…
بدأ السقف ينزل حتة حتة فوق دماغنا…
هربنا وجرينا وإحنا مرعوبين ناحية المدخل، وبنحاول ننجي نفسنا بأى شكل…
مكنش حد فينا عارف هو رايح فين، ولا بيدوس على إيه…؟
وإحنا بنعدي من الصالة، وقفت فجأة، وصرخت: “رهف”
نطيت بسرعة ناحية الأوضة بتاعة رهف، وفضلت أصرخ: “رهف! رهف!”
من غير ما أستنى، فتحت الباب بسرعة، ودخلت الأوضة، ومشوفتش غير النار وهى بتاكل فى الأوضة، وبتحرق السرير…
“رهف”
قلبى كان هيقف… لأ هو فعلا وقف فى اللحظة دى…
كنت خلاص هسلم نفسى للنار عشان تاكلنى معاها…
لكن… فجأة افتكرت إنها مباتتش هنا الليلة دى…
مكنتش عارف إيه اللى خلانى أنسى أو أفتكر الموضوع ده، فى الوقت ده…؟
صوت ليلى وصلنى برغم صوت الإنفجارات العالى اللى مغطى على أى صوت فى الدنيا…
لقيتها جاية تجري عليا برعب، وبتقول: “السقف كله وقع… إحنا هنموت”
وبعدين ليلى بصت على سرير رهف اللى بيولع، وصرخت: “رهف”
بان عليها ساعتها إنها دخلت فى نوبة خوف، وصريخ هستيرى…
مسكت إيديها، وقلت: “مش هنا… يلا نخرج فورا”
بدل ما أروح الصالة تانى اللى هتخرجنى للمدخل بتاع البيت، تفكيري وصلنى لمفاتيح العربية اللى فى أوضتى…
خدت المفاتيح، والمحفظة اللى جنبها، وسيبت رجلى تطير فى الهوا، وجرينا أنا وأختى المفزوعة وجرينا بسرعة…
فتحنا الباب، وخرجنا للجنينة، وخرج معانا كل الدخان بتاع النار اللى بتاكل فى البيت جوا…
شوفنا السما وهى مغيمة من كتر دخان الحرايق…
حتى الليل بقى نهار مولع، ولونه أحمر… والأحجار بتترمى علينا زى المطر وهى الإنفجارات عمالة تدوي حوالينا… والأرض بتتزلزل مع كل إنفجار…
خدت ليلى، وفتحنا البوابة الرئيسية للبيت، وشوفنا اللى ما شوفناهوش قبل كده… ولا كنا متوقعين إننا ممكن نشوفه…
شوفنا النار وهى طالعة من كل حتة حوالينا، والبيوت بتقع، والأرض بتتشقق، والناس بتجرى فى كل حتة وهم مرعوبين، ومفزوعين، وعمالين يخبطوا فى بعض، ويدوسوا على بعض…
كانت بتنزل من السما المولعة صورايخ نار بتضرب فى اللى تشوفه قدامها، وتفرتكه مية حتة…
دى كانت أول مرة بشوف فيها قصف جوى وجها لوجه بالمنظر المرعب ده…
كنا فى ميعاد مع الموت…
ليلى وقفت، واتسمرت وهى مفزوعة، وهتموت من الخوف، وبتراقب صاروخ جوي وهو نازل على بيتنا…
شديت إيديها، وبعدنا بسرعة عن البيت، وروحنا على العربية وإحنا حافيين، ومش لابسين حاجة على جسمنا غير هدوم النوم…
أول ما جيت أفتح باب العربية، البيت اتفجر فى لحظتها، ونزلت الحجارة زى المطرة فوق روسنا…
“إركبى بسرعة”
زقيت أختى جوا العربية، وقفلت الباب عليها، وجريت للباب التانى…
دورت العربية، وجريت بيها بعيد عن البيت، وكنت ماشى عكس اتجاه السير، وكنت بدوس على الأرصفة، والأحجار، وأى حاجة بتعترض طريقى، وبكسر كل حاجة بقابلها قدامي…
الشوراع كانت مليانة بالناس الهربانين من النار، ورايحين برده ناحية النار… وكان فيه عربيات قليلة جدا بتمشى…
خدت أقرب طريق بيودى على بيت أبو صبري… مش مهتم بالنار اللى بتنزل عليا من السما…
مكنتش حتى شايف حاجة حواليا بسبب النار اللى قايدة فى كل حتة حواليا…
مكنتش شايف غير صورة رهف مطبوعة على الإزاز اللى قدامى بالظبط…
كان عندي هدف، ولازم أوصل بسرعة…
كل ده كان حاصل فى كام دقيقة مكنتش عارف عددهم ولا طولهم…
وصلت أخيرا لبيت أبو صبري، ولقيت النار بتاكل السقف بتاعه…
“رهف… رهف… لأ… لأ”
فضلت أصرخ زى المجنون وأنا نازل من العربية، وبجري ناحية بوابة الجنينة…
ضربت الباب بقوة، وكسرته، وطرت زى المجنون ناحية الباب الداخلى وأنا بنادى بأعلى صوت عندى: “رهف… رهف”
وأنا رايح على باب البيت، لقيته مفتوح قدامى، وخارجة منه كور النار الضخمة…
كنت عمال أنادى عليها بفزع، وخوف من اللى ممكن تكون حيطان البيت مدارياه عنى…
يا رب، متحرقنيش على صغيرتى، وموتنى أنا قبل ما تلمس النار شعرة منها…
يا رب، لو كنت اخترتها، وخدتها… نزل عليا صاروخ دلوقتى يفجرنى قبل ما أدخل، وأشوفها وهى ميتة…
يا رب أنا أموت قبلها…
“رهف… رهف”
فضلت أصرخ… وأصرخ… وأصرخ….
صريخ حسيت إنه أقوى، وأعلى من صوت القنابل، والصورايخ اللى بتتفجر حواليا وأنا بجرى من غير ما أفكر ناحية النار…
ناحية النهاية…
ناحية الجحيم…
ناحية الموت…
ناحية رهف…
وصلت عند الباب، واستقبلنى لهيب النار القايدة وهى بتخبط فى وشى…
كنت خلاص هدخل جوا النار، لولا إنى سمعت صوت بينادينى من عالم الأحياء…
“ليث”
لفيت عينى يمين، وشمال بدور على مصدر الصوت زى المجنون…
كنت بلف حوالين نفسى، وبصرخ بقوة: “رهف… رهف”
عند زاوية فى طرف الجنينة… شوفت رهف، وعيلة خالتها كلهم واقفين جنب بعض، ومكلبشين فى إيد بعض، ومستنيين المصير المجهول…
بسبب نور قنبلة إنفجرت برا البيت، قدرت أخيرا أشوف رهف وهى واقفة هناك…
وبعدين لقيتها جاية بتجري عليا، وإترمت بين دراعاتي…
“رهف… إنتى كويسة؟؟ فعلا كويسة؟؟ الحمد لله… الحمد لله يا رب”
“ليث… إنتوا عايشين؟”
بصت وراها، ولقت أختى بتصرخ: “رهف”
رهف خرجت من حضنى، واترمت فى حضن ليلى وهى بتقول بعياط: “إنتوا عايشين… إنتوا عايشين”
مسكت الإتنين، وخدتهم فى حضنى، ومكنتش عارف مين فينا إحنا التلاتة اللى خايف أكتر، وقلبه بيدق أكتر؟
إنفجار تانى ملى الدنيا، اترمينا على الأرض وهى بتترعش من تحتينا، زى قلوبنا ما بتترعش من الخوف…
كله بدأ يصوت، ويصرخ، واختلط صوت الصريخ مع صوت الهزات، والإنفجارات…
الإنفجارات وقفت شوية… وقفنا وأنا ماسك إيد البنتين، وبساعدهم على المشي بسرعة ناحية مخرج البيت…
صوت صبري بيصرخ: “رايحين فين؟؟”
قلت: “هنمشى من المدينة بسرعة”
قال: “خليك مكانك يا مجنون… هتتقتل”
قلت للبنتين: “يلا بينا”
صريخ صبري، وعيلته: “خليكوا مكانكوا… القصف لسة مخلصش”
لكن أنا كملت طريقي…
صبري بيصرخ: “رهف، إرجعي هنا، إرجعي يا رهف”
رهف مسكت فيا زيادة، وأنا مسكت إيديها جامد، وإيد ليلى، ورايح بيهم ناحية العربية…
البابين اللى قدام بتوع العربية كانوا مفتوحين…
خليت رهف تدخل بسرعة، وتقعد قدام وأنا بفتح الباب اللى ورا لليلى، وبدخلها…
قعدت، وطرت بالعربية، حتى قبل ما أقفل الباب…
اللحظة دى مكنتش مناسبة لأى حد إنه يفكر… سواء غبي أو ذكي…
طرت بأقصى سرعة للعربية وأنا بعدي أى حاجة تقابلنى، وكنت بحاول أتجنب إنى أخبط فى أى حاجة كبيرة بقدر الإمكان…
شايف الناس بيخرجوا أفواج، وبيجروا من كل ناحية…
أطفال على ستات على رجالة عمالين يخبطوا فى بعض، وبيجروا بشكل عشوائي…
بينزلوا على الأرض وهم مش عارفين يعملوا إيه، ولا يروحوا فين؟
كانوا عمالين يصرخوا وهم هايجين، وفوضويين جدا…
الطوب بتاع تفجير البيوت كان عمال يترمى، ويطير فى كل حتة…
كانت الحجارة، وأشلاء البني آدمين، وأجسام الناس الميتة بيولعوا كلهم مع بعض بالنار… وكانت بتفوح روايح بشعة، مناخيرنا ما كانش عندها حل غير إنها تشمها…
كل ما كان بينفجر حاجة جديدة، سواء بيت أو عربية أو شارع، كانوا البنتين بيتنفضوا، وأنا معاهم، وكنت بغير مساري غصبن عنى، ومش عارف أروح فين…؟
يا ترى إيه هيكون أسرع طريق لتحديد مصيرنا؟؟
هتبقى قنبلة؟ ولا صاروخ؟ ولا حادثة؟ ولا ربنا هيكتبلنا عمر جديد بقدرته؟؟
الرحيم اللى مفيش حد أرحم علينا منه…
كنت شايف قدامى العربيات اللى هربانة من الموت، وراحتله تانى، كانت بتخبط فى بعضها، وبتطير على الطريق…
كان فيه حاجات كتير بتطير على إزاز عربيتى، وبتحجب الرؤية عنى…
مكنش قدامى حاجة غير إنى أكمل طريقي المجهول…
كنا ماشيين زى التعبان، بنتلوى يمين، وشمال كل ما بنلاقي حاجة قدامنا على الطريق، وكنا بنمشى فى كل حارة نشوفها لغاية ما خرجنا على الطريق الرئيسي…
أخيرا قدرت دلوقتى أبص جنبى…
لقيت البنوتة اللى قاعدة جنبي تانية ضهرها، ومنزلة راسها على رجلها، ورافعة إيديها الإتنين، وحطاهم على ودانها عشان تتجنب إنها تشوف أو تسمع أى حاجة…
لكن أنفاسها اللى بتطلع مع العياط كانت بتحرق رجلي الحافية…
“رهف”
متحركتش من وضعها نهائي…
بصيت لورا عشان أشوف ليلى… لقيتها هى كمان مديانى ضهرها، وحاضنة الكرسى اللى هى قاعدة عليه، وعمالة تعيط، وتصرخ…
“يا رب… يا رب”
ما كنش في عندنا أمل فى النجاة غير برحمة ربنا…
ماشى فى الشارع بسرعة مجنونة، ومن غير أي هدف… فى وسط قصف جوي مستمر… والقنابل، والصورايخ بتنزل من السما زى المطر… والأرض بتتزلزل من تحتيا…
معايا بنتين خايفين، وبيصرخوا بفزع، ورعب، والنار محاوطاني من كل جنب…
فى وسط ليلة غدر اتملت سماها بالنار، والشر…
سايب ورايا بيت مهدود، وشايف قدامى مصير مجهول…
عدى وقت قد إيه؟ معرفش…
قطعت مسافة قد إيه؟ معرفش…
البنتين لسة عايشين، وعلى قيد الحياة؟ معرفش…
إحنا نجينا من الموت؟
برده معرفش…
الحاجة الوحيدة اللى أنا ملاحظها، إنى فى وسط طريق بري عادى، وهادى…
مبقتش شايف فوقيا السما القايدة نار… ومبقتش حاسس بالأرض بتترعش…
كمان مبقتش سامع إنفجارات، أو دوشة…
“رهف… ليلى”
مفيش واحدة منهم جاوبت…
“رهف… ليلى، إنتوا سامعنى؟”
برده مردوش عليا…
اتفزعت، ورفعت إيدي اليمين من على الدريكسيون، ووديتها ناحية رهف اللى لسة على نفس الوضع زى ما هى…
“رهف… صغيرتي… ردي عليا”
رهف قامت ببطء، وقعدت كويس على الكرسي وهى لسة مغطية وشها بإيديها، وخايفة تشوف أى حاجة قدامها…
واحدة واحدة فتحت صوابعها، وسمحت لنفسها إنها تشوف الدنيا حواليها…
“خلاص بعدنا… إنتى كويسة؟”
رهف بصت وهى مش مصدقة.. للشارع.. للسما.. للطريق اللى قدامنا.. لليلى اللى قاعدة ورانا.. وليا أنا كمان…
مكنتش قادرة تنطق بأى كلمة…
رجعت تبص لورا، وكانت عايزة تنادي ليلى اللى لسة دافنة وشها فى الكرسى اللى ورا… لكن مقدرتش تعمل كده، ولا تفتح بقها…
أنا بصيت لورا، وندهت على ليلى بصوت عالى: “ليلى… حبيبتى… أقعدي كويس عشان خاطري”
ليلى لفت نفسها لينا، وقعدت، وفضلت تبصلنا إحنا الإتنين…
وبعدين قعدت، وبصت من الشباك المقفول، وقالت: “إحنا فين؟”
قلت وأنا ببصلها من المراية: “الله أعلم… مش عارف”
قالت: “طب إحنا رايحين على فين؟”
قلت: “برده الله أعلم… لكن المهم إننا نبعد عن منطقة الخطر”
بصت وراها، وبعدين بصتلى، وقالت: “إحنا هنعيش؟”
أنا هعرف منين حاجة زى دى؟؟
الله أعلم…
ليلى قربت من المسند بتاع الكرسي بتاعى لغاية ما لزقت فيه، ومدت إيديها من الفتحة اللى بين الكرسيين، ومسكت دراعي، وقالت: “هو ده حقيقي؟؟ ليث أنا بحلم؟؟ أنا لسة نايمة؟؟ أنا مت؟؟ ولا لسة عايشة؟؟”
“ليث”
دى بقى كانت رهف اللى كانت بصالى، وتقريبا كانت عايزانى أواسيها، وأهديها هى كمان…
وبعدين حطت إيديها على إيدينا، ودخلنا إحنا التلاتة فى نوبة عياط، ونواح طويلة جدا…
أنا كمان كنت محتاج أعيط زيهم بالظبط…
اللى أنا شفته كان فظيع، وبشع لدرجة إنه يخلى الجبال الصخرية تنهار…
لكن الدموع هتخلينى مش عارف أشوف قدامي وأنا كنت سايق بسرعة عالية فى الضلمة الكحل…
مسكت نفسي، وركزت فى الطريق…
فجأة ليلى قالت: “نور”
وبعدين بدأت تلطم على وشها، وتندب…
“يا ربي… يا ترى إيه اللى جرالك يا نور؟”
بصتلى وهى بتسألنى: “التليفون؟؟”
لكن التليفون مكنش معايا…
إحنا نفدنا بجلدنا، والله أعلم باللى حصل للى فضلوا هناك…
مهديتش من نوبة الندب، والعياط غير بعد فترة كبيرة…
تقريبا استسلمت للواقع، واللى مخبيهولنا قدرنا المجهول…
خدت بالي دلوقتى من إزازة مياه غازية كنت مشتريها من إمبارح وأنا ماشى بالعربية، ومشربتهاش…
مديت إيدي ناحيتها، وكانت واخدة سخونة العربية اللى هى فيها…
خففت السرعة، ومسكت الإزازة، وفتحتها بإيدى اليمين، وإديتها لرهف…
“إشربي”
مهو أكيد دلوقتى ريقنا ناشف زى الحطب من كتر اللى إحنا شفناه، ومرينا بيه…
رهف مسكت الإزازة بإيديها الإتنين، وقربتها من بقها، وشربت على قد ما زورها اترطب، وبعدين رجعتهالي…
“ليلى… خدى إشربي”
مدت إيديها، وخدتها منى، وشربت شوية، وبعدين إدتهالي تانى، وجه دوري أنا كمان عشان أشرب…
كانت سخنة، وملهاش طعم، لكن العطش اللى كنت فيه خلانى شربتها على بق واحد من غير ما أستطعمها…
الساعة كانت تلاتة وأربعين دقيقة الفجر…
لما شفت أنوار كتير قدامي، وطابور عربيات كبير مرصوصة ورا بعضها… استنتجت إنها نقطة تفتيش أو حاجة زى كده…
خفقت السرعة واحدة واحدة، لغاية ما بقيت واقف فى طابور العربيات…
بدأ القلق يزيد جوايا، وجوا البنتين اللى معايا…
بدأ الطابور يتحرك ببطء شديد، مش مناسب مع تسارع نبضات قلبي، وأنفاسي…
أخيرا دورى جه…
فتحت الشباك اللى جنبى، والظابط طلب رخصتي، وبطاقتي، ورخصة العربية…
بعد كده بدأ يسأل أسئلة عن المكان اللى أنا جاى منه، والمكان اللى رايح عليه…
“أنا هربت مع عيلتى من المدينة الصناعية… اللى فيها القصف المميت… هروح على أقرب مكان آمن”
تقريبا دى كانت نفس إجابة معظم العربيات اللى كانوا واقفين قبليا…
“مين معاك؟”
“أختي، وبنت عمي”
“معاك البطايق بتاعتهم؟”
“لأ، مفكرتش فى حاجة زى كده خالص، إحنا نفدنا بجلدنا بس من هناك”
الظابط دخل راسه من الشباك، وبص على اللى معايا فى العربية…
وبعدين طلب منى إني أوقف العربية، وأنزل…
ركنت العربية على جنب، وجيت أنزل، لقيت البنتين قالوا مع بعض: “ليث”
بصوت كله خوف، وقلق…
لو إنتوا ناسيين أنا هفكركوا إن أنا أصلا بموت من الخوف من الشرطة، والعساكر، بعد اللى أنا شوفته فى السجن طول السنين دى…
لو كان مطلوب منى إنى أطمن البنتين، فأنا كمان محتاج حد يطمني الأول…
قلت بصوت قلقان، ومتوتر: “متقلقوش، هشوفهم عايزين إيه؟”
نزلت من العربية، ورجلي الحافية داست على الأرض، وروحت للمكان اللى واقفين فيه رجالة الشرطة مع شوية السواقين بتوع العربيات المركونة جنب عربيتي…
الجو كان ساقعة جدا، والأرض كمان…
لكن رعشة جسمى الحقيقية كانت بسبب القصف، ورجالة الشرطة اللى واقفين قدامي…
اللى حصل… الظباط سألوني كام سؤال، وسجلوا معلومات عني، وبعدين طلبوا مني إنى أفتحلهم العربية عشان يفتشوها…
رجعت للعربية، ومعايا إتنين منهم بعد عشرين دقيقة تقريبا…
فتحت باب العربية لرهف الأول، وقلت: “إنزلوا، عايزين يفتشوا العربية”
البنتين متحركوش على طول…
رهف بصت حواليها، ولقت جنبها كوفية ليا، كنت ناسيها إمبارح فى العربية…
خدتها، وحطتها عليها، وغطت نفسها، ونزلت وهى رجليها حافية هى كمان، ووقفت جنبى بالظبط…
لما فتحت الباب اللى ورا عشان ليلى تنزل، رفضت، وشاورت على شعرها…
ليلى مكنتش لابسة طرحة…
بصيت حواليا ملقتش أى حاحة أغطى بيها راس أختى… ده غير رجلها هى كمان…
قلعت قميص البيجامة بتاعة النوم بتاعتي، وإديتهولها عشان تتغطى بيه، ولما نزلت لزقت فيا من ناحية، ورهف كانت لازقة فيا من الناحية التانية…
مسكت إيد البنتين، ومشيت بعيد عن العربية شوية، عشان أوسع الطريق للعساكر إنها تفتش العربية…
بعد ما خلصوا مهمتهم، سألتهم: “ينفع نمشي؟؟”
واحد منهم قال: “مش دلوقتى، المشى من المنطقة دى ممنوع لحين إشعار آخر”
وبعدين شاور على الناحية التانية من الشارع، وقال: “خليكوا هناك”
بصيت هناك لقيت ناس كتيرة وقفوهم رجالة الشرطة زينا بالظبط… كانوا شوية قاعدين، وشوية واقفين، ومتفرقين فى الشارع…
مسكت إيد البنتين كويس، وعديت بيهم الشارع، وإحنا رجلينا الحافية ماشية تطرقع فى الأرض الفاضية…
جسمنا كان عمال ياخد جواه الهوا الساقع، وبيخليه يقشعر…
كنا ماسكين إيد بعض زيادة، ومكلبشين فى بعض، والناس اللى حوالينا مشغولين بحالهم، ومش بيبصوا علينا…
كنت سامع صوت العياط، والصريخ وهو طالع بيدوي فى السما من كل ناحية…
برفع راسي ليها، وبشوف بدر الليلة الستاشر من شهر الحج بيشهد مصيبة شعب غدر بيه عدوه، وإنتهك عرضه، وحرمته من غير سابق إنزار…
عين الله شاهدة على كل اللى حصل… عين الله لا تنام…
تعبنا من كتر الوقفة، والإنتظار، وقعدت فى النص بين ليلى، ورهف جنب الطريق على الرملة الناعمة عشان أسترد جزء من قوتي، وأفكر هعمل إيه…
حوالينا كان فيه ناس كتير متفرقين… وسامعين عياط الأطفال، والستات…
شايف رهف بتفرك إيديها فى بعض بقوة، وعمالة تنفخ فيهم عشان تتدفى…
كانت بتترعش من كتر البرد…
كنت سامع صوت سنانها وهى بتطقطق فى بعضها كن كتر التلج…
أما بقى ليلى، فكانت مستخبية جوا القميص، وساكتة، ومستسلمة للى حاصل حواليها…
الشمس مكنتش لسة طلعت… والتعب كان خلص علينا…
قاعدين، وشايفين رجالة الشرطة وهم عمالين رايحين جايين، وإحنا عينينا متشعلقة بيهم، ومستنيينهم يسمحولنا نمشي من هنا…
بصيت ناحية رهف، وسألتها: “إنتى بردانة؟”
صغيرتي بصتلى وهى شفايفها بتترعش، وجسمها عمال يتنفض، ومش قادرة ترد…
أنا كمان كنت حاسس بالبرد… مكنش فيه حاجة تغطى عضمي غير الفانلة الداخلية الخفيفة…
لكن… لو أنا اتحملت ده، إزاى بنت صغيرة ممكن تتحمله؟؟
بصيت على شوية الظباط اللى واقفين جنب العربية، وقلت: “خلونا نروح نقعد فى العربية”
وقفت، والبنتين وقفوا بعديا، ومشيت، وهم مشيوا ورايا، وماسكين فى إيد بعض، ومرعوبين…
لغاية ما وصلت جنب رجالة الشرطة…
بصولى بنظرات شك، وسألنى واحد منهم على اللى أنا عايزه…
“عايز أقعد فى عربيتي، تلجنا من كتر الساقعة، ومش قادرين نتحمل أكتر من كده”
“إرجع مكان ما جيت يا راجل أنت”
“لكن… الجو برد جدا، والبنتين مش قادرين يتحملوا قسوته”
الشرطى بص على البنتين، ومعلقش…
واحد تانى قال: “خليكوا فى المكان اللى فيه الناس هناك، ومتتحركوش”
قلت بإصرار: “هيموتوا من البرد”
سكت كام ثانية، وبعدين كملت: “إنتوا فاكرين إننا هنهرب… أنا هديك مفتاح العربية عشان تتطمن إننا مش هنروح حتة”
دخلت إيدي فى جيبى، وخرجت مفاتيح العربية، وقدمتهاله…
الشرطى بص على زمايله، وبعدين مد إيده عشان ياخد المفاتيح، واللى معاها…
المفاتيح كانت متعلقة فى ميدالية رهف هدتنى بيها ليلة العيد…
مسكت المفاتيح، وشلتها من الميدالية، وشلت باقى المفاتيح معايا، وإديتله مفتاح العربية بس…
لما خد المفتاح سمحلنا إننا نروح العربية، ونقعد فيها…
لما فتحت الباب اليمين اللى قدام، البنتين وقفوا يبصوا لبعض، ومش عارفين مين فيهم اللى تركب…؟
رهف رجعت لورا، وسابت ليلى هى اللى تركب، وفتحت الباب اللى ورا، وقعدت على الكرسى الخلفى…
لما قعدنا جوا العربية، فضلنا ساكتين فترة طويلة، وبدأت أجسامنا تدفى شوية بشوية…
مكنش حد فينا عارف يفكر، كنا بس فى حالة ذهول، وعدم تصديق للواقع الأليم اللى إحنا عيشين فيه دلوقتي…
مستنيين اللى مخبيه لنا القدر فى وسط ضلمة الليل اللى حوالينا…
سندنا راسنا على مساند الكراسي اللى ورانا، عشان نحاول نفصل، ونوقف دماغنا عن التفكير…
كنت كل شوية ببص على البنتين عشان أتطمن عليهم…
رهف فردت نفسها على الكرسى اللى ورا، وغالبا راحت فى النوم…
بصيت من شباك العربية على السما، وشفت خيوط الفجر بتتسحب واحدة واحدة…
ربنا حط ذكره فى قلبي…
“الصلاة”
قلت كده، وبصيت على ليلى اللى قاعدة جنبى، وشبه نايمة… لقيتها بصت عليا بعين نص مفتوحة، وبعدين غمضت عينيها خالص…
أما رهف… فهى متحركتش من مكانها نهائي…
بصيت على الناس، فلقيت جزء منهم بيركع، وبيسجد على الرملة…
قلت: “أنا هروح أصلي”
ليلى فتحت عينيها تانى، وبصتلى، وشوية وقفلتها…
“خلى بالكوا من نفسكوا… دقايق، وراجع على طول”
مديت إيدي لأوكرة الباب، وفتحتها، وخرجت…
قفلت الباب، ومشيت كام خطوة بعيد عن العربية، قبل ما أسمع صوت باب العربية وهو بيتفتح، وحد بيناديني…
“ليث”
بصيت لقيت رهف نازلة من العربية، وبتجري ناحيتي…
قربتلها، وبصيت فى وشها المفذوع…
“إنت رايح فين؟”
قالت كده وهى عمالى تنهج، وخايفة…
“هصلى مع الناس، وجاى على طول”
بتكلم وأنا بشاور على الناس اللى بيصلوا الناحية التانية…
رهف قالت بسرعة: “متمشيش”
قلت: “هصلى، وأرجع بسرعة… صدقينى”
“متمشيش… متسبنيش لوحدي”
قلت وأنا بحاول أطمنها: “ليلى معاكي… شوية صغيرين بس”
رهف حركت راسها وهى معترضة على كلامي، وبتقول: “متمشيش… مش كفاية اللى إحنا فيه؟ متبعدش عننا يا ليث… عشان خاطري”
مقدرتش أعمل حاجة غير إنى رجعت تانى معاها عند العرببة…
إتيممت، وصليت الفجر وأنا لازق فى العربية…
أول ما خلصت صلاة، سمعنا صوت عالى جاى من السما…
بصينا كلنا لفوق، وشوفنا طيارة بتخترق الهدوء بتاع الفجر…
شوية من الناس صرخوا: “قنابل”
هنا الناس بدأوا يتفرقوا، ويصوتوا، ويحاولوا يهربوا…
فضلوا يجروا بفوضى شديدة، وكنت شايفهم وهم بيجروا على الشارع عشان يبعدوا عن الطيارة…
فتحت بابين العربية بسرعة، وقلت: “يلا بينا”
مسكت إيد البنتين، وفضلت أجري بيهم عشان نهرب بأقصى سرعة…
“إجروا… إجروا بسرعة”
دخلنا جوا مجموعة الناس اللى بيجروا، وبيصرخوا…
ده بيزق ده، وده بيخبط فى ده، وده بيدوس على ده، وكله مطحون فى بعضه…
إحنا كنا عمالين نجري من غير وقوف، ومن غير ما نبص ورانا أبدا…
صوت ضجيج الطيارة فوقينا، وبيهز الأرض اللى بتترعش من جرينا عليها وإحنا حافيين…
سامع صريخ من كل ناحية… صريخ ليلى، ورهف… وصريخى أنا كمان…
ماسك إيد الإتنين جامد، وسايب رجلي للرياح تشيلها، وتطير بيها…
يتكعبل اللى يتكعبل… يتزحلق اللى يتزحلق… يتدحرج اللى يتدحرج… يقع اللى يقع… ويتكسر اللى يتكسر… ويتداس اللى يتداس… مفيش حاجة هتخلينى أوقف طيران رجلي، مفيش حاجة هتمنعني إنى أنجى بيهم…
كنت بسابق الزمن، وقربت أسبقه…
الوقت ده كان من أكتر الأوقات صعوبة، وفظاعة… مفيش حاجة هتعديه غير يوم الحشر…
عربيات الشرطة، وعربيات تانية شوفناها وهى بتعدى الطريق، وبتسبقنا…
سمعنا صوت ضرب نار زودنا خوف على خوف، وصريخ على صريخ…
قطعنا مسافة مش عارف قد إيه…؟
كنت ساحب البنتين ورايا وهم مش قادرين يلاحقوا على خطواتى الواسعة… كانوا عمالين ينطوا، ويطيروا عشان يجروا معايا…
فجأة… رهف وقعت على الأرض، وبقيت عمال أسحب فيها لغاية ما قدرت أوقف رجلى عن الإندفاع الشديد فى الجري…
الناس بقت عمالة تجري، وداسوا عليها تحت رجلهم…
صرخت: “قومي يا رهف”
لكن هي كانت ماسكة رجلها، وبتتلوى من كتر الوج، وبتصرخ…
“رجلي… رجلي”
قعدت على ركبتي قدامها، ومسكت رجليها الحافية، لقيت قطعة إزاز كبيرة محشورة فيها، والدم عمال ينزل منها…
أكيد هي داست غصب عنها على قطعة الإزاز دي وهي بتجري من غير ما تاخد بالها…
مسكت حتة الإزاز دي، وشلتها بقوة، ورهف كانت بتصرخ جامد…
بعد كده مسكتها من إيديها، وقمنا وقفنا، وطرت وأنا ماسك فى إيد البنتين بالعافية…
رهف كانت عمالة تصرخ من كتر الوجع، وبتجري على صوابع رجلها المتعورة، وبتجيب دم، وبتنقط…
“آه… مش قادرة أتحرك… مش قادرة”
ده خلى سرعة جرينا تهدى، وتبطأ…
بعد كده، رجعت إترمت تاني على الأرض…
ضغطت على الجرح اللي في رجلها، وقلت: “قومي يا رهف، بسرعة”
“مش قادرة، رجلي بتوجعني، آه… مش قادرة”
“يلا يا رهف، عشان ننفد بروحنا”
“لأ، مش هقدر”
أفكر… لأ، مفيش مجال…
أتردد… لأ، مفيش مجال…
عشان أنجى بأختي، وحبيبتي، مستعد أعمل أى حاجة فى الدنيا…
شيلت صغيرتي من على الأرض، ورفعتها على دراعي، وكان وشها باصص ورا ضهرى، ورجلها قدامي… وكانت خافسة راسها فى كتفى…
قلت: “إمسكي فيا كويس”
كنت ماسكها بإيدى كويس جدا، وخايف إنها تتزحلق… وكنت ماسك أختى يإيدي التانية، وبسابق الرياح…
شوية أزود، وشوية أخفف السرعة عشان آخد نفسي، وأخلى أختي تاخد نفسها اللى اتقطع…
كنا خلاص هلكنا من كتر التعب…
رفعت عيني للسما، ملقتش أى طيارات، وودنى مكنتش سامعة أى دوشة…
إتلفت حواليا، لقيت الناس مترمية على الأرض، فيهم اللى قاعد، وفيهم اللى نايم، من كتر ما كانوا تعبانين، وطاقتهم خلصانة…
حودنا شمال، وبعدنا عن الشارع، ووقفنا على الرملة اللى جنب الطريق…
سيبت رهف، وليلى من إيدي، واترميت على الرملة، وفضلت آخد نفسي بقوة… لدرجة إنى حسيت إن الرملة الناعمة اللى بتطير حواليا بتدخل مناخيري مع كل نفس…
فضلت أكح، وأعطس عشان أحاول أطرد التراب من جوايا…
فضلت كده بتاع دقيقتين من غير أى حركة…
جسمى كان تعبان جدا، ومحتاج كميات كبيرة من الأوكسجين، عشان يطرد الغازات السامة اللى دخلت جواه…
لما فتحت عينى، وبصيت يمين، وشمال لقيت البنتين مرميين على الرملة زيي بالظبط…
ليلى كانت مفرودة، ونايمة على ضهرها، ورهف كانت قاعدة، وماسكة رجليها، وبتدوس على الجرح اللى فيه وهى بتتوجع…
مكنش عندى طاقة إنى أقدر أقوم أو أتحرك نهائي…
الشمس بعتت أول دفعة من خيوط النهار الذهبية عشان تتفرد فى السما، وتمحى الظلام…
واحدة واحدة بدأت جيوش الضوء تحتل السما، وتملى الكون، وتكشف المستور، وتبين اللى مختفى…
بعد كده بدأت أسترد شوية قوة من جوايا، وقعدت أراقب رهف اللى بتعيط من الوجع وهى شعرها مكشوف، وبينزل خمارها على كتفها…
جرحها كان لسة بينزف، والدم سقى الرملة اللى حوالين رهف… وكمان بقع على هدومها، ولقيت بقعة منه على هدومي أنا كمان…
هى كانت عمالة تنقط وأنا شايلها…
“خلينى أشوف”
قلت كده، وقربت وشي من رجلها عشان أشوف الجرح العميق، والرملة، والتراب، والزبالة اللى دخلت جواه قبل ما أشيلها…
قعدت أدور على حاجة حواليا عشان أمسح بيها الجرح، وملقتش…
القميص اللى ليلى لفاه حوالين راسها، قطعت الكم بتاعه، ولفيته على جرح رهف…
وبعدين خدت الخمار بتاعها، ولفيته على راسها بنفسي…
بعد كده ليلى قالت بانهيار: “إيه اللى بيحصل؟؟ بالله عليكوا حد يعرفنى… هو ده حقيقي؟؟ هم عملوا فينا كده ليه؟؟ إيه اللى حصل لنور، ولآسر؟؟”
فتحت بعد كده فى العياط، والندب…
خدتها فى حضنى عشان أحاول أهديها، وخليتها جوا دراعاتي شوية وقت وهى رهف قاعدة تراقبنا…
بعد كده، شوفنا الناس قاموا، ومشيوا فى نفس الإتجاه اللى كنا ماشيين فيه… فوج ورا فوج، وجماعة ورا جماعة…
قلت: “يلا بينا”
ليلى قالت: “على فين؟”
“مش عارف، هنمشى مع الناس دى”
قالت: “هنموت فى الطريق، ومش هنقدر نكمل”
قلت: “لو الشرطة مكنتش خرجتنا من عربيتنا، وخدت المفتاح، كان زماننا دلوقتى عدينا كل ده، وروحنا مكان أمان… مش عايز أرجع ورا، ولا أمشى بعيد عن الناس… أنا حاسس إن إحنا قربنا على مدينة جديدة”
قامت معايا، ومشينا على مهلنا، ورهف كانت ماشية بتعرج، وساندة على ليلى، وكانت بتقف كل شوية ترتاح…
مشينا مسافة طويلة من غير أى هدف… شوية نرتاح، وشوية نكمل…
الشمس بقت فوق راسنا بالظبط وإحنا ماشيين حافيين على الطريق…
كنا حاسين بتعب شديد جدا، ومهما مشينا شايفين الطريق لسة طويل، ومفيش أى عربيات ماشية فيه…
وقفنا بعد مدة طويلة عشان نرتاح شوية… وراحة إيه بقى؟
“أنا عطشانة”
رهف بتقلى وهى بتبصلى بتعب، وإرهاق شديد…
أعمل إيه يا رهف؟ إيه اللى فى إيدي عشان أعملهولك؟؟
لو كانت عينى عين مياه، كنت قدمتهالك، وسقيتك منها، حتى لو هتشربيها كلها، وتسيبينى ناشف… أو حتى أعمى… مش هتفرق…
لكن أنا قربت أموت من العطش زيك بالظبط، والطاقة اللى عندى متكفيش عشان أكمل بيها الطريق…
إحنا أكيد هنموت لو فضلنا هنا بالمنظر ده…
أنا شايف كل الناس بينهاروا حواليا من كتر التعب، والعطش، والجوع… وفيهم اللى بيموت، وفيهم اللى كان بيسيبنا، وبيمشي من طريق تانى لوحده…
لازم نسرع نفسنا، وإلا كده هنموت…
“يلا بينا”
ليلى قالت: “أنا تعبانة أوي… خلينا نرتاح شوية”
قلت وأنا مصر على كلامي: “لأ، لازم نمشي بسرعة قبل ما حاجة تاني تيجي، وتخلص علينا”
أجبرت البنتين إنهم يقوموا، ويمشوا بأقصى سرعة عندهم…
رهف بان عليها إنها جابت آخرها… عمالة تتطوح وهى ماشية، وبتمشى ببطء رهيب… بتجر فى رجليها جر وهى بتتوجع، وبتلهث من كتر الجفاف اللى هي فيه…
ماشية مغمضة عينيها، ومدلدلة دراعاتها، وبعد كده بتقع على الأرض…
مسكتها، وفضلت أهز فى كتفها عشان تفوق…
“رهف… إمسكي نفسك… فوقي”
رهف كانت بتحاول تفتح عينيها بالعافية، وبتتكلم وهى مش قادرة تاخد نفسها: “مياه… عطشانة… هموت… ليث… متسبنيش”
بعد كده فقدت الوعي تماما…
فضلت أهزها أكتر، وأصرخ: “رهف… فوقي… فوقي يا رهف… عشان خاطري… يلا اتشجعي، وقومي”
فتحت عينيها ثانيتين، وبعدين غمضتهم باستسلام تام…
وبعدين سمعت صوت حاجة دبت فى الأرض، وبصيت… لقيت أختي هى كمان مرمية على الأرض…
جريت عليها عشان أفوقها: “ليلى… قومي… خلاص قربنا نوصل”
“تعبانة أوي… خلينى أرتاح شوية”
بصيت للشمس لقيتها عمالة تبعد عننا، وبتنبهنا بقرب رحيلها، وانتهاء نهارها…
سيبتهم يرتاحوا شوية صغيرين، وبعدين خليتهم يقوموا…
ليلى بتسحب فى رجليها سحب، ورهف ساندة عليا، وبجرها معايا..
وصلنا بعد كده لمحطة بنزين…
لقيت الناس اللى كانوا فاضلين حوالينا بيجروا عليها، يقتحموا السوبر ماركت زي المجانين عشان يدوروا على مياه…
جريت أنا والبنتين على هناك إحنا كمان، ولما قربت، ولقيت الناس بتتخانق عشان تدخل، سيبت البنتين يقفوا على جنب، وقلت: “استنوني هنا”
سيبت إيديهم وأنا بقول: “متتحركوش من هنا خطوة واحدة”
جريت عشان أروح مع باقى الناس…
رهف صرخت، وهى صوتها مبحوح: “متروحش”
قلت: “هجيب مياه… إستنيني”
مشيت خطوة واحدة، ولقيتها ماسكة دراعي، وبتسحبني ناحيتها، وبتقول وهى خايفة: “متمشيش يا ليث… عشان خاطري… لأ… لأ”
فلت دراعى منها، وقلت وأنا متعصب: “سيبينى أروح عشان ألحق أجيب مياه، وإلا الموت هو اللى هيلحقنا، إنتى هتموتي لو مشربتيش”
“أنا هموت لو مشيت”
مش عارف أوصف الشعور اللى أنا حسيت بيه ساعتها…
فى قمة الضعف، واليأس، والإستسلام… شايف صغيرتي وهى متشعلقة فيا وخايفة إنى أسيبها لوحدها…
لكن أنا كنت شايف إن الموت كان أولى إنها تخاف منه، وتلحق نفسها…
قلت لليلى: “إمسكيها كويس”
زقيت إيديها بعيد عني، وجريت على السوبر ماركت وأنا سامع صريخها…
دخلت فى وسط الزحمة، ومقدرتش أطلع غير بإزازتين مياه صغيرين، وعلبة عصير ضربت برجلي اللى كان بيحاول ياخدها من إيدي…
خرجت بالحاجة اللى معايا، وروحت على المكان اللى سايب فيه البنتين، وملقيتهمش…
دورت يمين، وشمال، وبرده مفيش أثر…
“رهف… ليلى… إنتوا فين؟”
فضلت أنادى على رهف، وليلى ومش لاقيهم…
شوية، وسمعت صوت ليلى بتنادي: “ليث… إلحقنى… إحنا هنا”
لقيتها قاعدة جنب خزان البنزين، ورهف مرمية على الأرض جنبها…
جريت عليها وأنا مفزوع…
“إيه اللى حصل؟؟”
“شكلها ماتت… مش عارفة مالها؟ مش راضية تفوق”
مسكت رهف، وفضلت أهز فيها بقوة وأنا بصرخ: “رهف… فوقي… أنا جيبت المياه… يلا قومي”
رمشت بعينيها بالعافية…
فتحت علبة العصير، وحطيت طرف الشفاطة جوا العلبة، وطرفها التانى فى بق رهف…
ودوست على العلبة عشان العصير يطلع فى بقها بسرعة…
رهف حركت شفايفها ببطء، وبدأت تشرب العصير، وتبلع فيه…
“إشربي… إشربي”
أما ليلى فخدت إزازة مياه، وشربتها كلها مرة واحدة…
أنا، ورهف قسمنا الإزازة التانية…
“إشربي أكتر… إشربيها كلها”
شوية من الناس كانوا عمالين داخلين خارجين من السوبر ماركت، وشايلين الأكل، والشرب… من غير ما يراعوا باقي الناس اللى حواليهم… ولا يراعوا حق صاحب السوبر ماركت المختفي…
فى الوضع ده الواحد بينسى كل حاجة، وبيفتكر إزاى ينقذ نفسه، وعيلته بس…
رهف رجعت لوعيها بشكل كامل، ورجعت شوية طاقة من المفقودة…
“إنتى كويسة دلوقتي؟ تقدري تقفي؟؟”
هزت راسها بالموافقة، فقومنا إحنا التلاتة وأنا ساندها…
قلت: “هروح أجيب أكل يدينا شوية طاقة عشان نعرف نكمل مشي”
رهف قالت: “أنا تعبانة… مش هقدر أمشي أكتر من كده… مش هقدر”
بصيت على ليلى، وقالت هى كمان: “ولا أنا… خلينا نرتاح ساعة بس”
الحقيقة بقى، إن كل الناس قعدوا عشان يرتاحوا، وياكلوا الأكل اللى خدوه…
اخترنا مكان إحنا كمان عشان نقعد فيه… كنا بعيد شوية عن الناس التانية… ده عشان مخليش البنتين عرضة لعيون الناس الغريبة…
بعد ما قعدنا هناك، كنت عايز أرجع السوبر ماركت، وأجيب شوية أكل… لكن رهف منعتني… فلزمت مكاني، ومتحركتش…
كنت شايفها بتدوس على الجرح بتاعها كل شوية… وتعبيرات وشها كلها وجع، وكنت سامعها وهى بتتألم…
قلت: “هو بيوجع اوى؟ إتحملي يا صغيرتي… شوية صغيرين بس إن شاء الله”
كلامي مكنش بيزودها حاجة غير إحساس بالألم أكتر…
“أنا تعبانة”
قالت كده وهى بتحاول ترفع راسها بالعافية، وكانت خلاص هتقع منها… وعمالة تبص بعينيها على المكان حوالينا، وتفرك إيديها من البرد…
قلبى اتفطر وأنا شايفها بالمنظر ده، ومكنتش عارف أعمل إيه؟؟
صغيرتي بتتوجع قدامي، وقربت تموت… أتصرف إزاي؟
لما شافتنى وأنا براقب حركاتها، وألمها، قالت: “أنا عايزة أنام أوى”
قلت: “إفردي جسمك، ونامى يا صغيرتي”
حركت راسها معترضة على اللى أنا بقوله وهى عينيها عمالة تفتح فيهم بالعافية…
رأفت بحالتها اللى تصعب على الكافر، وقلت: “افردي يا رهف… إنتى تعبانة جدا… يلا استرخي شوية”
رهف بصت على ليلى، وعلى الناس، وبعدين عليا وهى مترددة…
قلت عشان أشجعها: “يلا يا صغيرتي… متخافيش من حاجة”
ليلى بدأت هى، وفردت نفسها عشان تنام، فرهف اتشجعت، وفردت جسمها هى كمان…
لكن قالت قبل ما تنام: “متروحش لأى مكان يا ليث… عشان خاطري”
قلت: “متقلقيش… أنا هنا، ومش هروح فى حتة”
وبعدين فردت نفسها على الرملة، وغمضت عينيها…
أنا كمان فردت جسمي على الرملة عشان أرتاح شوية…
في اللحظة دى لقيت رهف قامت، وقعدت وهى بتقول: “إنت هتنام؟؟”
قلت: “لأ، أنا هسترخى شوية بس”
كانت مترددة جدا…
قلت: “إرجعي نامى يا رهف… إطمني”
رجعت نامت على الأرض… وهديت شوية، وبعدين قامت، وقعدت، وبصت عليا تانى…!
قلت: “فى إيه؟؟”
قالت: “متنمش يا ليث… بالله عليك”
قعدت كويس، وقلت: “مش هنام يا صغيرتي… نامي إنتي، وأنا هقعد إراقب الدنيا… إتطمني”
أخيرا قلبها إتطمن، أو تقريبا النوم غلبها من كتر التعب… فاستسلمت، ونامت فورا…
فى الطل… نايمين، ومفرودين على الأرض، والسما مغطيانا… الهوا الساقع عمال يهب علينا، ويتلج إيدينا، ورجلينا… وبيقشعر أجسامنا، وقلوبنا اللى مش لاقية أى حاجة تهدي من رعبها…
الليل كان بيعدي ساعة ورا التانية، من غير ما نحسب الوقت…
البدر رجع تانى يراقبنا، ويشهد على التشرد اللى إحنا فيه… كنا فى حالة مترضيش ربنا…
براقب البنتين، وألاقيهم غرقانين فى النوم وأنا تعبان جدا، والهدوء، والضلمة مالية الدنيا، ومعظم الناس نايمين نوم عميق…
النوم كان عايز يغلبني أنا كمان… أنا تعبان، ومجهد جدا… لكن أنا كنت بقاومه وبتحداه…
إزاى عينى هتقدر تغفل والبنتين نايمن فى الطل بالمنظر ده، وعرضة لأى حاجة، وكل حاجة؟
وقفت عشان أطرد النوم من عيني، وفضلت رايح جاي حوالين البنتين…
كل شوية كنت بقرب منهم، وبراقب أنفاسهم عشان أتأكد إنهم لسة على قيد الحياة…
أنا تعبان… تعبان… قربت أنهار… راسى دايخة، والدنيا بتلف حواليا، وعينى عمالة تغمض لوحدها…
يا رب… أحرسنا بعينك التى لا تنام… ألطف بينا، وإرحمنا برحمتك التى وسعت كل شئ… يارب إحمينا تحت ظلك يا كريم…
ينفع أغمض عيني لحظة واحدة بس؟ عشان أهدى الوجع، والنار اللى فيها… لحظة واحدة بس يا رب…
قلبى مطاوعنيش زى جفني اللى رفض إنه يغفل عنهم طرفة عين واحدة…
وأنا فى الحالة دى، بعد ما عدى شوية وقت… شفت نور بيقرب مننا، وجاى من آخر الشارع…
دى عربية! دى أول عربية تعدى من الشارع من ساعة ما إتشردنا فيه!
مكنتش غير مجرد عربية نقل… أول ما الناس شافوها، جريوا عليها عشان يطلبوا النجدة…
جريت على البنتين، وصحيتهم…
“رهف، ليلى… يلا قوموا بسرعة”
فتحوا عينيهم وهم مفزوعين… مديت إيدي، وسحبتهم عشان يقفوا…
قلت: “يلا نلحق العربية دى”
مسكت إيديهم، وجرينا، ولحقنا الناس اللى بيتسابقوا عشان يركبوا العربية، وركبنا معاهم…
سواق العربية كان بيزعق، وبيقول: “إستنوا عشان أحطلها بنزين”
لكن الناس قفشوا فى العربية بجنان…
بعد كده العربية طلعت باللى فيها، وكانت ماشية بسرعة مش وحشة…
كان شوية ناس واقفين، وشوية قاعدين، وإحنا التلاتة كنا ضمن اللى واقفين…
كنا واقفين على أول صندوق العربية… البنتين لازقين فى راس العربية، وأنا لازق فيهم بالعافية، وفاتح دراعاتي على آخرها عشان أحاول أحميهم من أى لمسة…
بعد ما مشينا ساعة أو أكتر… مش عارف بالظبط… وصلنا على بداية واحدة من المدن…
السواق وقف العربية، وقال: “يلا، إتكلوا على الله فى طريقكوا”
نزلنا كلنا من العربية، واتفرقنا… شوية هنا، وشوية هناك… الناس كانوا بيدوروا على أى ملجأ ليهم…
أنا وقفت محتار… هروح فين فى الليل الكحل ده وأنا معايا البنتين التعبانين دول؟؟
بصيت حواليا، ولقيت يافطة عليها سهم، ومكتوب عليها المدينة الزراعية الشمالية، واللى موجودة قريب مننا…
نجحت بعد محاولات كتير إنى أقنع السواق يودينا هناك بمقابل مادي، وتحديدا لمزرعة فهيم…
دى الفكرة اللى قدرت تخطر على دماغي المرهقة فى الوقت ده…
الحمد لله إنه ألهمني إني آخد المحفظة اللى كانت جنب المفاتيح…
المسافة مكنتش بعيدة، وصلنا بعد فترة قصيرة لهناك…
نزلنا من العربية، وشكرت السواق، وشجعت البنتين على المشي معايا…
ليلى قالت: “إحنا رايحين فين؟”
قلت: “عيلة صاحبي عايشين هنا، هطلب منهم يستضيفونا الليلة دى، إحنا تعبانين جدا”
كل اللى فات كان شبه الكابوس، لكن هو للأسف كان واقع بشع…
بوابة المزرعة كانت مفتوحة كالعادة، ومشينا عشان نروح للبيت…
ليلى ماسكة فى قميصى الملفوف حوالين راسها، ورهف بتجر رجليها المجروحة، والإتنين ماسكين إيدي من الناحيتين…
عند عتبة باب البيت، سابونى عشان أطلع أخبط…
خبطت، ورنيت الجرس، وسمعت صوت بيسأل عن اللى بيخبط، وجاوبت: “ليث شكري”
وبعدين لقيت الباب بيتفتح، وواقفة وراه رضوى فهيم…
……………
البنت اللى كانت باصة من ورا الباب، عينيها برقت جدا، وبصت علينا كلنا بنظرة ذهول، وقالت: “أستاذ ليث!”
ليث قال: “مساء الخير… هو عم إياس موجود؟”
“خالو فى الطريق جاى على هنا”
وبعدين رجعت تبص عليا أنا، وليلى، وقالت: “إيه اللى حصل؟؟”
ليث قال: “هربنا من القصف الجوي، ونجينا بمعجزة”
البنت حطت إيدها على صدرها، وشهقت، وقالت: “هو إنت عايش فى المدينة الصناعية؟”
“آه، مع عيلتي”
قال كده وهو بيشاور علينا…
وبعدين قال: “المدينة كلها اتدمرت، ودلوقتى بقينا من غير مأوى”
البنت فتحت الباب على مصراعيه بسرعة، وقالت: “تعالوا أدخلوا”
ليث قال: “هنستنى عم إياس”
لكن البنت أصرت: “إتفضلوا ادخلوا بعد إذنكوا”
وبعدين بصت جوا، وبدأت تنادي: “ماما”
ليث دلوقتى بص علينا، وقال: “تعالوا”
اترددنا شوية لكن بعد كده دخلنا معاه جوا…
فى النور قدرت أشوف وش البنت اللى مكنش باين كويس فى الضلمة اللى برا البيت…
بنت بيضة جدا، وشقرة، عينيها زرقا، وخدودها حمرا… ملامحها أجنبية…
جت ست تانية، ولما شافت ليث رحبت بيه جدا…
الست كانت شبه البنت جدا…
البنت قالت: “هربوا من المدينة الصناعية يا ماما”
الست وشها اتفزع، وقالت: “آه، يا ربى، حمد الله على سلامتكوا”
البنت كررت نفس الكلام تاني…
ليث قال: “الله يسلمكوا، شكرا ليكوا جدا، وأنا بعتذر إنى جيت على هنا فجأة كده، لكن إحنا محتاجين مكان أمان عشان نبات فيه الليلة دى”
الست الكبيرة شاورت لليث عشان يوقف كلامه، ورحبت بيه تانى، وبصتلى أنا، وليلى…
ليث قال: “أختي، وبنت عمي”
الست قالت: “وأبوك، وأمك فين؟؟”
قلت: “لسة ما رجعوش من الحج، أو… أنا مش عارف إيه اللى حصل معاهم”
الست قالت وهى بتشاور بإيديها ناحية الكراسي: “إتفضلوا لو سمحتوا”
أنا، وليلى كنا ماسكين إيد بعض، وواقفين وإحنا متوترين جدا…
ليث اتكلم معانا، وقال: “تعالوا نقعد هنا”
بعد كده مشينا معاه ناحية الكراسي…
ليلى قعدت وهى لازقة فيه، وأنا لازقة فيها…
ليث بص علينا، وبعدين قال للبنت: “ممكن شوية مياه بعد إذنك؟”
“حالا”
البنت راحت، ورجعت وهى شايلة إزازة مياه معدنية كبيرة، وكوبايتين…
مليتهم، وإديتنى كوباية، وليلى كوباية…
شربنا بنهم كبير… كوباية ورا التانية ورا التالتة…
التلاتة كانوا عمالين يراقبونا بنظرات شفقة فظيعة…
البنت راحت، وجابت إزازة تانية، وكوباية، وإديتهم لليث…
“اتفضل”
ليث خدهم من إيديها، وفضل يشرب كوباية ورا التانية لغاية ما كان قرب يخلص الإزازة…
مين فيكوا جرب إنه يعطش بالمنظر ده؟؟
ألا لعنة الله على الظالمين…
الست قالت للبنت: “روحى حضري الأكل بسرعة، إعملي شوربة، وفطير”
جريت البنت بسرعة عشان تعمل اللى اتطلب منها…
ليث قال: “إحنا آسفين يا أستاذة فيردا إننا…”
الست قاطعته، وقالت: “لأ… مفيش داعي إنك تقول أى حاجة يا إبنى… ألف حمد، وشكر على نجاتكم، وسلامتكم”
وبعدين سمعنا صوت الباب بيتفتح، وداخل منه راجل عجوز…
أول ما دخل، ليث قام وقف، وإحنا وقفنا وراه على طول أنا، وليلى…
الراجل استغرب، وقال: “ليث!”
ليث راحله، وسلم عليه، وعرفه اللى حصل معانا، والسبب اللى خلانا نيجي هنا…
الراجل العجوز كرمه ميقلش عن الست، والبنت…
رحب بليث ترحيب شديد جدا، وحمد ربنا على سلامته…
لغاية الساعة دى… أنا مدركة، ومش مدركة للى حاصل… بين الحلم، والحقيقة… بين التصديق، والتكذيب…
لسة حاسة بتعب مخلينى مش قادرة أقف أكتر من كده… خصوصا على رجل مجروحة، وموجوعة…
عشان كده أنا وقعت غصب عنى على الكرسي، وراسى وقعت منى على المسند اللى ورايا…
ليلى قعدت جنبى، وحطت إيدها على كتفي، وقالت: “رهف… إنتى كويسة؟؟”
أنا فضلت أتنهد، وأتوجع جامد، ومكنتش قادرة آخد نفسي من شدة الألم…
ليث جه ناحيتي هو كمان، وقال: “إنتى بخير؟”
شاورت على رجلي… أنا بتوجع جامد…
ليث قال للراجل العجوز: “عندكوا مطهر، وشاش، وقطن للجروح؟؟”
الست راحت كام ثانية، ورجعت وهى جايبة معاها اللى إحنا محتاجينه…
ليث قال: “لازم نغسلها الأول”
الست قالت: “الحمام من هنا”
لكن أنا هزيت راسى بالإعتراض، وفضلت قاعدة مكاني…
ليلى قالت لليث بصوت واطى: “أنا عايزة أدخل الحمام”
ليث استأذن صحاب البيت، وبعدين ليلى قامت وقفت وهى مغطية معظم وشها بالقميص اللى محطوط على راسها…
تقريبا الراجل العجوز مشي ساعتها…
أما الست فرجعت تشاور على الحمام، وتقول: “من هنا”
ليلى راحت الحمام، والست استأذنت، ومشيت كام دقيقة، وفضلت أنا مرمية على الكرسى، وليث واقف جنبى بالظبط…
قال: “إنتى كويسة يا صغيرتي؟؟”
لأ، إزاى هقدر أكون كويسة؟؟ أنا فى أسوأ حالة مرت عليا فى حياتي…
بدأت أعيط، لكن الدموع مرضيتش تخرج من عينى…
ليث قعد جنبى، وقال: “هتبقى كويسة إن شاء الله… إحنا نجينا من الموت… الحمد لله”
حسيت ساعتها إنى نفسي أترمي فى حضنه… وأعيط على صدره… وأسترخى بين دراعاته…
أنا تعبانة جدا، وبتوجع… عايزة حد يواسينى، ويهون عليا وجعي… عايزة حضن يحتوينى، وإيد تطبطب عليا…
عايزة ماما… عايزة بابا… عايزة ليث… اللى مخدتش منه غير نظرات حنية، وتشجيع…
الست جت، ومعاها خمارين، وإديتهوملي…
شيلت اللى أنا كنت مغطية بيه راسى، ولفيت الخمار قدام ليث!!
لما رجعت ليلى، وكانت غاسلة وشها، ورجليها الحافية… إديتلها الخمار التانى…
قالت: “تعالى عشان أغسلك الجرح يا رهف”
برده متحركتش…
غير التعب، والوجع اللى أنا فيه… أنا خايفة… أيوة خايفة جدا…
الست راحت، ورجعت وهى معاها طبق مليان مياه، وفى إيديها صابون للجسم، وفوطة معلقاها على كتفها
حطت الطبق تحت رجلي، وقالت: “عايزاني أساعدك؟”
ليلى قالت: “شكرا ليكى… أنا هقوم باللازم”
بدأت ليلى تفك الرباط اللى على الجرح… كان عبارة عن كم قميص ليث…
وبعدين حطت رجلى فى المياه الدافية النضيفة…
الوجع بدأ يزيد، ويتضخم جامد…
فضلت أتوجع، وأصرخ… لكن مقاومتش، واستسلمت للى ليلى بتعمله فى رجلي وأنا عيني مغمضة…
لما فتحتها كانت خلصت لف رجلى بالشاش، والقطن…
الست كمان جابت مياه تانى نضيفة عشان أغسل رجلى التانية…
كل ده وأنا بتوجع من غير أى حركة…
دلوقتى البنت جت وهى شايلة صينية مليانة فطير، والراجل العجوز ماشى وراها، وشايل صينية عليها علب عصير جاهز…
حطوا الأكل، والشرب قدامنا، والبنت بتقول: “إتفضلوا ده لغاية ما الشوربة تجهز”
محدش فينا مد إيده… إيه اللى هيخلينا نفكر فى الأكل فى وقت زى ده؟
بدأوا صحاب البيت يعزموا علينا بالأكل…
ليث خد علبتين عصير، وقدمهم ليا أنا، وليلى…
خدت علبتي، وشربتها ببطء شديد…
صحاب البيت التلاتة مشيوا وسابونا، تقريبا عشان نتصرف بحرية اكتر…
لتكملة القصة اضغط الزر بالاسفل




