تحقيقات المفتش عمر(قضية سفينة الغول)

كنت قاعد أنا، وصديق في يوم من أيام الشتا جنب الدفاية، وقالي صديقي عمر..
عمر: معايا يا أحمد مجموعة من الأوراق المثيرة للإهتمام هتحتاج إنك تدرسها، وهي أوراق ليها علاقة بالتحقيق العجيب الخاص بسفينة الغول، ومعايا الرسالة اللي أنهت حياة عمدة مدينة ت. ف، ومات من الخوف لما شافها.
قام عمر، وخرج من درج مكتبه مجموعة من الورق القديم، وإداني رسالة صغيرة مكتوبة بخط الإيد… الورقة لونها رمادي مكتوب فيها : أمر إرسال الطيور اللعبة المرسلة إلى المدينة إنتهت… نظن إن العامل هلال أخد أوامر، وإنه عرف طلبات الورق، وكشف كل طلبات الطيور…إعمل حاجة عشان تحمي الطيور أبعد بيها فده طريق للخلاص.
خلصت قراءة الرسالة الغريبة، ورفعت عيني لقيت عمر بيضحك على ملامح وشي المحتارة.
عمر: واضح إنك محتار يا أحمد.
قلت: مش قادر أفهم إزاي رسالة زي دي تبقى مخيفة… هي ظاهرة بالنسبة ليا إن هي غريبة أكتر من أي حاجة تانية.
عمر: يمكن… بس اللي حصل إن الشخص اللي شفها… هو بالمناسبة راجل نشيط، وكبير في السن… إنه وقع من طوله ميت بسببها زي ما تكون سلاح مميت.
قلت: الموضوع مشوق… بس ليه قلتلي إني محتاج أدرس التحقيق ده بالذات؟
عمر: لإنه أول تحقيق في حياتي أشتغله.
كنت دايماً نفسي أعرف إيه السبب اللي خلى صديقي يمشي في مجال التحقيقات الإجرامية… كان دايماً أغلب الوقت مزاج صديقي مش مناسب إنه يحكي… أما دلوقتي فهو قاعد على كرسيه المريح، وحاطط جنبه الأوراق، وولع البايب بتاعه، وقعد يفحص الورق، وهو بيدخن.
عمر: هو أنا ما حكيتلكش قبل كده عن فؤاد تميم؟ كان صديقي الوحيد أثناء فترة الدراسة… إنت عارف إني مش شخص إجتماعي… كنت دايماً بميل للوحدة في أوضتي، وبشتغل على تجهيز طرق خاصة في التفكير عشان كده مكنتش بجتمع كتير مع زمايلي… رغم إني لعبت بعض الألعاب الرياضية زي الملاكمة، والمبارزة إلا إن مكانش فيه تواصل بينا.
يمكن كان السبب الرئيسي إن دراستي كانت مختلفة عن زمايلي… وكان فؤاد هو الشخص الوحيد اللي عرفته لما كلبه عضني في رجلي في يوم من الأيام، وأنا رايح للجامعة… على الرغم إن هي طريقة مؤلمة إلا أن هي فعالة لتكوين صداقة.
فضلت يا صديقي أحمد 10 أيام مش قادر إني أمشي… كان بيجي فؤاد عشان يطمن عليا…في الأول كانت زياراته قصيرة تقليدية، وبعد كده بدأت الزيارات تطول… وقبل ما المدة تخلص كنا بقينا أصحاب مقربين.
فؤاد كان شخص لطيف، وصديق مخلص مليان بالنشاط، والطاقة… وكان مختلف عني في كتير من الأمور إلا إن كان في بعض النقاط المشتركة ما بيننا… بعد فترة طلب مني إني أجي أزوره في بيت أبوه في قرية ت.ف، وافقت إني أروح مدة شهر من الأجازه.
كان أبو فؤاد شخص غني، وليه مستوى إجتماعي عالي… كان عمدة القرية، وعنده مجموعة كبيرة من الأملاك، وهي قرية في الشمال جنب البحيرات.
أما البيت كان مبني على الطريقة القديمة، وحواليه الأشجار، وبنوصله من خلال طريق مرصوف بالحجارة… كان صيد البط، وصيد الأسماك رائع هناك، وكانت عنده مكتبة صغيرة فيها كتب رائعة، واللي عرفته إنها كانت تخص صاحب البيت اللي قبل كدة.
كان أبو فؤاد شخص أرمل، وصديقي هو إبنه الوحيد… كان الأب شخص مثير للإهتمام بشكل كبير… كانت ثقافته قليلة، وكان عنده قوة بدنية، وعقلية كبيرة إلا إن معرفته بالكتب قليلة… سافر كتير في العالم، وتعلم حاجات كتير… كان شخص ضخم… شعره تقيل أبيض، وكان لون بشرته أسمر…جلده خشن، وعنيه لونها أزرق، ومعروف في قريته إنه شخص لطيف، وكريم، وإنه بيتساهل في أحكام الصلح بين الناس.
يوم بالليل بعد ما وصلت بشوية صغيرين… كنا قاعدين بنشرب الشاي بعد العشا… كان فؤاد قاعد بيتكلم عن قدرتي على الملاحظة، والإستنتاج، وكنت كونت نظريات على الرغم إن وقتها مكنتش عارف دور الأمر ده في حياتي… كان أبو فؤاد بيعتقد إن إبنه بيبالغ قال، وهو بيضحك: خلاص يا عمر أنا هكون موضوع كويس إيه اللي تقدر تستنتجه عني.
قلت: أعتقد إن مفيش حاجات كتير… إنت قضيت السنة اللي فاتت عندك خوف إن يحصل عليك هجوم، أو إعتداء.
إختفت الضحكة من وش أبو فؤاد، وبصلي بدهشة، وقال: فعلاً ده صحيح.
أبو فؤاد، وهو بيوجه الكلام لإبنه: إنت عارف يا فؤاد إن لما إتفرقت عصابة الحرامية كان هدفهم إنهم يقضوا علينا، وإن مستر جوزيف هجموا عليه بالفعل، ومن ساعتها، وأنا واخد حذري…. أنا مش عارف إنت عرفت ده إزاي يا عمر.
قلت: إنت معاك عصاية كويسة جداً لاحظت من الكتابة اللي مكتوبة عليها إنها مكانتش معاك إلا من سنة، أو أقل بس إنت حطيت فيها بعض الإضافات شلت الرأس، وصبيت رصاص جوه الفراغ عشان تكون سلاح قوي، وظنيت إنك مش هتعمل الأمور دي إلا لو كنت خايف من هجوم.
إبتسم أبو فؤاد، وقال: في حاجة تاني؟
قلت: إنت كنت بتلعب ملاكمة في شبابك.
أبو فؤاد: فعلاً إزاي عرفت؟ هل عشان إعوجاج مناخيري؟
قلت: لاء… بسبب ودانك دايماً الأشخاص الملاكمين بيبقى عندهم الودن القرنبيطية بسبب الإصابات اللي بيتعرضوا ليها.
أبو فؤاد: وإيه تاني؟
قلت: إشتغلت فترة طويلة في الحفر بسبب خشونة جلد إيدك.
أبو فؤاد: كل فلوسي جت عن طريق التنقيب عن الدهب.
قلت: كنت تعرف من قريب شخص حروفه الأولى هي ج أ… بعد كده حاولت إنك تمحيه من حياتك.
وقف أبو فؤاد بإنفعال، وهو بيبصلى بذهول، وبعد كده وقع مغمى عليه.
تقدر تتخيل يا أحمد قد إيه كنا مصدومين أنا، وإبنه… حالة الإغماء مخدتش وقت طويل… حاولنا إن إحنا نفوقه، وأول ما فاق إبتسم بصعوبة، وقال: أسف يا أولاد لو كنت خوفتكم… شكلي يبان عليه إن شخص قوي بس قلبي ضعيف، وأقل إنفعال بيعملي حالة إغماء… أنا عاوز أعرف إنت عرفت إزاي؟ إنت أشطر من أي مخبرين، أو محققين أنا شفتهم… خلي ده هو طريقك في الحياة يا عمر، وخدها نصيحة من راجل كبير عجوز عنده خبرة كبيرة في الحياة.
كانت نصيحته يا أحمد مهمة جداً لإنه نبهني إن ممكن الهواية اللي عندي تكون مهنة… في الوقت ده كان كل إهتمامي بأبو فؤاد، والتعب اللي حصله قلت: أتمنى إني مكونش ضايقتك؟
كان بيحاول يظهر إن الأمر مش مهم إلا إن عينيه كانت مليانه بالرعب، وقال: إنت دست على وتر حساس…. ممكن أسألك إنت عرفت منين؟ وإيه هو اللي إنت تعرفه بالضبط؟
قلت: الأمر بسيط… لما مديت إيدك وقت الغدا شفت الوشم، وكان الحرفين واضحين رغم إن كان في محاولة لتشويه شكل الوشم، وده واضح من تغير لون الجلد حوالينه….من الواضح إن الحرفين دول كانوا في يوم ليهم أهمية كبيرة عندك، وبعدين حاولت إنك تنساهم بعد كده.
إتنهد أبو فؤاد تنهيدة طويلة، وقال: عندك قوة ملاحظة شديدة…الأمر فعلاً زي ما إنت قولت بس خلينا منتكلمش في الماضي، ولا نتكلم عن الأشباح خلينا نروح دلوقتي أوضة البلياردو.
من الوقت ده، ورغم معاملته اللطيفة إلا إنه كان دايماً في شك في سلوك أبو فؤاد معايا… حتى إن إبنه قالي في مرة: إنت خوفت العمدة لدرجة إنه مبقاش عارف إيه اللي تعرفه، وإيه اللي متعرفوش.
أعتقد يا أحمد إن العمدة مكانش حابب إنه يظهر ده إلا إن تفكيره في الأمر كتير خلاه يظهر في سلوكه… حسيت بعد كده إن وجودي شيء مش مريح فقررت إن أنهي الزيارة… بس في نفس اليوم اللي كنت همشي فيه حصلت حاجة، وكان ليها أهمية كبيرة بعد كده.
كنا إحنا التلاتة قاعدين في الجنينة تحت الشمس الجميلة، وحوالينا المنظر الرائع… جه الخادم، وبلغنا إن في شخص عايز يشوف مستر تميم.
سأل مستر تميم: وإسمه إيه؟
الخادم: مقالش.
مستر تميم: قال عايز إيه؟
الخادم: قال إن حضرتك تعرفه، وإنه عايز يتكلم معاك.
مستر تميم: خليه يدخل.
بعد شوية دخل شخص جسمه صغير عجوز بيتصرف بلطف مصطنع، وإنكسار كداب… كانت هدومه فيها بقع قطران… كان لابس قميص أحمر، وبنطلون أسود، وجزمة بوت برقبة طويلة متهالكة… كان رفيع، ولون بشرته أسمر، وكان ليه إبتسامة خبيثة بتظهر أسنانه الصفرا اللي مش منتظمة…كان ظاهر عليه إن هو بحار.
لما قرب علينا إتغيرت ملامح مستر تميم كإنه إتضايق من وجوده.
مستر تميم: أيوه… إيه اللي أقدر أقدمه ليك؟
البحار بإبتسامة، ونظرة خبيثة: إنت مش عارفني؟
مستر تميم بإندهاش مصطنع: يا الله إنت هلال.
البحار: فعلاً…. عدى 30 سنة من آخر مرة شفتك فيها… وأديك أهو عندك بيت، وأنا شقيان عشان لقمة العيش.
مستر تميم، وهو بيقرب من البحار: لاء متقولش كده… أنا منسيتش الأيام اللي فاتت.
بعد كده قال مستر تميم حاجه بصوت واطي، وكمل كلامه بصوت عالي، وقال: روح للمطبخ، وهتلاقي الأكل، والشرب وأنا واثق إني هلاقيلك شغل.
البحار: شكراً… بس أنا لسه مخلص دلوقتي سنتين شغل على سفينة شحن، وعشان كده أنا محتاج إني أستريح ففكرت إن أنا أجي عندك، أو عند مستر ربيع.
مستر تميم بإنفعال: ااه… إنت تعرف فين مستر ربيع!
البحار بإبتسامة شريرة: طبعاً أنا أعرف مكان كل حبايبي.
بعد كده مشي ورا الخادم، وراح على المطبخ… قال مستر تميم شوية كلمات عن إنه صديق من أيام السفينة اللي ركبها في رحلة بحثه عن الدهب…
بعد ما رجعنا للبيت بعد حوالي ساعة لقينا مستر تميم مغمي عليه من كتر الشرب… كان الموقف ده كله ليه أثر في تفكيري… تاني يوم مشيت عشان محرجش صديقي.
رجعت للمدينة، وقضيت ست أسابيع اللي بعد كده في التجارب الكيميائية اللي بحبها… وفي يوم من الأيام، وقبل ما الإجازة تخلص جاتلي رسالة من صديقي فؤاد بيطلب مني إني أرجع للقرية، وإن هو محتاجني جداً، ومحتاج نصحتي.
سبت كل حاجة، وسافرت… قابلني صديق فؤاد في المحطة… كان شكله متغير عن آخر مرة شفته فيها… كان رفيع، وحزين ما بقاش الشخصية المرحة اللي كنت أعرفها.
أول مشافني، قال: العمدة بيموت.
قلت بصدمة: إيه! إيه اللي حصل؟
فؤاد: توقف دماغي بسبب إنهيار عصبي حالته كانت صعبة جداً طول اليوم النهاردة… مظنش إن إحنا هنروح نلاقيه عايش.
قلت: وإيه السبب؟
فؤاد: هحكيلك كل حاجة، وإحنا في طريقنا للبيت… ركبنا العربية، وبدأ فؤاد يحكي.
فؤاد: فاكر الشخص اللي جه قبل ما إنت تمشي؟
قلت: أيوه فاكره.
فؤاد: أعتقد يا عمر إننا يومها سمحنا لشيطان إنه يدخل بيتنا… من ساعتها مشفناش ولا ساعة واحدة هادية… العمدة ما رفعش راسه من اليوم ده، ودلوقتي هتنتهي حياته… كل ده بسبب الشيطان هلال.
قلت: وإيه سبب قوته؟
فؤاد: هو ده اللي أنا عايز أعرفه… إزاي العمدة المعروف بلطفه، وكرمه شخص زي ده يأثر فيه… أنا مبسوط جداً يا عمر إنك جيت أنا بثق في رأيك، وفي حكمك، وواثق إنك هتقولي أعمل إيه، وهتساعدني.
كمل فؤاد: عين والدي هلال جنايني… بس هو ما وافقش فخلاه يمسك منصب رئيس الخدم…وكإن البيت بقى تحت سيطرته حتى إن كل الخدم كانوا بيشتكوا منه، وعشان يعوضهم والدي عن إزعاجه رفع كل مرتباتهم… وكان الشخص ده يقدر إنه في أي وقت ياخذ المركب، وأفضل الأسلحة، ويروح في رحلة صيد، ودايماً كان على وشه إبتسامة خبيثة، وشريرة، وبيتصرف بكل وقاحة فكرت كتير إني أضربه إلا إن سنه كان بيمنعني… حاولت أتمالك نفسي طول الوقت اللي فات بس هل كان سكوتي صح؟!
تطورت الأمور للأسوأ حتى إن الشيطان هلال في يوم رد على أبويا بطريقة مش كويسة، ولما مسكته من كتفه جري زي الجبان بوشه الباهت، وعينيه اللي مليانة حقد، وكره… مش عارف ايه اللي حصل بينه وما بين أبويا إلا إن تاني يوم جه أبويا، وطلب مني إني أعتذرله، وطبعاً رفضت.
لما سألت أبويا إزاي يسمحله إنه يتصرف بالطريقة دي، ويعامل كل اللي في البيت بوقاحة… كان ردوا عليا: كويس إن إحنا إتكلمنا في الموضوع ده يا فؤاد… هتعرف كل حاجة في وقتها… لازم تعرف… بس متصدقش أي حاجة وحشة عن أبوك المسكين… كانت كلماته مؤثرة جداً، ومن بعدها فضل في المكتب طول اليوم، وكنت كل ما أعدي عليه أشوفه بيكتب.
نفس اليوم بالليل بلغنا هلال إنه هيمشي… كنا وقتها بنتعشى علي السفرة، وقالنا الأمر، وهو تحت تأثير الشرب.
هلال: أنا زهقت من المكان هنا أنا هروح لمستر ربيع في هـ. ب، وأكيد هيفرح أما يشوفني زي محصل معاك يا مستر تميم.
كان والدي بيرد عليه بخضوع غريب، وقال: أتمنى إنك ما تسيبناش أبداً يا هلال.
هلال بغرور: بس أنا لسه مخذتش الإعتذار المناسب.
بصلي أبويا، وقال: أعترف يا فؤاد إن إنت عاملت الراجل ده بقسوة.
قلت بنفاد صبر: مستحيل، وأظن إن إحنا صبرنا عليه كفاية.
رد هلال بغضب: إنت شايف كده؟! ماشي هنشوف الموضوع ده.
خرج من الأوضة، وهو غضبان… بعد نص ساعة ساب البيت… كان أبويا في حالة سيئة جداً… يوم عن يوم كان قلقه بيزيد، ولما حسيت إن الوضع إتحسن حصلت المشكلة.
قلت: اللي هي إيه؟
فؤاد: وصل لوالدي جواب إمبارح بالليل عليه طابع بريد مدينة بيسان… أول ما أبويا شافه كان في حالة إنفعال، وتوتر شديد فضل يتحرك في الأوضة رايح جاي، ولما مسكته، وقعدته على الكرسي كان للأسف الجزء اليمين من وشه في حالة تشنج فهمت إن دي أعراض جلطة… ولما الدكتور جه كانت بدأت تظهر أعراض الشلل، وبعد كده دخل في غيبوبة معتقدش إنه هيصحى منها.
قلت: موضوع مخيف يا فؤاد…إيه اللي ممكن يكون في الرسالة دي عشان يحصل لوالدك كده؟
فؤاد: أنا قرأت الرسالة، وشايف إن هي رسالة غريبة، وملهاش معنى… يا الله…. هو ده اللي كنت خايف منه.
إتصدمت انا، وفوأد من اللي شفناه.
لتكملة القصة اضغط الزر بالاسفل






