رواية نوفيلا أسطورة سيخريدس للكاتبة مريم محمود

تذهب شمس إلي صعيد مصر لزيارة جديها العزيزين، وتستمر الأحداث اللطيفة بين شمس ومغامراتها في القرية حتى يدفعها فضولها لتسلق جبل ضخم على أطراف القرية لتوقع نفسها في ورطة مع كائن خيالي مخيف فماذا سيحدث !؟.
بقلم/مريم محمد عبد القادر
في زمن بعيد للغاية حيث البيوت الصغيرة المشيدة من الطوب اللبن ، والأخشاب المشتعلة تضفي شيئا من السنا في تلك القرى الصغيرة التى يتلفعها الظلام البهيم من جميع جوانبها ، كذلك هي الحياة البسيطة شبه البرية في العصور السابقة
وفي أحدى قرى أرض الكِنانة ناصرة الديانة مصر راعية الجَمال في رزانة ، وعلى ضفة هذا النيل ذا الماء السلسبيل الذي تتراقص حباته سويا على ألحان نسمات الهواء الرقيقة جاءت موجة هوائية قوية ساخنة وكأنها الجحيم لتشتت تلك القطرات عن بعضها وتثير ذلك النيل النائم لتتلاطم امواجه وتتحرك كالإعصار وكأنها تتناغم مع الجو حولها الذي تحول من السكون الى عاصفة هوجاء
وفوق هذا الجبل الوَطِيدٌ رغم سنه هناك مجموعة من الرجال يرتدون ثياب غريبة تشبه الجلباب الرجالي وفوقه جبّة واسعة الأكمام
يصرخون حتى تقطعت أحبالهم الصوتية وهم يشاهدون أجيج تلك النيران التي تحيط بهم وتفتك بالأشجار وكل حي تطوله ألسنتها ، ينظر بعضهم إلى بعض والذعر يملئ قلوبهم فمنهم من تمكنت النار من تمزيق جسده بأنيابها الناعمة ومنهم من سقط من فوق الصخور القاسية ليكون ضحية مخالبها المدببه ومنهم من ينزف جسده الدماء وكأن النهر يتدفق من بين أوصاله
والقليل منهم من تمكن من النجاة من تلك المذبحة يجلس على الأرض فقدماه لا تقوى على حمله وكأنه كهل اكل الشيب في عظامه رغم شبابه ، ينظرون الي السماء التى أدماها هذا القمر المشتعل باللون الدموي ليشهد على تلك الدماء السائلة على حبات رمال محبوبته
تدور أعينهم مع هذا الكائن أو ربما هو وحش ، بلا هو كذلك ، وحش ينظر إليهم من الأعلى بنظرات نارية والشر يتدفق من عينيه اممًا مقسمًا داخله أنه سيقضي على من تبقى من هؤلاء البشر ليقوم باتمام لوحته البشعه بلون دمائهم
رفع رأسه الي الأعلى وصرخ بصوت كاد يصم أذان الجميع ليُفزع قلوبهم وكأنه يحفر ذكرى تلك الليلة المُفجعة الدامية في عقول كل من سكن بهذه القرية
*________في الوقت الحاضر________*’
شمس رياض عبد الله المسلمي
فتاة في الثامنة عشر من العمر ، اسم على مسمى فهي مشرقة تشع حيوية كالشمس ، قصيرة القامة ونحيفة كالأطفال ولكن ما يميزها هو شعرها الطويل البني الذي ورثته من عائلة والدتها ، فتاة لطيفة وطيبة القلب ولكن عيبها الوحيد هو فضولها وتهورها الذي سيودي بها الى الهاوية يوما ما
على متن ذلك القطار السريع المتجه إلى إحدى مدن الصعيد الحبيب المنيا العريقة عروس الصعيد ، تجلس شمس على الكرسي المجاور للنافذة وهي تلعب بهاتفها الحديث ألعاب الفيديو وتتناول قطع الشوكولاتة اللذيذة غير ابهة بهؤلاء الناس الجالسين حولها ويرمقونها بنظرات التعجب ، فبسبب هيئتها يظنها الكثيرون طفلة ، فكيف لوالديها أن يدعاها تسافر وحدها على متن القطار
أنهت شمس جولتها في تلك اللعبة الشيقة بنجاح باهر واخذت تصفق بيديها الصغيرتين بسعادة ، ثم نظرت الي قالب الحلوى وتناولت قطعة كبيرة منه وكأنها تكافئ نفسها على انتصارها أمام أعدائها في الجولة
قاطع تصرفاتها المجنونة صوت -تلك السيدة التى كانت تراقبها طوال الطريق- تسألها بفضول : أين هم والديك يا صغيرتي ، كيف لهم أن يتركا طفلة مثلك وحيدة هكذا طوال الطريق ؟
رفعت شمس بندقيتاها الجميلتين ونظرت الي السيدة بتقيم ، فهي تعرف ذلك النوع من السيدات الفضوليات كما أخبرتها والدتها من قبل عنهم ولكنها أجابت برزانة مصطنعة : لكني لست طفلة يا سيدتي ، قد يبدوا جسدي ضئيل قليلا لكني في الحقيقة فتاة بالغة
حركت السيدة رأسها بتفهم واكملت اسألتها الفضولية : فهمت ، أخبريني إذا يا عزيزتي ما هي وجهتك ، رأيتك تستقلين القطار من محطة رمسيس في القاهرة ومازلتى الي الآن جالسة تلعبين بذلك الهاتف الذي اكل عقول جميع شباب هذا اليوم
أبتسمت شمس بإقتضاب وهي تحاول السيطرة على انفعالاتها لكي لا تنقض على تلك السيدة المزعجة وتنهال عليها بالصراخ : أنا متجهة الي المنيا
السيدة : أين تحديدا في المنيا ؟ ولماذا ؟ هل تعيشين هناك أم أنك ستزورين أحد أقاربك ؟
أنقذت صافرة القطار شمس من تدخلات تلك السيدة المزعجة وفضولها المذموم ، معلنة عن وصولهم الي محطة أحد مراكز المنيا
نهضت شمس بسرعة وهي تضب أغراضها بعشوائية داخل حقيبة يدها وتجذب حقيبتها الآخرى العملاقة نحوها وهي تقول : آسفة يا سيدتي على النزول الآن فقد وصلت إلى وجهتي ، أتمنى لك رحلة سالمة ، وداعًا
بدون زيادة كلمة آخرى فرت الفتاة من أمام السيدة وهي تجر حقيبة سفرها خلفها بسرعة حتى ترجلت من القطار وهي تتمتم بالكثير من الألفاظ المتذمرة ، ولكن سرعان ماتبدلت مشاعرها من الضيق الي الراحة والبهجة وهي ترى أرض بلدها الحبيبة بعد غياب دام لعام كامل ، فهي تعيش مع والديها في القاهرة وذلك لطبيعة عمل والدها كموظف في إحدى الشركات الكبيرة، ولكنها لا تفوت صيفا إلا وقد عادت الى بلدها الأم لتقضي العطلة الصيفية عند جديها لوالدتها ثم تعود الي القاهرة مع بدأ العام الدراسي الجديد
تيقظت شمس من شرودها إثر صوت رنين هاتفها الذي أضاءت شاشته برقم والدتها فتململت في وقفتها فتلك هي المرة العاشرة التي تتصل بها والدتها كي تطمئن عليها وتعرف اين أصبحت
هذه هي المرة الأولى التى تسافر بها شمس بمفردها فعادة كانت تسافر مع والديها أو والدتها فقط ولكن بسبب بعض المشاكل التى حدثت مع والدها في العمل لم يتمكن أحد من السفر معها وقد حاولت والدتها إقناعها بعدم الذهاب الي القرية هذا العام ولكن كان هذا من المستحيلات في قاموس شمس ، شعرت أنها سوف تحتضر إذا لم تذهب وتقضي العطلة بين حقول أرضها الحبيبة ، فاصرت على السفر وحدها وترجت والديها كثيرا حتى تمكنت من إقناعهم بعد أن استخدمت أقوى سلاح تملكة بل هو أقوى سلاح تمتلكة أي أنثى ألا وهو الدموع والامتناع عن تناول الطعام ، وبعد عنده أيام متواصلة من العناد وافق والديها على تركها تسافر على أن يوصلاها الى محطة القطارات والاطمئنان عليها طوال الطريق
أجابت شمس على هاتفها وطمئنت والدتها أنها قد استقرت فوق أرض محافظتها أخيرا ولن تمضي الكثير من الدقائق حتى تكون بين أحضان جديها الحنونين
أنهت شمس محادثتها وجالت بنظرها في الأنحاء ثم تقدمت في طريقها حتى تمكنت من العثور على سيارة أجره تقلها للقرية التي يقطن بها جديها
*****
في أحد البيوت العتيقة وداخل هذا المطبخ المتواضع تسللت شُعَيّعَات شمس وقت العصر من تلك النافذة الكبيرة وهي تختلط بدفئ المكان ورائحة الفطائر التي إنسَلَّت من شقوق الفرن الحجري القديم ، تجلس أمامه تلك السيدة العجوز وقد زين وجهها المجعد -من كثرة السنين التي مرت عليه- ابتسامة مشرقة دافئة ، فهي تعد الفطائر المحلاة بالسكر لحفيدتها اللطيفة التى تعشق الفطائر لترحب بها بأفضل طريقة
قاطع شرود العجوز صوت خليل روحها الذي يبعث على الأمان : أراكِ شاردة الذهن كعادتكِ ، هل تفكرين في شمس هذه المرة ؟
استفاقت العجوز من شرودها ونظرت لحبيبها بابتسامة هادئة : نعم أفكر في شمس ، قلبي تتسارع نبضاته كلما فكرت أنها قادمة الي هنا ، كم أن وجودها يعيد لروحي بهجتها ويملئ أيامي بالنشاط والحياة
جلس الجد فهيم بجانب زوجته طاهرة وربت بلطف فوق منكبها : إنك محقة ، شمس تضب الحياة في المنزل وتضيئ أيامنا الكهلة بشمس شبابها وحيويتها ، رغم كونها مشاغبة وتتسبب بالكثير والكثير من المصائب إلا أننى أنتظر من العام لاخيه حتى اشبع روحي بدفئ روحها وآنس بوجودها بيننا
ضحك الزوجين بهدوء وهما يستذكران مشاغبة حفيدتهما ويسترجعان ذكرياتهم الرقيقة معها
قطع تلك اللحظات الجميلة ذلك الطرق المزعج للغاية على باب المنزل ، ومن يكون غيرها تلك الشقية المزعجة ، كانت تطرق الباب بكلتا يديها وهي تلحن وتغني كالمجانين وجميع المارة يرمقونها بتعجب واستنكار
أسرع الجد فهيم الى الباب ليفتحه حتى يوقف تلك المجنونة عن أفعالها الصبيانية
ولكن بمجرد فتحه للباب وجد محبوبته تقفز من مكانها لتستقر داخل أحضانه وهي تتنهد بارتياح : اشتقت إليك كثيرا يا قرة عيني
أبتسم الجد بحب وهو يضم صغيرته الجميلة الي صدره لكي يروي روحه من دفئ روحها
خرجت الجدة طاهرة من مطبخها لترى حفيدتها قد أنارت منزلهم ، فقالت باشتياق : حبيبتي الغالية شمس ، أخيرا أتيتِ
ركضت شمس تجاه جدتها لتعانقها بحرارة وهي تستنشق عبيرها الذي يبعث على السكينة والاطمئنان : لقد إشتقت إليكِ كثيرا يا غاليتي
طاهرة : وأنا أيضا إشتقت إليك كثيرا ، ظننت أنك لن تأتي لزيارتنا هذا العام بسبب الأزمة التى يمر بها والدك ولم أصدق نفسي عندما أخبرتني انك قادمة بمفردك
قامت شمس بتقبيل يد جدتها : ما الذي تقولينه يا جدتي ، لا يمكن أن يمر عام علي دون القدوم الى هنا وقضاء بعض الوقت معكم ، الأيام القليلة التي اقضيها هنا من أجمل أيام حياتي ولا يمكنني التخلي عنها بسهولة هكذا
أبتسمت الجدة برضا فهذه الفتاة البريئة لا تكف عن إدخال السرور الي قلبها بكلماتها الدافئة تلك
طاهرة : إذا اخبريني كيف تمكنتي من إقناع والديكِ بالسفر وحدك ؟
أبتسمت شمس بمشاغبة وهي تتذكر ما فعلته وقالت وهي تتجه نحو المطبخ : سأحكي لكم كل شئ بالتفصيل ولكن أولا أنا جائعة للغاية ورائحة الفطائر الطازجة تلك تُذهب عقلي
لحقت بها الجدة وهي تقول بسعادة وحيوية وكأنها عادت شابة : أعرف أنك تحبين الفطائر التي أعدها لذا صنعت لك الكثير منها
وثبت شمس بسعادة وهي تعانق جدتها : أنا أحبك حقا يا جدتي
ضحك الجد فهيم وهو يقول : كل هذا لأجل الفطائر ؟
شمس : أنا حقا أحب فطائر جدتي ، أظن أننى استطيع تناول فطائرها طوال اليوم دون الممل منها
فهيم : أصبتِ القول يابنتى ، جدتكِ هي سيدة الطهي في قريتنا ، لا أحد يمكنه التفوق عليها فيه ابدا
طاهرة : كفاكما حديثا وهيا إلى الطعام لقد أعدت الكثير من الأصناف لابد أنكِ جائعة للغاية يا صغيرتي بعد تلك الرحلة الطويلة
توجهوا جميعا الي طاولة الطعام وشرعوا في تناول الغداء وهم يتسامرون وينسجون المزيد من الذكريات الجميلة ، وبعد الغداء جلست شمس مع جديها في بهو المنزل تسرد عليهم كل ذكرياتها في العام الماضي وما حدث معها وظلت تثرثر كثيرا كعادتها والجدين يستمعان إليها باهتمام بالغ وكأنها تتحدث عن أمور مهمة.
وبعد هذا اليوم الطويل المرهِق صعدت شمس الي غرفتها في الطابق الثاني من منزل جدها العتيق ، ضبت اغراضها داخل خزانة الملابس والمكتب واضافت لمستها الحيوية في جميع أنحاء الغرفة ثم توجهت نحو غرفة الاستحمام لتنعم بحمام بارد تزيل به كل إرهاق اليوم وتعب السفر ، ثم قامت بارتداء بيجامة مريحة ومشتط شعرها الطويل ثم احتضنت فراشها الناعم لتغرق سريعا في نوم عميق وهي تستمتع بنسمات الهواء الدافئة التى تداعب وجنتيها برقة ورائحة الأشجار والزهور في الارجاء ، كانت حقا ليلة هادئة ومريحة
*******
في صباح اليوم التالى استيقظت شمس إثر غناء العصافير بجانب نافذة غرفتها ورائحة ندى الصباح العليل ، نهضت من الفراش وتوجهت نحو النافذة لتقوم بفتحها وعيناها تحلق هنا وهناك ، السماء الصافية والأشجار الضخمة الطيور الصغيرة ترفرف والزهور ترقص واخيرا هذا الجبل بديع المنظر أمامها ، كل شئ هنا في تلك القرية الجميلة يشعر شمس بالانتعاش
ألقت نظرة واسعة للمنظر الجمالي أمامها وهناك رغبة ملحة داخلها تدفعها للخروج والتجول فوق هذا البساط الأخضر الممتد على مد البصر ، أبتسمت شمس بحماس وهي تهرول في الأرجاء لتبدل ثيابها وتستعد للنزول من غرفتها ، ثم توجهت مباشرة نحو رائحة المخبوزات الزكية التي تعدها جدتها : صباح الخير
طاهرة : صباح الخير صغيرتي ، هل نمتِ جيدا يا حبيبتي ؟
شمس : اجل ، ماذا تفعلين ؟
طاهرة : لقد صنعت لكِ كعكة التفاح التى تحبينها
قفزت شمس بسعادة وهي تصفق بيديها : حقا يا جدتى ، هذا رائع
ضحكت طاهرة وهي تشاهد طفولة حفيدتها اللطيفة ثم أردفت : لنتناول الإفطار ، نادي على جدك ، ستجدينه عند ملحق الماشية
همت شمس في الركض بحماس خارج المنزل وهي تهتف: يال الروعة لقد اشتقت حقا لتلك المخلوقات اللطيفة، سأذهب لألقي عليهم التحية ، انتظريني يا جدتي
ثم صدحت بصوت مرتفع : أنا قادمة يا اصدقائي
قهقهت طاهرة وهي تكمل إعداد الإفطار بينما ركضت شمس متجهة الي ملحق الماشية ، نظرت من خلال الباب المفتوح وهي ترى الماشية تقف في أماكنها فهرولت إليهم وهي تتحدث معهم وكأنهم بشر
شمس : مرحبا أيتها البقرة الجميلة
مسدت فوق رأسها بحنو ليقترب منها زوجها الثور فابتسمت شمس بوله : يا إلهي ، هل تغار على زوجتك ايها الثور !! يالك من زوج رائع
صهل الفرس الواقف خلف شمس بشدة فنظرت اليه والإبتسامة تشق ثغرها : لا أصدق ما تراه عيناي ، ملكة الثلج لقد كبرتي كثيرا
اقتربت منها وهي تعانقها بحب لتقوم الفرس بإناخة عنقها وكأنها تبادلها العناق الدافئ
تحدثت شمس بهدوء وهي تمسد فوق رقبة الفِلْوَة البيضاء بحنان : لقد اشتقت إليكِ كثيرا يا ملكة الثلج ، مر عام مذ رأيتك آخر مرة ، كنتِ لاتزالين صغيرة للغاية والآن عدت إليكِ وقد اشتد عودك وازداد جمالكِ
قاطع لحظاتهم الهادئة ذلك الأرنب الذي ظهر فجأة وظل يقفز هنا وهناك فهاجت الفرس وابتعدت عن شمس وهي تصهل وترفع اماميتاها بقوة
شمس : اهدئي يا حبيبتي لا تخافي أنا بجانبك
ولكن للأسف لم تهدأ البيضاء فنظرت شمس الي الأرنب والشر يقدح من عينيها : يبدوا أننا سنتناول لحم الأرانب على الغداء اليوم
فور أن أنهت كلماتها شرعت في الركض خلف الأرنب وهو يقفز بسرعة وقوة بين الماشية التى هاجت واصدرت الخوار العالي
ظلت شمس تركض خلف الأرنب لبضع دقائق وعندما كادت أن تحكم قبضتها عليه ارتطمت بجدها الذي جذبه صوت البقر
فهيم : ما الذي تفعلينه يا صغيرتي ؟؟ ولماذا تركضين هكذا ؟؟
أجابته شمس وهي تلهث من التعب : ذلك الأرنب اللعين لقد أخاف ملكة الثلج خاصتي وكنت أحاول اللحاق به
استقامت في وقفتها وهي تزيل قطرات العرق باناملها : لكن يبدوا أنه تمكن من الفرار
اقترب الجد من البيضاء ومسد فوق جسدها لتهدأ : لا بأس عليكي يا صغيرتي لا بأس ، لقد زال الخطر ، لا تقلقي
هدأت الفرس بين يدي الجد واستكانت لتنظر إليه شمس بإعجاب : أنت رائع يا جدي لقد تمكنت من تهدأتها بسهولة ، كيف فعلت هذا ؟
أبتسم الجد وهو ينظر الى خيله الجميلة بعيون لامعة : إنها خبرة السنين يا شمس ، لقد قضيت عمري كله بين تلك الحيوانات اللطيفة حتى تمكنت من فهمهم جيدا كأنهم أبنائي ، أشعر بما يشعرون وافهم مالا يستطيعون النطق به ، الحيوانات يا شمس تمتلك حس مرهف وقلب رحيم أكثر من بعض البشر ، قد لا تسطيع النطق كالانسان والتعبير عما بداخلها ولكن نظراتهم تعبر عما يشعرون به
نظرت شمس الي عيني ملكة الثلج وابتسمت عندما رأت نظرتها الجميلة لجدها : عليك أن تعلمني كل شئ تعرفه يا جدي
فهيم : سيكون الأمر شاق عليكِ
شمس : كلا لن يكون ، سأجتهد وسأتعلم بسرعة صدقني
فهيم : إذا اتفقنا ولكن الآن دعينا نعود إلى البيت لنتناول الإفطار
قامت شمس بإمساك يد جدها الذي بادل كف يدها دفئ حضنها وشرعا في السير معا متجهان إلي المنزل
فهيم : حبيبتي شمس
شمس : تفضل يا جدي
فهيم : لقد ارتكبتي خطأ ما اليوم هل تتذكرين ما هو ؟
نظرت شمس بتيه إلي جدها فهي لم ترتكب أي خطأ منذ استيقاظها : لا أتذكر، أنا لم ارتكب أي خطأ اليوم
فهيم : قبل قليل كنتِ تركضين خلف الأرنب وعندما فر منك قمت بلعنه
شمس : صحيح لقد تذكرت ، ولكن ما الخطأ في هذا ؟
فهيم : الخطأ أنكِ قمت بلعن الأرنب المسكين ، أتعلمين أن اللعن محرم في الإسلام
نظرت شمس الي جدها وهناك الكثير من علامات الاستفهام تدور حول رأسها : ايمكنك أن توضح الأمر لي اكثر فأنا لم أفهم
وضع الجد فهيم ذراعه حول منكبي شمس وضمها لصدره وشرع في توضيح كلامه : اللعن يا صغيرتي هو الدعاء على الغير بالطرد والإبعاد من رحمة الله وهو من أعظم وأشد آفات اللسان ومن الذنوب العظيمة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها وحذر منها ، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتُغلق أبوابُها دونها ثم تأخذ يمينا وشمالا فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها ) ، هل تفهمين معنى هذا الحديث الشريف ؟
حركت شمس رأسها يمنة ويسرة : كلا لم أفهم
فهيم : سأوضح لكِ أكثر ، معنى هذا الحديث خطير للغاية فهو يتحدث عن الشخص الذي يلعن شيئا ما سواء أكان إنسان أو حيوان أو جماد أو حتى الرياح العابرة ، الحديث فيه وعيد شديد على من لعن مَنْ ليس أهلا للعن ، فإن اللعنة تتحول في السماء والأرض واليمين والشمال ثم ترجع في النهاية إلى قائلها إذا لم يكن الملعون أهلا لها
شمس : يالهي أهذا صحيح يا جدي ؟
فهيم : أجل هو كذلك يا صغيرتي ، وهناك الكثير من الأحاديث الأخرى التى تتحدث عن تحريم اللعن ، ومن الرحمة بالحيوان يا شمس في هدي نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز تعذيبه ولا تجويعه أو تكليفه ما لا يطيق بل وتحريم لعنه أيضا
شمس : وما العمل الآن يا جدي ؟ كيف اصلح ما قمت بفعله ؟
فهيم : الواجب على من لعن شيئا أن يتوب إلى الله تعالى ويكف لسانه عن مثل ذلك ويعزم على عدم العودة إلى ذلك مرة أخرى ، وفي النهاية تذكري حديث نبي الله صلى الله عليه وسلم ( ليس المسلم بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) ، فمن صفات المسلم حسن لسانه فلا يسب ولا يلعن ولا يُرى منه اي قبيح، هل فهمتِ يا حبيبتي ؟
اومأت شمس رأسها بفهم واستغفرت ربها ثم قامت بتقبيل يد جدها : لقد فهمت يا جدي ، لن أفعل هذا مرة أخرى
ربت الجد فوق ظهر صغيرته وولجا معا الى المنزل لينضما الى الجدة طاهرة في تناول الإفطار
بعد الإنتهاء من تناول الإفطار ساعدت شمس جدتها في تنظيف الصحون ثم خرجت من المنزل لتتجول في القرية ، قابلت الكثير من القرويين والأطفال
كان الجو هادئ وكانت شمس سعيدة للغاية وهي تتجول بين الحقول وتستمتع بجمال منظرها وعبيرها الساحر
*******
ظلام دَيْجُور يطوق المكان يتخلل كل ذرة منه زمهرير بَئِيس تآلف مع هذا الصرير المدوي في الأرجاء بسبب السلاسل الحديدية الضخمة التى تحتك بالأرض
أحدهم يجلس في مركز المكان وهو يلهث بتعب ويتمتم بصوته الأجش الغليظ : سأنتقم منكم جميعا ، أقسم أني سأنتقم
ثم صاح بأعلى صوته حتى تشققت حنجرته وآلمته أحباله الصوتية
*****
في صباح يوم جديد يوم أخر جميل قد أطل ومنزل الجدين تحيطه هالة جميلة من الدفئ والسعادة
طاهرة : عزيزتي شمس هل يمكنني طلب خدمة منكِ ؟
شمس : بالتأكيد يا جدتي كلي آذان صاغية
وضعت الجدة طاهرة صندوق مصنوع يدويا من القش ، فوق الطاولة ثم أردفت : لقد أخبرني جدك أنه سيتأخر اليوم في الحقل وأريدك أن تذهبي إليه بصندوق الغداء ، ما رأيك ؟
نهضت شمس بحماس : رائع ، أنتظري دقيقة سأبدل ثيابي وأعود بسرعة
صعدت شمس الي غرفتها وبدلت ثيابها ، ارتدت بلوزة صيفية حمراء اللون وسروال باللون الأبيض وقامت برفع شعرها الطويل الي الأعلى وهبطت مرة أخرى لجدتها : ها أنا ذا ، أعطيني الصندوق
مدت الجدة طاهرة يديها بالصندوق الذي تناولته شمس منها
طاهرة : كوني حريصة عليه ولا تركضي هنا وهناك فأنا أعرفك
اجابتها شمس بمرح : لا تقلقي أبدا ، سأكون فتاة ناضجة للغاية
ودعتها ثم خرجت من المنزل مسرعة وظلت تتجول في الأرجاء وتهرول كالمجانين متناسية وصية جدتها لها ، واخيرا وصلت شمس عند الحقول ، مساحات خضراء على مد البصر ، شكلها البديع وتناغم لونها مع زرقة السماء وتراقص الثمار مع نسمات الهواء الدافئة ، هذا المشهد الخلاب قد أخذ بعقل شمس
ركضت بسرعة متجهة نحو المراعي المجاورة للحقول وتسلقت السور الخشبي المحيط بالمرعى -حتى لا تضل الماشية طريقها- أغمضت عينيها وفتحت كلتا ذراعيها وكأنها تحتضن الهواء والطبيعة واخذت أكبر قدر ممكن من الهواء لتستمتع بنقاءه ورائحته العطره ثم أزالت الستار عن بندقيتاها ليقع نظرها على جدها الواقف على بعد مسافة ليست بالبعيدة منها فقفزت من فوق السور الخشبي وركضت باتجاه جدها وهي تلوح بيدها وصدحت بصوت عالي : جدي أنا هنا ، لقد أحضرت الغداء لك
نظر الجد حوله ليبحث عن مصدر الصوت الذي يعرف صاحبته جيدا لينخلع قلبه عندما يسمعها تصرخ بقوة وهي تستغيث به
لفت صراخ شمس انتباه جميع المزارعين فتوقفوا عما يفعلون ونظروا إليها ليهالهم ما يحدث ، شمس تركض بقوة وهناك أحد الثيران يركض خلفها واوشك على إصابتها بقرونه المدببة
هرول جميع الرجال بسرعة تجاه شمس لينقذوها من الثور الهائج وهي تصرخ والعبرات تتساقط من مقلتيها
شمس : جدي ساعدني ، جدي النجدة
لم تدرك شمس ماذا عليها أن تفعل لكي تنجو بحياتها حتى اقتربت من شجرة عملاقة فراودتها فكرة كانت كطوق النجاة لها ، ألا وهي تسلق الشجرة وقد ساعدها خوفها على تنفيذ الفكرة بالفعل
ظلت شمس متمسكة بأحد أغصان الشجرة وماتزال عيناها تزرف الدموع ، وهي ترفع ساقيها تارة وتأرجحها تارة أخرى ، تحاول منع الثور الواقف بالاسفل منها أن يصل إليها
مرت بضع دقائق تمكن فيها المزارعين من تهدأة الثور والابتعاد به عن شمس التي تتمسك بخصن الشجرة وكلتا يديها ترجفان بقوة من شدة الألم
وقف الجد فهيم أسفل الشجرة وهو ينظر إلي حفيدته بقلق وخوف عليها من أن يصيبها أي مكروه ، مد ذراعيه للأعلى وهو يصدح : اهبطي يا شمس ، اقفزي يا حبيبتي سوف أمسك بكِ لا تقلقي
أجابته شمس ببكاء : المكان مرتفع هنا ، لا يمكنني القفز
ازداد قلق الجد على محبوبته الصغيرة ولكن هدأه أحد الشباب الأشداء وهو يقترب من الشجرة : لا تقلق يا سيد فهيم سأحاول انقاذها
فهيم : أرجوك ساعدها يا هيثم يابني
أومأ هيثم رأسه بطاعة وقام بتسلق الشجرة ببراعة واقترب من شمس وهو يخاطبها بلطف حتى لا ترتبك وتسقط
هيثم : ايمكنكي الإمساك بيدي ؟
قالها هيثم وهو يمد يده في محاولة للوصول الي شمس التى أجابت بتوتر : لا يمكنني التحرك انشا واحدا
ثم صرخت عندما تفلتت إحدى يديها مما دفع هيثم إلي الاقتراب منها بسرعة وقام يتطويق يدها الأخرى بيده بسرعة وقوة قبل أن تسقط
تنهد الجميع براحه بعد تلك الموجة المرعبه من المشاعر التي هاجمتهم قبل قليل وقام هيثم برفع شمس بكل ما أوتي من قوة وانقذ حياتها وأخيرا هبط بها واستقر الجميع فوق العشب
قام الجد فهيم بضرب شمس على ظهر كفها الصغير وهو يعنفها : يالكِ من فتاة متهورة ، كم مرة أخبرتك ألا تفتعلي المشاكل ؟
طأطأت شمس رأسها بخجل وهي تتمتم : أنا آسفة
صمتت هنيهة ثم أردفت وهي ترفع رأسها مرة آخرى : لكني لم أكن السبب هذه المرة
أشارت إلى ثيابها في محاولة بائسة منها للدفاع عن نفسها : لقد ركض الثور خلفي بسبب اللون الأحمر
انفجر الجميع في الضحك فور نطق شمس بتلك التراهات وحرك الجد فهيم رأسه بفقدان الأمل في تلك المجنونة
شمس : ما الأمر ما المضحك فيما قولت ؟
أجابها هيثم وهو يحاول إخفاء ابتسامته : ألا تعلمين أن الثيران لا تستطيع رؤية اللون الأحمر أساسا
نظرت شمس إليه ببلاهة ثم أردفت : لا يمكن هذا لقد رأيت في أفلام الكرتون مصارع الثيران يستخدم علما لونه أحمر ليغضبه ويجعله يركض
تعالت ضحكات الجميع مرة أخرى فأجابها الجد فهيم هذه المرة ليوضح لها : يمكن لمصارع الثيران أن يستخدم علم باللون الوردي أو الارجواني لإغضاب الثور وليس بالضرورة العلم الأحمر فالثور لا يغضب بسبب اللون بل إن حركة العلم نفسه هي التي تتسبب في إغضابه ، ويعتبر السبب الحقيقي وراء استخدام مصارع الثيران للعلم الأحمر هو إخفاء الدم عن الثور ليس إلا
ثم قام بصفع جبهتها بخفة بإبهامه : فسبب مطاردة الثور لكِ أنك ركضت أمامه كالمجنونة
استمرت الضحكات في التعالِ وشمس تشعر بالخجل من موقفها أمام الجميع ولكن لا بأس فالحياة تجارب وها هي ذي حصلت على معلومة جديدة إثر هذه التجربة المميتة
*****
تمر الأيام تباعا وشمس ماتزال تقيم في منزل الجديين ولا تنفك عن افتعال المصائب واحدة تلو الأخرى كعادتها
.
أقبل فصل الخريف بهواءه المائل إلى البرودة وطقسه المضطرب وبدأت أوراق الأشجار في التساقط ، كانت شمس جالسه في غرفتها بجانب النافذة وهي تحاول إمساك أوراق الأشجار التي تتساقط من فوقها قبل أن تهبط على الأرض وكادت أن تمسك الورقة بالفعل ولكنها فشلت بسبب تلك الرياح التى هبت فجأة
أغمضت شمس عينيها بقوة حتى مرت الرياح ثم عاودت فتحهما من جديد وهي تنظر أمامها إلي هذا الضخم الشامخ بهدوء صاخب ، إنه الجبل في نهاية الغابة الصغيرة الموجودة غرب القرية ، طرق باب عقلها فكرة مجنونة ألا وهي الذهاب إلى الجبل ، إنها فرصتها التي أتت إليها على طبق من ذهب ، فوالديها كانا يصران دائما على منعها من الذهاب إلى الجبل والآن هي في القرية وحدها ولا أحد سيعرف ما ستفعله
خرجت من غرفتها وهي تسير على أناملها بخفة حتى لا يشعر بها جديها وهي تهمس لنفسها : لن اتأخر سألقي نظرة صغيرة على الجبل وأعود ، لا داعي لكل هذا القلق يا شمس
جمد أوصالها صوت جدها الرخيم الذي يسألها : ما الذي تفعلينه يا شمس ولماذا تسيرين كاللصوص هكذا ؟
نظرت شمس إليه وهي تبتسم ببلاهة : أنا ، أنا لا أفعل أي شئ ، فقط كنت ذاهبة لاتجول في القرية قليلا ولم أرد ازعاجكما
نظر الجد إليها بشك فابتسمت هي وقامت بعناقه بقوة : صدقني يا جدي ، سأتجول قليلا وأعود
نظرت إليه بعيونها الكبيرة اللامعة فما كان للجد سوى الاستسلام امامها
فهيم : حسنا ولكن لا تتأخري كثيرا الجو غائم ويبدوا أنها ستمطر الليلة
قفزت شمس بسعادة وهي تهتف : لا تقلق سأعود قبل حلول المساء
خرجت شمس وهي تهرول بسعادة وحماس متجهة الي الجبل الذي عقدت العزم على إكتشافه اليوم ، وصلت أخيرا إلي الغابة وقامت بعبورها بسهولة فهي صغيرة الي حد ما ثم رفعت رأسها وهي تنظر إلي الجبل العملاق بإنبهار : يال الروعة ، إنه يخطف الأنفاس حقا
صفقت بكلتا يديها وهي تقهقه بسعادة ثم بدأت في تسلق الجبل بهدوء وحذر وهي مندهشة من كل شئ تراه عيناها
مرت الساعات الطوال ولم تنتبه شمس إليها فقد كانت هائمة تماما في جمال الطبيعة حولها وكل تلك الخبايا البراقة التى يخبئها الجبل في كنفه ، حتى انها لم تنتبه انها توغّلت كثيرا في أعماق الجبل
بدأت الشمس في الانخفاض بهدوء وبدأ الجو يتبدل
شمس : ما هذا !! مطر ؟؟ إنها تمطر
ألقت نظرة فاحصة حولها ، لتدرك الحال الذي أصبحت عليه
شمس : يالهي لقد بدأت الشمس في المغيب ، على العودة بسرعة إلي المنزل
أسرعت شمس قاصدة العودة من حيث أتت ولكنها لم تعلم اين هي أو كيف تعود للقرية مرة أخرى ، تجولت هنا وهناك بقصد إيجاد طريق العودة ولكن بلا فائدة
حل المساء وخيم الهدوء على الجبل وشمس لاتزال تركض في الأرجاء لا تعرف إلي أين تذهب وقد تملكها التوتر والخوف فرغم جمال الجبل وروعته إلا أنه مفجع للغاية في الظلام
كانت شمس تركض بسرعة وعشوائية فهي عاجزة عن رؤية أي شئ بسبب الظلام كما أن الهدوء حولها كان قاتلا مزقه صوت الرعد الهادر ففزعت شمس وانزلقت قدمها بسبب الوحل فسقطت من أعلى المنحدر حتى سكنت على أرض منبسطة أمام كهف ضخم
مرت بضع دقائق حتى تمكنت شمس من معاودة الحركة مرة أخرى فجسدها كان ملئ بالرضوض والجروح إثر سقوطها ، رفعت بندقيتاها الملطخة بالدموع وهي تحاول رؤية أي شئ في هذا الظلام لتتفاجئ بما تجده أمامها ، هذا الكهف الضخم المغلق بالحجارة والأخشاب تخترقه نُقرَة صغيرة في جانبه
قررت شمس أن تدخل إلى الكهف من خلال تلك الفجوة الصغيرة لتحتمى من المطر على الأقل ، وفور ملامسة جسدها لأرضية الكهف من الداخل غطت في نوم عميق من التعب والألم
*****
كان الجد فهيم جالسا أمام إحدى النوافذ في منزله يطالع الخارج بقلق يكاد يفتك بقلبه
طاهرة بقلق : ألم تعد شمس بعد ؟
أجابها الجد فهيم وهو يحرك رأسه بنفي والقلق يعتل وجهه : كلا ، أشعر بالقلق عليها ، قلبي يخبرني إنها ليست بخير
جلست طاهرة على كرسي آخر جواره وهي تمسك بيده : لا تقلق ستكون بخير بإذن الله
فهيم : أتمنى هذا
طالع الجدان الفراغ أمامهما في إنتظار ظهور حفيدتهم في أي لحظة
*****
صوت أنين يدوي في الأرجاء ، كان الأنين مستمر ومزعج للغاية مما أقلق نوم شمس ودفعها للنهوض من مرقدها وهي تتفحص المكان حولها
شمس : هل يوجد أحد هنا ؟ من انت ؟ لما الأنين ؟ هل تتألم ؟
إنتابها القلق في البداية ولكنها قررت النهوض والبحث عن مصدر الصوت ، استمرت في السير داخل الكهف متجهة نحو الأنين وهي تطالع المكان باندهاش فرغم كونها داخل قلب الجبل إلا أن المكان مضئ بشكل غريب وجدران الكهف تبدوا رائعة للغاية بكل تلك الأحجار الكريمة البراقة التي تزينها
وصلت شمس اخيرا الى مركز الكهف والذي صدر عنه صوت الأنين ولكن ما وجدته أمامها لم يكن في الحسبان
رأت مخلوق غريب للغاية ، رَجُل ؟ كلا ، ثعبان ؟ لا أعتقد ، إنه نصف بشري ونصف تنين .. تنين .. اجل تنين ، شيء لا يقبله العقل ، كان هذا الرجل التنين يرقد في منتصف دائرة سوداء مرسومة على الارض تشبه طلاسم السحر ، مقيد في الأرض بسلاسل حديدية عملاقة ، وهناك أوتاد خشبية مختومة بتعاويذ سحرية تخترق جسدة
رغم شجاعة شمس وفضولها الشديد إلا أن هذا المشهد المفجع كان أكثر من تحملها فلم تشعر سوى بالأرض تهوى تحت قدميها وسقطت مغشي عليها
*****
أشرقت شمس الصباح لتشق بسيفها الذهبي ظلام الليل وتُذهب صمته المخيف ، استيقظت جميلتنا في سريرها داخل بيت جدها ، ونهضت فزعة خائفة
شمس : ما م ، ما هذا ؟ حلم ؟
هرعت الى المطبخ حيث كانت جدتها تعد الفطور بهدوء ككل صباح
صرخت بصوت مرتفع رَوّع جدتها : جدتي
فزعت الجدة للغاية مما دفعها لوضع يدها فوق قلبها : ما هذا يا شمس لقد افزعتني يا فتاة
اقتربت شمس من جدتها وامسكت كلتا يديها بقوة وهي تقول : بالأمس ، الجبل ، وجدت رجل ، تعاويذ
نظرت الجدة إليها بتيه وهي لا تفهم أي كلمة مما تقوله تلك الفتاة : أنا لم أفهم شئ يا شمس ما الذي تريدين قوله بالضبط ؟
جلست شمس فوق أحد الكراسي الخشبية وظلت تثرثر وتثرثر وهي تسرد لجدتها كل ما حدث معها بالتفصيل والجدة مندهشة مما تقوله شمس ، فشئ كهذا غير منطقي أبدا ً
طاهرة : ما هذه التراهات التي تروينها يا فتاة ، هل جننتي ؟
شمس : لكنني اتذكرة ، لقد رأيته بعيني هاتين ، هذا الرجل التنين
طاهرة : لابد أنكِ كنت تحلمين بعد أن فقدت وعيك بالأمس
سألتها شمس بتعجب : فقدت الوعي ؟ أنا ؟
طاهرة : أجل ، ليلة أمس تأخرتِ كثيرا بالخارج وقلقنا أنا والجد عليكِ كثيرا لذا ذهبنا للبحث عنك في القرية
رفعت راسها وهي تنظر إلى شمس بعتاب قاسٍ : لم نجدك في أي مكان وكادت قلوبنا تتمزق من الخوف والقلق عليكِ فاستعنا بالمزارعين ليساعدونا في البحث عنكِ وفي النهاية وجدناكِ في الغابة أسفل الجبل ، كان من الواضح للجميع أنكِ سقطتِ من فوق المنحدر فجسدكِ مغطى بالجروح والكدمات
طأطأت شمس رأسها بخجل من تصرفها غير الناضج : أنا أسفة
ظهر صوت الجد من خلفهم وهو يدلف إلي المطبخ ويقول بعتاب شديد : وبما يفيد الأسف الآن يا شمس ؟
رغرغت عيني شمس بالدموع وهي تستمع إلى جدها الذي بدأ بتعنيفها لأول مرة في حياته : لقد كذبتِ علي بالأمس ، أخبرتني أنكِ ستذهبين للتجول قليلا في القرية ولن تتأخري ولكنكِ خلفت كلامك ، ذهبت للجبل وبدون إذن وبدون معرفة أحد ، اخبريني ما الذي كنا سنفعله إذا أصابكِ مكروه ما ؟ ما الذي كنت سأقوله لوالديك إذا مسكِ الأذى ؟ كيف لم تفكري في شعورنا جميعا إذا حدث لكِ أي خطب !! إلى متى ستظلين متهورة هكذا ولا تفكرين في عواقب أفعالك ؟ ؟
اجهشت شمس في بكاء مرير بعد سماعها لعتاب جدها وبدأت في عتاب نفسها هي الأخرى على تصرفها غير المسؤول
تدخلت الجدة طاهرة لتخفف من حدة النقاش وقامت بمعانقة حفيدتها ، فمهما اخطأت هي لاتزال مدللتهم الصغيرة : لا بأس لا بأس، اهدأ يا عزيزي ، وأنتِ يا صغيرتي كفاكِ بكاء ، لقد مرت ليلة الأمس ، والحمد لله أنكِ بخير
نظرت شمس إلي جدها وعيناها غارقة في الدموع فلم يتحمل قلبه رؤيتها بهذا الحال المؤلم وقام بضمها لصدره بقوة : مزقتِ روحي من القلق عليكِ، لقد كاد قلبي ينخلع من مكانه عندما رأيتكِ ممدة على الأرض في الغابة والجروح تغطي جسدك
قامت شمس بمبادلة جدها العناق بقوة وهي تبكي : أنا آسفة يا جدي لم أكن اقصد اخافتك هكذا، أنا حقا آسفة
ربت الجد فوق ظهرها بحنو : لا بأس يا صغيرتي ، أخبريني هل أنتِ بخير ؟ هل تشعرين بأي ألم يا قرة عيني ؟؟
حركت شمس رأسها بنفي وهي تمسح العبرات عن وجنتيها : لا تقلق يا حبيبي أنا حقا بخير ، أشعر بالراحة بعد النوم العميق ليلة أمس
زفر الجد بطمأنينة وهو يحمد الله على سلامتها وأنه ردها إليه بخير
طاهرة : الآن دعونا نتناول الإفطار ، لابد أنكِ جائعة للغاية يا شمس بعد أحداث الأمس
شمس : معكِ حق أنا جائعة للغاية
فهيم : إذا هيا بنا بسم اللّٰه
خلال تناول الطعام لم تفارق صورة الرجل التنين ذهن شمس ، لقد بدا واقعيا للغاية ، هي واثقة أن ما رأته عيناها كان حقيقيا ، ولكن جدتها على حق ، شئ كهذا لا يمكن وجودة على أرض الواقع
يبدوا أن شمس كانت تهذي بالفعل او ربما فقدت عقلها كما يقول الآخرون عنها
*****
مرت الأيام ومنع الجد شمس من الخروج من منزله خوفا عليها من تهورها وعقابا لها في نفس الوقت ، ولكن هذا العقاب كان قاسيا عليها للغاية فقد بدا عليها الحزن والسقم وبدت كطائر مكسور القلب سجين قفص من حديد ، غير مسموح له بالرفرة بجناحية ، لذا قرر الجد أن يطلق سراحها مرة أخرى ولكن بشرط ألا تخرج من المنزل وحدها ولا تقترب من الجبل ثانية حتى لا تؤذي نفسها مرة أخرى
خرجت شمس مع جدها إلي الحقول ليباشر عمله وظلت هي جالسه تحت الشجرة العملاقة في قلب المرعى ، كانت تجلس على العشب الأخضر وهي تشاهد الأطفال يلعبون والمزاعين يحصدون محصول الذرة الذهبية الجميلة ، قاطع خلوتها صوت قهقة آت من خلف ظهرها ، رفعت شمس بندقيتاها الجميلتين ليقع نظرها على هذا الوسيم الواقف خلفها
شاب ضليع قمحي اللون وملامحه الشرقية الروجولية للغاية تزين وجهة المألوف بالنسبة لشمس
شمس : تبدو مألوف للغاية هل قابلتك من قبل ؟
هيثم : أجل ، أنا من انقذكِ من فوق تلك الشجرة من قبل
تذكرت شمس تلك الحادثة وابتسمت ، ثم قطع شرودها ضحك هيثم للمرة الثانية فقطبت حاجبيها وهي تسأل بضجر : ما الذي يضحك إلي هذه الدرجة ؟
أشار هيثم عليها وعاود الضحك مرة أخرى ، كانت شمس تمسك ثمرة مانجو عملاقة بين يديها وتأكل فيها بعشوائية مفرطة للغاية فلطخت كلتا يديها وفمها ونص وجهها
هيثم بقهقهة : تبدين كمن غاصت داخل برميل من عصير المانجو
نظرت شمس إليه والشر يقدح من عينيها ولكنها عندما نظرت لنفسها ضحكت هي الآخرى ، وبعد القليل من الوقت مدت شمس يدها بثمرة آخرى : تفضل ، تناولها ، طمعها لذيذ للغاية صدقني
أبتسم هيثم بفخر : بالطبع هي كذلك ، جميع محصول قريتنا لا يضاهى ابدا
أطلق العنان لنظراته الهائمة في أرض قريته الحبيبة : كل شبر من تلك القرية الصغيرة هو كنز من أغلى كنوز الأرض ومن لا يدرك ذلك فقد أضاع ذلك الكنز من يده
شمس : يبدو أنك تحب قريتك جدا
هيثم : بالتأكيد أحبها ، لقد ولدت وترعرعت هنا أكلت من خيرها ولعبت بطميها ، وبعد أن اشتد عودي ونضجت ساعدت في بناءها
أشار بيده للحقول : لقد زرفت أنا وغيري الكثير من العرق حتى نتمكن من بناء تلك الجنة الخلابة ، عملنا قصارى جهدنا لتبدو أرضنا وكأنها عروس في ليلة زفافها فكيف لي ألا أعشق ترابها
أبتسمت شمس بحب وهي تنظر للحقول الذهبية أمامها وتطرب أذنها من سماع غزل هيثم في أرضهم
مد هيثم يده وأخذ ثمرة المانجو وأخرج من جلبابه سكين صغير وبدأ بتقطيع الثمرة بطريقة احترافية جعلها قطع سهلة الأكل
هيثم : ها أنتِ ذا ، يمكنت تناول الثمرة هكذا بدلا من تلطيخ نفسك هكذا كالاطفال
حركت شمس رأسها بنفي وهي لاتزال مستمرة في تناول المانجو : أحب تناولها هكذا ، أشعر بالراحة أكثر
هيثم : ولكن لا يمكنك تناولها هكذا فأنت فتاة وعليك أن تكوني رقيقة ومهذبة
نظر شمس إليه شزرا : هل تقصد أنى غير مهذبه ؟
هيثم : للعلم ستكونين غير مهذبه إذا تابعتي الأكل بتلك العشوائية
أخذ المانجو من يدها ثم قام بوضع القطع فوق أحد أوراق الشجرة العملاقة كأنه صحن ووضعها أمام شمس : يمكنكِ تناولها هكذا وستكون لذيذة أيضا وبتلك الطريقة لن تخسري أنوثتك ورونقك
عاندت شمس في البداية ولكنها استسلمت في نهاية المطاف فهي فتاة على أي حال وعادة الفتيات أنهن يحبون الظهور بمظهر لطيف أمام الآخرين
نظر هيثم إلي شمس وهي تتناول الثمرة بلطف هذه المرة وهي تراقب الماشية والمزارعين ثم أبتسم بهدوء وإعجاب من نعومتها ولطفها
*****
نظر هيثم إلي شمس وهي تتناول الثمرة بلطف هذه المرة وهي تراقب الماشية والمزارعين ثم أبتسم بهدوء وإعجاب من نعومتها ولطفها
شمس : كنت أريد سؤالك عن شئ ما ؟
هيثم: بالتأكيد تفضلي
شمس : هل تعرف شيئا عن الكهف الموجود في الجبل ؟
تغيرت تعابير وجه هيثم من الهدوء إلي الغضب وقطب حاجبيه وهو ينهض بشكل مفاجئ : لا أدري عما تتحدثين ، وأتمنى أن تتوقفي عن التنقيب حول المشاكل فليس لدى القرويين الوقت الكاف للبحث عنك مرة آخرى كما حدث سابقا
أنهى هيثم كلماته الغاضبه ثم رحل مباشرة متجها الي الحقول ليساعد المزارعين في جني المحصول
شمس : ما الذي أصابه فجأة ؟ هل فقد عقله أم ماذا ؟
نظرت شمس إلي ثمرة المانجو التي أعدها لها وقطبت حاجبيها وهي تدفعها بعيدا عنها بحنق واخدت الثمرة الأخرى وعاودت تناولها بعشوائية مرة أخرى
*****
مرت عدة أيام وشمس لا تزال تفكر فيما رأته في ذلك اليوم وفي رد فعل هيثم على سؤالها وعقلها مشوش حتى قررت الذهاب للجبل مرة أخرى والتأكد مما رأت
شمس تحدث نفسها : أنا آسفة يا جدي ولكن علي الذهاب ، قد ينفجر عقلي حقا إذا لم اتأكد من هذا الأمر
وبالفعل خرجت شمس من المنزل بهدوء وسرية تامه حتى لا يلاحظ جديها وهرعت بسرعة متجهة نحو الجبل وقبل أن تصل إلى الغابة قابلت بعض الأطفال في طريقها فقررت سؤالهم عن الكهف فجديها وكذلك هيثم لا يريدون إخبارها بأي شيء
شمس : المعذرة أيها الأولاد
نظر إليها الأطفال بتعجب فاقتربت هي منهم بتردد : كنت أريد أن أسألكم عن شئ هام ، يبدو أنكم أذكياء للغاية وستتمكنون من الإجابة بسهولة
زاد تعجب الأولاد فتقدم أكبرهم ليبادر هو بالحديث هذه المرة : يبدو أنكِ لستِ من هذه القرية يا آنسة ، أنا أدعى عُمران ، يمكنك سؤالي عما تشائين فأنا أعرف كل شئ عن هذه القرية
تهللت أسارير شمس فهاهي ذي على شفا معرفة ما يريح قلبها ويسكن فضولها الكبير
رفعت شمس يدها مشيرة إلى الجبل الضخم : هل تعرف كل شئ عن ذلك الجبل يا عمران ؟
عمران : نعم يا آنسه ، لقد أخبرتكِ أنني أعرف كل شئ
شمس : هذا جيد للغاية ، إذا أخبرني ما تعرفه عن الكهف أعلى الجبل
نظر الأولاد إلي بعضهم البعض بحيرة وتعجب ثم سأل عمران : عن أي كهف تتحدثين يا آنسه !! لا يوجد كهوف في جبلنا
شمس بتعجب : كيف هذا ، أنا واثقة أننى رأيته ذلك اليوم
رمق الأطفال شمس بنظرة ازدراء وتولوا مبتعدين عنها ناعتين إياها بالجنون
صاحت شمس بغضب في الأولاد المزعجين في نظرها : أنا متأكدة أيها الحمقى أننى رأيت الكهف أعلى الجبل
أخرج أحد الأطفال لسانه لشمس ثم ركض مع أقرانه وهم يضحكون تاركين شمس خلفهم تستشيط غضبا وتسبهم بكل الألقاب القبيحة التي تعرفها في عقلها
قاطع تفكيرها الوقح ذلك صوت إحدى سيدات القرية الثرثارات التي سألتها بتعجب بعد أن سمعت الحديث الذي دار بينها وبين الأولاد
السيدة : يا فتاة ، هل كنتِ تسألين عن الكهف المغلق للتو ؟
ألتفتت شمس بأمل علها تصل إلي إجابة عن تساؤلاتها
شمس : أجل أجل فعلت ، هل تعرفين ذلك الكهف يا سيدتي ؟ لقد قال الأطفال أنه لا وجود لكهوف على الجبل لكني متأكدة أننى رأيته
السيدة : أطفال القرية لا يعرفون شيئا عن الكهف
اشاحت بنظرها لأعلى الجبل وكأنها تبصر الكهف : إنه الكهف الوحيد في الجبل ولا احد يعرفه سوى البالغين
اقتربت شمس من السيدة تحاول معرفة المزيد : وما حكاية ذلك الكهف يا خالة ؟ لماذا هو مغلق وماالذي بداخله ؟ أريد أن أعرف كل شئ عنه
نظرت إليها السيدة الثرثارة وشرعت في هوايتها المفضلة وهي الثرثرة بكل ما تعرفه : إنها قصة طويلة للغاية يا فتاة ، حدث هذا منذ مئات السنين ، منذ عهد أجدادنا ، في إحدى الليالي المـــــ
قاطع ثرثرة السيدة سيدة أخرى أكبر منها في السن بسنون قليلة وكانت تتحدث بصرامة بالغة : سيدة نعمة ما الذي تتحدثين به مع طفلة صغيرة ؟ لا يمكنك البوح بذلك السر ابدا أمامها
شمس : أنا لست طفلة يا سيدتي ، أنا فتاة بالغة ولكني قصيرة بعض الشئ
أبتسمت السيدة بود وهي تربت فوق ظهرها بحنو : أنا أعرفك جيدا ، أنتِ شمس حفيده الجد فهيم والسيدة الطيبة طاهرة ، أليس كذلك ؟
شمس : أجل يا سيدتي أنا هي
أمسكت السيدة بيدها الصغيرة : أنسى ماسمعته الآن يا عزيزتي شمس ويمكنك الذهاب للعب في الحقول بدلا من السؤال عن التراهات ، ما رأيك ؟
شمس : ولكن___
ربتت السيدة فوق ظهرها مرة آخرى وهي تحثها على الذهاب : إنها أسطورة قديمة لا حقيقة لها مثلها كمثل بقية قصص الأطفال الخيالية لذا لا تهتمي يا صغيرتي
طأطأت شمس رأسها بخيبة أمل : حسنا يا سيدتي
السيدة : فتاة مطيعة ، هيا اذهبي يا صغيرتي ، ولا تقتربي من الغابة لكي لا تفقدي طريقك ، كما حدث في المرة السابقة
أحمرت وجنتي شمس بحرج ثم ألقت السلام وركضت نحو للحقول والسيدة تراقبها حتى اختفت داخل الحقول
نظرت السيدة الي نعمة بوجهة متجهم : يا إمرأة ألا يمكنتِ السيطرة على لسانك هذا قليلا ؟ هل تعرفين حجم الكارثة التي كنتِ على شفا حفرة منها الآن ؟
نعمة بحرج : أنتِ تعرفين يا حكيمة لا يمكنني السيطرة على هذا الأمر
حكيمة بصرامة : أيّن يكن يا نعمة فهذا الموضوع بشكل خاص لا يمكنكِ الثرثرة فيه هكذا ، هل تريدين أن يحل علينا الهلاك كما حدث مع الأجداد ؟
رفعت نعمة يدها واضعة إياها فوق صدرها بهلع : حفظنا الله حفظنا الله لا تقولي هذا يا حكيمة أنتِ ترعبيني
حكيمة : إذا عليكِ التوقف عن التحدث عن الأمر ، فنحن أضعف من أن يصيبنا ما أصاب الأجداد
سارت السيدتان متجهتان الي منازلهما وهما تتحدثان عن أمور الحياة المختلفة وقوت العيش
*****
وسط تلك الحقول الذهبية تسير المشاغبة الصغيرة وهي تحدث نفسها بحماس ، فقد أثار حديث السيدتين فضولها أكثر وأكثر
شمس : كنت أعرف ، كنت متأكدة أنه ليس حلما ، هناك شئ ما حول هذا الكهف العجيب يحاول الجميع اخفاءه عني ، ولابد لي من معرفته لا محالة
اشاحت بنظرها نحو الجبل : سأعود إليك مرة أخرى حينها سأعرف ما الذي يجري هناك ، أعدك
وفي الصباح الباكر من اليوم التالي ذهبت شمس إلى الجبل علها تصل إلي أي شئ يشبع فضولها ، تجولت كثيرا في الأرجاء وتسلقت بعض الصخور والمرتفعات باحثة هنا وهناك عن الكهف لكن دون جدوى ويكأن الكهف تبخر بسبب شمس الظهيرة الدافئة
قالت شمس وهي تحاول ألتقاط أنفاسها بصعوبة جراء المجهود الذي بذلته : لا أصدق ما يحدث حقا ، لقد اختفى الكهف تماما، لماذا لا يمكنني الوصول إليه ؟
أشاحت بنظرها نحو السماء فرأت الجميلة الذهبية على وشك الخلود الى النوم فقررت العودة إلى المنزل ومعاودة البحث عن الكهف في يوم آخر ، ولكنها لن تستسلم بالتأكيد وستصل إلي بغياها قريبا بلا شك
وهكذا مرت الأيام تباعا وشمس لا تكف عن البحث والتنقيب داخل الجبل علها تصل الي هذا الكهف المفقود
يوم يتلوه اخيه حتى مرت أيام لا تدري شمس عددها من كثرتها وهي لا تزال تاهئة في الجبل ولا يمكنها تحديد مكان الكهف بالضبط
*****
فتح سوداوتاه بهدوء وهو يردد اسمها بين شفتيه ثم رفع رأسه للأعلى وقال بصوته الأجش الغليظ : ها أنتِ ذي ، هل ستنتهي الحكاية أم أنها لاتزال في بدايتها ؟ مالذي يخبئه القدر لنا أيتها الجنية الصغيرة ؟
حرك يده المكبلة بالسلاسل وقام بنحت اسمها على الأرض بمخالبه الحادة ثم قام بمحوه مرة أخري بكف يده ليترك أثره باهتا فوق الأرض
*****
في أحد الأيام الماطرة كسابقتها فمؤخرا أصبحت السماء تمطر كثيرا فنحن على مشارف فصل الشتاء البارد
كانت شمس تتجول في الجبل بملل فهي قد فقدت شغفها نحو الكهف بعد أن فشلت في العثور عليه وكأنه كان دربا من الخيال
كانت تسير وهي تنظر إلي الأرض وتركل الحصى الصغيرة بقدمها وهي شاردة الذهن تماما ولم تنتبه للطريق الذي تسير فيه حتى اصطدم ذراعها بلوح خشبي وخدش جلدها جراء مسمار مدبب يخترق اللوح
صرخت شمس بألم وهي تمسك بذراعها وتتفقد الخدش بألم
شمس : يا إلهي ، مرة أخرى ، ألا تكفين عن إيذاء نفسك يا شمس ، كلما خرجت إلي أي مكان تعودين وقد حصلت على ندبة جديدة في جسدا ، سحقا
رفعت جميلتاها لتنظر بهما إلي ذلك اللوح الأحمق الذي خدشها ولكنها ذهلت وهالها ما رأت أمامها ، إنه الكهف المفقود ، إنه حقا أمامها
أتعلم المقولة ” إذا تجاهلت الشئ يأتيك بنفسه ” هذا ما ينطبق على هذا الكهف المغفل فقد بحثت شمس عنه لعدة أيام وعندما فقدت الأمل وتجاهلت وجوده ظهر وحده دون تعب ، حقا هذا شئ يذهب العقل
أثنت شمس ظهرها وهي تضع يدها فوق قلبها وهي تحدق في الكهف بتوجس ورهبة فهذا الكهف يبدوا مريبا ، ضخم مخيف موحش مغلق بالحجارة والأخشاب عدا فجوة صغيرة منه بالكاد تسمح لمرور شخص خلالها
كانت شمس مرتبكة بعض الشئ ولكنها استجمعت شجاعتها وولجت إلي الكهف بخطوات مرتعدة وهي تحاول تشجيع نفسها
شمس : لا بأس يا شمس لا بأس ، كل شئ سيكون على ما يرام ، لا يوجد شئ مخيف
هذا ما حاولت أن تقنع عقلها به قبل أن ترى ذلك الكائن المرعب ثانية فأخذت تقفز عدة مرات وهي تصرخ بهلع
شمس : كلا كلا لاااااااا ، إنه هنا هنا لاااااا ، أمي يا إلهي أنه موجود بالفعل أمــــــــي
تلك الصراخات المجنونة كانت مزعجة بالشكل الكافي لإيقاظ هذا النائم المخيف
حرك الهجين رأسه بصعوبة إثر تلك السلاسل العملاقة التي تكبل عنقه ونظر إلي الرعناء التي تنكص أمامه كالتي أصابها مس ما من الشيطان ، نظراته كانت حادة ومخيفة أصابت شمس بالرعشة من منابت شعر رأسها وحتى أخمص قدميها ، ولكن هيهات من تلك المجنونة أن تخاف أو ترحل كأي أنسي عاقل
تقدمت شمس بخطوات متردده وتكاد من قوة دقات قلبها تقسم أنه سيخرج من بين اضلعها
تحدثت شمس بصوت مرتعد وكلمات سريعة تكاد تفتك بالمسكين من فضولها المزعج : من أنت ؟ وما الذي تفعله هنا ؟ ولماذا أنت مكبل في الأرض بتلك الطريقة ؟ وكيف يمكن وجوك كائن مثلك في الواقع هكذا ؟
رفع الغامض سوداوتاه التى شابتها الحمرة من شدة غضبة وثار فيها كبركان راكد من عقود واخيرا سنحت له الفرصة في الإنفجار وإفراغ حممه الحارقة
الغامض : من ، أنتِ ؟؟ من أنت وماذا تفعلين في أرضي ؟ ارحلي
صرخ بصوته الجهوري الأجش بنبرة كادت تصم أذن الفتاة وتقتلع قلبها من مكانه: اخرجي من هنا، غادريــــي
كانت شمس متحجرة في مكانها لا تنبس ببنت شفة أوصالها ترتعد بفزع وهي تراقب ذلك العملاق المرعب وهو يتحرك كالثور الهائج بين تلك السلاسل الحديدية التى لولا وجودها لكانت في خبر كان
شمس تردد داخل عقلها : ما هذا ؟؟ إنه مخيف ، لا يمكنني تحمل هذا ، أريد العودة إلى البيت ، لا يمكنني التحكم في دموعي
زمجر التنين بقوة وغضب في وجه شمس التى تراجعت عدة خطوات للخلف بهدوء وتوتر حتى خرجت من الكهف ثم توجهت مباشرة نحو منزل جدها وهي في حالة لا يرثى لها من الهلع والزعر والآلئ اللامعة تتراقص فوق ستار رموشها البنية الكثيفة
ألتقطت شمس العبرات الصغيرة بأناملها حتى لا تثير الشكوك نحوها ودلفت إلي المنزل بهدوء لا يناسب طبيعتها مما دفع الجدة من التعجب وطرح الأسئلة
طاهرة : ماذا بكِ يا حبيبتي شمس تبدين على غير عادتك
نظرت شمس إلي جدتها بعيون زائغة وعقل مشوش : كلا أنا بخير
قلقت الجدة من شحوب صغيرتها فاحتضنت وجنتيها بين كفيها الدافئتين : ماذا أصابك يا صغيرتي ، وجهك شاحب كحبات الثلج ، ما الخطب ؟
أنتبه الجد لحديث زوجته فترك الجريدة التي كانت بين أنامله ونظر لشمس من فوق عويناته المعدنية ليلاحظ شحوب وجهها واحتقان عينيها بالدموع
فهيم : ما الخطب يا صغيرتي ؟ لما كل هذا الشحوب والزعر ؟
تمالكت شمس أعصابها وحاولت قدر الإمكان التحكم في انفعالاتها حتى لا يتم اكتشاف ما قامت به
شمس : لقد، فقط رأيت طائر مصاب في أحد أجنحته وعندما حاولت مساعدته فشلت وفقد الجريح حياته
اخفضت نظرها إلى الأرض فهاهي ذي لأول مرة في حياتها تكذب على أحدهم ومن يكون جدها الحبيب
اقترب فهيم من شمس وقام بضمها والتربيت فوق كتفها ليهدأ من روعها قليلا : لا بأس عليكِ يا صغيرتي ، لا بأس عليكِ
كففت شمس دموع الندم التى تسللت من بين رموشها ونظرت لجديها : سأصعد إلي غرفتي ، أريد أن أنال قسطا من الراحة
طاهرة : ألن تتناولي الطعام ؟
شمس : كلا ليس الآن
انسحبت شمس بدون إضافة كلمة آخرى فهي تدرك مقدار الخطأ الذي ارتكبته الآن
وهل يوجد اسوء من الكذب في هذا العالم
*****
لتكملة القصة اضغط الزر بالاسفل






