ألوان الطيف

مقدمة.
أحمر.. برتقالي.. أصفر.. أخضر.. أزرق.. نيلي.. بنفسجي
ألوان الطيف، مفيش ثوابت مجرد ضوء بيخترق عينينا، مفيش لون أبيض ولا لون أسود هما سبع ألوان بس.
أحمر.. برتقالي.. أصفر.. أخضر.. أزرق..نيلي.. بنفسجي
سلسلة قصص عن ألوان الطيف، ألوان قوس قزح، كل قصة بتحكي عن لون.
أحمر.. برتقالي.. أصفر.. أخضر.. أزرق.. نيلي.. بنفسجي.
هنحكي في قصصنا، قد إيه الألوان دي ممكن تكون مخيفة، أو أبسط وصف إنها مش زي ما إحنا تخيلناها وإحنا صغيرين.
فكرة القصص للدكتور أحمد خالد توفيق، وبعد كده أختار كاتب إنه يكتب عن تلت ألوان، وأختار الكاتب التاني كتابه الأربع الألوان التانية.
فمين أختار إيه؟
سؤال متروك للقارئ، هل هتقدر تجاوب؟
اللون الأحمر
دكتور مدحت وهو ينفخ دخان البايب: اللون الأحمر من أهم ألوان قوس قزح، فهو لون الدم اللي بيجري في عروقنا، واللون اللي بيمثل الحب والقلوب، ولون الورد البلدي الأحمر الجميل، ولون أول شعاع من الشمس في شروق وأخر شعاع منها في الغروب، والأكتر من ده كله إنه لونهم!!
” كانت منطقة المقطم أفضل مكان لتنفيذ مهمتنا.
في أي قصة بتكون منطقة الفيلات في المقطم هي مكان كويس لتنفيذ الخطط الشريرة زي إنتاج الكيف أو أكل الموتى أوشرب الدماء أو غيرها من الأفعال المجنونة.
بس اللي أقدر أقوله إن أنا رايح لحاجة أسوء من كده.
دكتور مدحت هو اللي صحاني عشان يبلغني إن النهاردة هو اليوم المنتظر، نطيت من السرير وركبت العربية وسوقت لحد هناك.
معقول النهاردة اليوم اللي كنا مستنينه.
وقفت العربية عند الفيلا اللي شكلها ما يحسسش بأي راحة أو أمان، بدأت أخذ نفس عميق واستفاد بأكبر قدر من الهوا الدافي في العربية قبل مطلع للبرد والثلج والرياح اللي ما بترحمش.
رحت لشنطة العربية وخرجت شنطة كبيرة وضخمة من الجلد، وشلتها بصعوبة ورحت عند باب الفيلا، خبطت الباب وفتحلي الدكتور مدحت وهو بينفخ من البايب اللي مليانه بالتبغ، مفيش مرة شفت فيها الراجل ده ألا وهو بيدخن.
دكتور مدحت: جبت اللي قلتلك عليه؟!
بصيت على الشنطة اللي في إيدي وحركت راسي بمعنى اه.
أتحرك دكتور مدحت من قدامي ودخلت الفيلا، شعور جميل اني أرجع لمكان دافي بعد السقعة الرهيبة الموجودة بره، وفي الصالون كان باقي الناس مستنياني.
الأستاذ علي ليه جسم تخين وقصير، والأستاذ رمضان اللي على طول متوتر وغضبان وعصبي، والأستاذ فهد صاحب الوجه الجامد والملامح القاسية.
حرك الكل راسه تحيه ليا، قعدت جنبهم.
دكتور مدحت وهو بيحرك إيده في شعره الأبيض وهو بيقول بكل جدية وصرامة والبايب في بقه: إحنا هنبدأ دلوقتي، اللي مش هيقدر يكمل وعايز يتراجع يقول حالا.
مفيش رد كله ساكت، نفخ دكتور مدحت دخان أكتر ومشي عند باب اوضة وقال.
دكتور مدحت: اتفضلوا ورايا لو سمحت.
مشينا وراه لأوضة مكناش شايفينها في الأول، كنا كلنا مستغربين إلا إن محدش مننا نطق ولا أتكلم.
كان مرسوم على الأرض النجمة المشهورة صاحبة الخمس إتجاهات، وكل إتجاه من النجمة بينتهي بكرسي، وكان في النص حاجة موجودة، وبقول عليها حاجة لأن إحنا مكناش نعرف إسمها، إلا إننا بعد كده اتفقنا ما بينا وما بين بعض إننا نسميها جهاز معرفة الحقيقة.
كان عبارة عن سطح حجري ناعم، موجود في آخره بلورة صافية من الإزاز ،على السطح نفسه جزء فاضي بشكل جسم إنسان، وهو معمول بالفعل عشان يتحط في الفراغ ده جسم إنسان.
قعد فهد وعلي ورمضان علي الكراسي بتاعتهم، وظهر على وشهم التوتر والإنفعال، فضلت انا واقف وشايل الشنطة الكبيرة اللي معايا، مستني إشاره من دكتور مدحت، اللي ثواني وحرك راسه بمعنى إفتحها، حطيت الشنطة على الأرض بهدوء قعدت على ركبتي عشان أفتحها.
وأول ما فتحتها بدأت نظارات الرعب وأصوات الإستنكار تظهر من التلاتة الأفاضل اللي قاعدين.
خرجت من الشنطة جسم طفل، اللي كان باين عليه إن هو ميت بسبب لون جسمه والدم المتجلط على راسه، كانت جسم الطفل بدأ يظهر عليها التحلل مع إني كنت حريص على حفظها كويس.
الوحيد اللي فضل متماسك وثابت وملامحه صارمة كان دكتور مدحت، شلت جسم الطفل وحطتيه على السطح الصخري في الجزء الفاضي، وقعدت على الكرسي اللي باقي في إتجاه من إتجاهات النجمة .
قعد الدكتور مدحت، وفضل ساكت لمدة دقيقة، كإنه بينبهنا خلاص جه الوقت، نفخ دخان البايب مرة كمان وقالنا.
دكتور مدحت: أنتوا عارفين كويس إحنا جايين هنا ليه بس خليني أفكركم، إحنا جايين عشان نستخدم جهاز معرفة الحقيقة، اللي فضل مدة طويلة أوي سر ولغز لكل العلماء والباحثين على مدار السنين.
كنت عارف كويس المقدمة اللي كان هيقولها دكتور مدحت عشان كده سرحت بتفكيري، وعينيا متحرتكش من علي الطفل، يبان لأي حد يبصله إنه طفل صغير نايم ممكن يصحي في أي وقت، إلا إن بقع الدم اللي موجودة على وشه كفيله إنها تلغي التفكير ده من دماغك.
حادثة عربية كانت سبب في وجود كسر في الجمجمة وتدمير جزء من الدماغ، يعتبر موت سريع بس مش نظيف بسبب كمية الدم اللي نزلت من الولد، يشيل الأب والأم طفلهم ويجروا على المستشفى وهما متخيلين إن الدكاترة هتعمل معجزة ترجعه للحياة.
الأمر واضح من أول ثانية، إن مفيش أي أمل، كل اللي نقدر نعمله إننا نحاول نهدي الأب والأم اللي بيوصلوا لمرحلة الإنهيار.
جهاز معرفة الحقيقة أتصنع من زمن بعيد علي إيد سحرة، كان سبب صنعه إستدعاء شيء غير معروف من عالم تاني ليسكن في الجسم الموجود في الفراغ والموجود على السطح الصخري.
لما كنت طالب في كلية طب، قال لينا واحد من الدكاترة إنه أصعب لحظة في حياة الدكتور، هي اللحظة اللي بيبلغ فيها أهل المريض بوفاته، هيتعرض فيها لكمية كبيرة من الرفض والصراخ والخوف، بس مع الوقت هيقدر يتعايش مع اللحظة الصعبة ديه، وهيعاملها بشكل عادي بل أقل من العادي.
وأقدر أقول إني بقيت شاطر في الموضوع ده، لدرجة إنى استنيت أما بلغت الأب والأم بالوفاة، وبعد مروحو منهارين حاطيت الجثة في شنطة مليانة ثلج وبعد كده أخذتها في بيتي وحطيتها في ثلاجة مخصصة للأمر ده، واستنيت اليوم المنتظر.
بمجرد إن الشيء الغير معروف ده يسكن في الجسم، يقدر الجسد ده يتحرك ويتكلم، طبعاً الجثة مبترجعش للحياة، ولكن الشيء ده هو اللي بيتحرك ويتكلم عن طريق الجسم وإحنا بنخليه يقولنا الحقيقة.
طبعاً قصة عدم وجود جسم الطفل ما عدتش بسهولة، كان في إنهيار من الأب والأم، وتحقيقات، وصحف بتكتب عن الخبر وبعد كده كل حاجة انتهت واتنست.
وإتسجل إختفاء جثة الطفل إلى إنه تم دفنه عن طريق الخطأ بإسم حد تاني، وياخد الأب والأم تعويض كويس ينسيهم الموضوع أصلا، وأفضل أنا بعيد عن أي شكوك أو إتهامات.
إيه اللي يخلي دكتور محترم زيي يسرق؟
أقدر أقول إن كل ده بسبب اللي هيحصل النهاردة.
دكتور مدحت: بمجرد ما نستخدم جهاز الحقيقة هنقدر نعرف حقيقة اللي حصل قبل كده، وحقيقي اللي ممكن يحصل.
كل واحد منكم ليه سؤال واحد بس ،السؤال ده يقدر يكون سبب في الغنى والفلوس، أو يكون سبب إنه ينقذ حياتك اللي قربت من الموت، عشان كده لازم تركزوا كويس، واختاروا أسئلتكم بعناية.
كان ده الوقت اللي بصنا فيه لبعض، وعلى وشنا مشاعر متلخبطة خوف على توتر على قلق.
سؤال واحد بس لكل واحد، تفتكر لو كنت موجود معانا كنت هتختار سؤال إيه؟
فكر كويس، زي ما الدكتور مدحت قال سؤال واحد ممكن يكون سبب الغنا والفلوس، أو يكون سبب إنك تنقذ حياتك اللي قربت على الإنتهاء.
أنا عن نفسي عارف اللي هسأله، السؤال اللي هيكون سبب في إني ألاقي ملايين الفلوس اللي سابتها مراتي المتوفية.
العجوزة الغبية خبت فلوسها عني قبل ما تموت بعد ما عرفت إني أتجوزتها عشان فلوسها، طبعاً أتجوزتها عشان فلوسها أما أتجوزها عشان إيه؟!
أي شاب يتجوز عجوز عمرها أكبر من عمره مرتين هيكون باصص على فلوسها حتى لو قال غير كده.
وأنا كنت الفقير الملهوف اللي بيدور على الفلوس اللي موجودة بكمية كبيرة أوي عندها.
قطع تفكيري الأستاذ علي بسؤاله سخيف: مسموح بسؤال واحد بس؟!
حرك دكتور مدحت راسه بمعنى أيوه وكمل الكلام اللي كان بيقوله ونفخ الدخان كالمعتاد.
دكتور مدحت: في حاجة لازم تعرفوها كويس أوي، لازم تاخدوا بالكم منها إن الجهاز ده هيفتح تواصل بين العالم بتاعنا، وعالم تاني ماحدش عارف إيه اللي موجود فيه غير ربنا، عشان كده البلورة الإزاز هتكون زي جهاز التنبيه، أول ما تتلون باللون الأخضر ده معناه إن الإتصال ناجح بين العالمين، وأول ما تلون اللون الازرق معناها إن الشيء اللي استدعناه موجود وهيجاوب على اسئلتنا .
سكت دكتور مدحت للحظة وبلع ريقه بصعوبة: المصيبة لو البلورة لونت باللون الأحمر، فده معناه إن هما موجودين، اللون الاحمر يبقى لونهم.
رمضان بعصبيته المعتادة: مين هما؟! مش فاهم أي حاجة من الألغاز اللي بتقولها.
يكمل دكتور مدحت بتحذير: زي ما قلت قبل كده محدش عارف ايه اللي موجود في العالم ده إلا ربنا، لما البلورة تلون باللون الاحمر فده معناه وجود أخطر حاجة في الكون ده، لو ظهرت البلورة باللون الأحمر فده معناه إن إمكانية خروجنا من التجربة دي أحياء قليل أوي، عشان كده أنا هكرر عليكم تاني اللي عايز ينسحب دلوقتي فيكم يتفضل.
سكت الكل ومحدش نطق، ورجعت أنا أفكر، مراتي بدأت تعرف الحقيقة من سنة واحدة بس، كانت كبيرة وعجوزة إلا إن هي ست في النهاية، وقدرت تعرف بالحاسة السادسة بتاعتها إن في حاجة غلط وخاصة رجوعي للبيت متأخر دايما، والمكالمات اللي بتيجي وأول متسمع صوتها تقفل في وشها، أكيد فكرت إن في واحدة تانية ويمكن أكتر من واحدة، وكانت هي دي الحقيقة.
وأول ما قالتلي كنت خلاص زهقت من عيشتي معاها، وزهت إنها لسه عايشه لغاية دلوقتي، فنفجرت وقلتلها كل حاجة، وكانت في صدمة وذهول، بس للأسف خبت كل ثروتها عني قبل متموت، ده حتى هي مكانتش تعرف إن موتها مكنش موته طبيعية وهي فعلاً مكانتش كده.
قطع تفكيري دكتور مدحت: هنبتدي ولا إيه؟
محدش أتكلم كأننا بنوافق على البدء .
يكمل دكتور مدحت: كل واحد يطلع الأوراق اللي اديتهاكم قبل كده.
خرجت الورقة المطبقة من جيبي وفتحها وبصت على الكلمات اللاتينية اللي كتبها دكتور مدحت بخط إيده، أنا نسيت معنى الكلمات اللي هو قالهالنا بس مش مهم أكيد هي مش محتاجة أي مشاعر أو أحاسيس عشان أقرأها .
لعب دكتور مدحت في أزرار النور عشان تبقى الإضاءة خفيفة في الأوضة، وبقى كل واحد شايف التاني بصعوبة، حط دكتور مدحت البايب على جنب، أخيراً سابه من إيده.
دكتور مدحت: يلا نقرأ التعويذة.
ماراس..كنهان..مينوب..ساراس.
كلمات أتكتبت من السحرة من زمن بعيد، بنقولها ونكررها بتردد وخوف وقلق وعنينا بتبص على جثة الطفل وعلى البلورة الأزاز.
ماراس..كنهان..مينوب..ساراس.
تلمع البلورة باللون الأخضر ويدينا ده إحساس إن إحنا ماشيين صح وتم الإتصال بنجاح، وأفضل أبص على وش الطفل والدم اللي موجود على وشه واستني اللحظة المنتظرة.
ماراس..كنهان..مينوب..ساراس.
ينور اللون الأخضر أكتر وبعد كده يتغير للون الأزرق الخفيف.
ماراس..كنهان..مينوب..ساراس.
في اللحظة ديه تحصل المعجزة، ونبدأ نبص كلنا بعيون مذهوله علي حركة بسيطة تحصل في جفن الطفل، وببطء شديد يبدأ يفتح عينيه.
كان أستاذ علي خايف جدا، أما رمضان كان منفعل ومترقب، وفهد بيحاول يظهر متماسك، أما دكتور مدحت كانت عيونه مليانه لهفة.
ماراس..كنهان..مينوب..ساراس.
دلوقتي بتتغير لون البلورة للون الأزرق القوي والصريح.
بدأت أفتكر اليوم اللي قررت أخلص على مراتي بإيدي، مدام هي مصممة إنها تفضل عايشه.
وظيفتي كدكتور كانت بتسهلي الأمر، بس الصعوبة كانت إن أخد القرار نفسه.
فعلاً أنا كنت بكره الست دي من كل قلبي، بس إني أشوفها كل يوم وهي بتموت بالبطيء من السم اللي بحطهلها في دواها كان أمر صعب عليا.
وكانت هي دايما عندها إحساس إن أنا ورا كل حاجة.
يقطع تفكيري صوت علي الخايف: مين اللي هيبتدي الأول؟
الدكتور مدحت: مش هتفرق…. تقدر تبتدي إنت.
بدأ علي يتوتر وينطق سؤاله بصوت واطي ومتردد.
علي: سؤالي هيكون… هل في حاجة ممكن تخليني مموتش؟
وهيكون ده أول سؤال لجهاز الحقيقة، إزاي الإنسان ميموتش ويصبح خالد.
ويحاول علي إنه يغير الفكرة اللي خدناها من سؤاله، ويقول من غير ما يبص لحد: أنا بموت… أنا مصاب بتليف الكبد.
بدأت أفهم دلوقتي تليف كبد بسبب شرب الخمور بشكل كبير، وللأسف مالوش علاج.
بص الكل على وش الطفل اللي فضل ثابت وساكن لثواني، وببطء يفتح الطفل بقه ويخرج منه صوت مخيف.
همممممممممممم .
ويفضل يزوم الطفل بصوت مخيف، لا يمكن إنه يخرج أبدا من طفل.
رمضان بتوتر: إيه ده؟!
شاورله دكتور مدحت بسرعة بصباعه إنه يسكت، ويفضل الكل باصص لجثة الطفل، ويفضل الطفل يعمل الصوت الغريب، الصوت اللي مش جي من عالمنا ده من عالم تاني.
كنت خايف وده شيء مكنتش أقدر إني أخفيه أو أنكره، اللي بيحصل ده أكتر من اللي أقدر استحمله، جثة طفل ميت ما فيهاش أي حياة، إيه الشيء اللي سكن جسم الطفل عشان يخرج الصوت المخيف ده؟!
الصوت يستمر وبشكل ثابت وعميق، هممممممممممم
فهد بتردد: ممكن نقول سؤال تاني؟!
فهد: سؤالي هيكون… هو ممكن…. يعني حقيقي.
أول مرة من ساعة معرفت أستاذ فهد أشوفه في الحالة ديه، دايما بيظهر بصورة الصلب القوي، أول مرة أشوفه متردد مش عارف يقول كلمتين على بعض، خرج منديل من جيبه من الحرير وبدأ يمسح العرق اللي مش موجود.
فهد بتردد: هي مراتي… بتخوني فعلاً؟!
الكل يبوصله بذهول وصدمة، بس أنا كان إحساسي مختلف، إيه الأسئلة السخيفة الساذجة اللي بيسألوها ديه.
أول واحد يسأل عن علاج لمرضه والتاني بيسأل مراته بتخونه ولا لا، معقوله بدأنا في التجربة المخيفة ديه وعرضت نفسي للمسؤولية والخطر عشان الهبل اللي بيقولوه ده.
فضل نفس الصوت الثابت المخيف بيخرج من الطفل، وبرضو ماردش على السؤال، بدأنا نبص للدكتور مدحت اللي شاورلنا إنه مش فاهم إيه اللي بيحصل.
ومن غير ما استأذن في الكلام قلت سؤالي: مراتي خبت فلوسها فين؟!
يفضل الصوت اللي خارج من الطفل، همممممممم، مستمر من غير ما يقف.
مقدرش رمضان إنه يمسك أعصابه أكتر من كده: إيه الهبل اللي بيحصل ده؟! هو الشيء ده هيجاوب على أسئلتنا ولا لا؟!
رد الفعل القوي والمفاجئ لأستاذ رمضان، خلي دكتور مدحت يقول بلهفة وبسرعة بعض الكلمات باللاتينية، وبعدها يقف الطفل عن الصوت اللي بيعمله، وتنطفي البلورة الإزاز مرة واحدة.
دكتور مدحت بغضب: إيه اللي إنت عملته ده ياغبي؟! اللي إنت عملته ده كان ممكن يقضي علينا كلنا.
رمضان: طيب لو أنا غبي قولنا إنت يا سيادة الدكتور العبقري إيه اللي بيحصل هنا بالضبط؟!
دكتور مدحت: أكيد في حاجة غلط، أو حاجة إحنا ما قلناهاش، او ماعملناهاش، هرجع للكتب ولمذكرتي ونرجع نعيد التجربة تاني، رمضان بغضب وعصبيه: عدها إنت لوحدك، أنا مش هشارك تاني في الهبل ده.
من غير مايستنى رد من حد، خرج من الاوضة، وسابنا وإحنا بنبص لبعض مش عارفين هنعمل إيه.
كان أستاذ علي سرحان في المرض اللي عنده، والموت اللي بيقرب منه، أما أستاذ فهد كان مسكين بيخبي وشه بإيده، بعد ما قال سره قدامنا، أما دكتور مدحت بدأ يولع البايب بتاعه ورجع نور الاوضة للأضاءه الطبيعية.
دكتور مدحت: مافيش مشكلة هنعيد التجربة في وقت تاني بعد ما أعرف فين المشكلة.
كان كلامه يعتبر رسالة واضحة إن إحنا نمشي، حرك علي كتفه بلا مبالاة ومشي من غير ما يقول كلمة واحدة، وقف فهمي وحاول يلاقي كلمة مناسبة للموقف اللي إحنا فيه ملقاش غير كلمة: مسائكم طيب، ويمشي يخرج من الاوضة.
وشاورت لدكتور مدحت على جثة الطفل: هتعمل إيه فيه؟!
دكتور مدحت: سيبه… يمكن أحتاجه عشان أعرف فين المشكلة.
ماكانش عندي الرغبة في إني أرجع بالجثة مرة تانية، كمان اللي حصل وضياع الأمل في معرفة مكان الفلوس كان مخليني محبط وعايز أروح بأي شكل فقلتله: زي ما إنت عايز.
خرجت من الاوضة، ومن الفيلا وركبت عربيتي ومشيت في شوارع المقطم شبه المهجورة.
يوم تاني في حياتي بيضيع من غير معرف مراتي خبت فلوسها فين؟!
يوم تاني بيعدي مش هيرجع أبدا.
أخيراً الليلة ديه هتخلص أو ده اللي كنت فاكر إنه هيحصل، كنت خلاص قربت أوصل لبيتي ولقيت فجأة تليفوني بيرن كان إتصال من دكتور مدحت.
دكتور مدحت: أحمد.. أرجع بسرعة.
وقفل التليفون من غير حتى ما يستنى مني أي رد، رجعت أتصلت بيه تاني عشان أفهم في إيه؟! بس مردش عليا.
لفيت بالعربية ورجعت تاني على المقطم، يا ترى ممكن يكون إيه اللي حصل؟! ممكن يكون عملها فعلا؟!
كان الطريق مافيهوش حد، عشان كده قدرت أوصل للفيلا في المقطم بسرعة، وألاقي واقفه بره عربية أستاذ علي، خرجت من العربية بسرعة، لقيت بوابة الفيلا، كمان الباب الأمامي للفيلا مفتوح.
في حاجة حصلت هنا أو لسه بتحصل دخلت بسرعة وفضلت أنادي: دكتور مدحت،… أستاذ علي.
بس محدش رد عليا دخلت بسرعة للاوضة اللي كنا بنعمل فيها التجربة فتحت الباب……
كل السيناريوهات السيئة اللي كنت حاططها في دماغي حاجة، واللي لقيته قدامي حاجة تانية وأسوأ بكتير.
كان أستاذ علي واقف قريب من الباب، وجسمه كله بيتنفض من الخوف وعينيه طالعه لبره.
أما دكتور مدحت كان بيسحف بشكل مخيف على الأرض بيحاول إنه يوصل لأستاذ علي، وبيمد إيده بشكل درامي ومرعب ووشه أبيض وشعره منكوش واقع على وشه، كان شبه الزومبي أو الموتى الأحياء في أفلام الرعب، كانت الاوضة كلها مليانه باللون الأحمر اللي خارج من البلورة.
أفتكرت كلام دكتور مدحت: البلورة لو لونت باللون الأحمر فده معناه وجود أخطر حاجة في الكون ده، لو ظهرت البلورة باللون الأحمر فده معناه إن إمكانية خروجنا من التجربة ديه أحياء قليل أوي.
ده معناه إن في مصيبة هتحصل أو حصلت فعلاً، جريت على دكتور مدحت: في إيه، إيه اللي حصل؟!
طبعا مردش عليا وفضل يزحف بحركة بطيئة ومخيفة عشان يوصل للأستاذ علي، اللي وقف مكانه مشلول عن الحركة.
دكتور مدحت يتكلم بصوت مخيف: هتفضل ترجع دم لحد ما تموت.
قال الكلمات وبعد كده ارتخى جسمه مرة واحدة كإن روحه طلعت منه.
بدأ أستاذ علي يصرخ بشكل هستيري ومجنون، ومقدرتش أتحمل الموقف ومسكت كرسي وبكل قوتي نزلت على البلورة الإزاز وكسرتها، وحصل إنفجار في الاوضة.
ضلمت الاوضة، وفضل أستاذ علي يصرخ أكتر وأكتر، قربت من دكتور مدحت في محاولة مني إني ألحقه وأسعفه بس كان خلاص مات، إيه اللي حصل هنا؟! وفين جثة الطفل؟!
انتبهت للمشكلة دي في اللحظة اللي دخل فيها أستاذ رمضان اللي مد إيده لمفتاح النور ونور الاوضة.
رمضان بغضبة وعصبيتة المعتادة: إيه اللي حصل هنا؟!
وفضل أستاذ علي مستمر في صراخ، وضربه رمضان بالقلم على وشه في محاولة إنه يخرجه من حالة الهستريا اللي كان فيها.
رمضان بصوت عالي: إيه اللي حصل؟ إيه اللي حصل هنا؟!
رديت عليه وأنا بحاول أتمالك أعصابي: أنا وصلت هنا وكان دكتور مدحت بيموت وهو بيشاور لعلي، والمشكلة الأكبر إن جثة الطفل مش موجودة.
رمضان بعصبية: إيه اللي إنت بتقوله ده؟! مدحت مات!… والجثة أختفت!
وكان رده إنه منطقش بكلمة ولف وخرج من الاوضة، وساب المصيبة كلها على دماغي.
مكانش قدامي غير علي اللي قعد في ركن في الاوضة وفضل يبكي بإنهيار قربت منه وسألته: قولي إيه اللي حصل؟! شفت إيه؟!
طبعاً مردش عليا وستمر في إنهياره، قمت وفضلت أدور على جثة الطفل، أكيد موجودة في مكان هنا، ديه مهما كانت جثة.
فضلت أدور وأدور بس للأسف مالقيتش أي حاجة، كنت خايف، الجثة أختفت، دكتور مدحت مات، أستاذ رمضان هرب، وأكيد فهد جاي في الطريق، وأستاذ علي كان خلاص أتجنن.
هتعمل إيه لو كنت في موقفي؟!
فضلت أفكر: المكان ده لازم ميكونش فيه أي دليل على اللي حصل.
وبدأت في تنفيذ خطتي.
ركبت عربيتي مشيت بعيد، والنار بتاكل في الفيلا، وبتاكل في كل حاجة جواها، وبتمحي اي دليل أو أثر من الوجود، أكيد في حد هيصحى وهيبلغ الشرطة والمطافي بس عقبال مايجوا هيكون كل حاجة أنتهت، أنا رميت البنزين على كل حته في الفيلا.
هتسألني عن أستاذ علي!
حاولت أخرجه من الفيلا، بس هو كان منهار تماماً واستسلم للموت مكنتش هقدر إني أخسر حياتي بسبب واحد مجنون كده كده هيموت.
أنا مش عارف دلوقتي فين أستاذ فهد ولا أستاذ رمضان، بس اللي عارفه ومتأكد منه إن محدش منهم هيفتح بقه ولا هيتكلم عن الليلة دي أبدا.
كل اللي خسرته النهاردة إني مقدرتش أعرف المكان اللي خبت فيه مراتي فلوسها قبل ما تموت، مش هفقد الأمل وهفضل أدور في كل….
صوت مخيف يجي من الكرسي اللي ورا في العربية: مراتك أشتريت بكل فلوسها ماس وحطيته في صندوق ودفنته في القبو.
صرخت بكل خوف مقدرتش أتحكم في العربية، العربية بتلف ويجي ضوء خفيف على وش الطفل اللي قاعد في الكرسي اللي ورا وبيبتسم ليا إبتسامة شيطانية، ثانية واحدة اللي قدرت أشوف فيها وشه المليان بالدم و ابتسامته الشريرة، وفضلت اللحظة ديه والمشهد ده موجود معايا في كوابيسي كل ليلة.
وفجأه لقيت قدامي تريلا كبيرة بتقرب مني بسرعة جنونية وبعد كده………..
عرفت بعد كده إن أستاذ فهمي انهى حياة مراته في نفس الليلة وبعد كده سلم نفسه للبوليس.
وعرفت إن أستاذ رمضان ساب البلد ومشي بدون رجعه، واتقفلت قضية فيلا دكتور مدحت بعد ما لقوا جثته وجثة أستاذ علي من غير ميبقى في أي دليل على إتهام لأي حد.
أما أنا فممتش في الحادثة، بس أنا مصاب دلوقتي بشلل كلي إلا صباع واحد في أيدي اليمين وهو الحاجة الوحيد اللي خلتك تقرأ قصتي.
………………..
اللون البرتقالي
كنت عارفه إن تمسك بنتي بالدبدوب ده شيء مش طبيعي… كنت عارفه ده بس قررت إني أتجاهله.. عشان كده أنا أستاهل اللي حصلي.
مش سهل إنك تحدد الوقت اللي إبتدت عنده القصة، ولما بتقول (كل حاجة حصلت أبتدت في..) فإنت مش بتذكر البداية بالظبط، بس بتقول الوقت اللي إنت أخذت بالك وبدأت تركز في اللي بيحصل حواليك.
حتى الأمر ده بيرجع لقوة الذاكرة، وممكن نستدل على الموضوع ده بالكلام اللي قاله الكاتب ماركيز وهو بيتكلم عن كتب التاريخ: كتب التاريخ مبتكتبش اللي حصل.. هي بتكتب اللي إحنا فاكرينه وإزاي بنحكيه.
عشان كده أنا مش قادرة أقول بالضبط امتي إتغير سلوك بنتي، ولكن أقدر أقول إن كل حاجة بدأت لما قرر زوجي السفر لدولة من دول الخليج للشغل وعشان يجيب الفلوس اللي ما قدرش يلاقيها هنا.
كل زوجة تقدر تعرف إمتي بيتحول زوجها من العشيق والحبيب لمجرد مكنه تخرج الفلوس، فيه التزامات كتير فواتير الميه، والكهرباء، والأكل، والتليفون، والمدرسة، واللبس، مقدرش أقول إن حبك كافي قصاد كل المتطلبات ديه.
عشان كده سافر زوجي وإتحول دوره لمكنة بتصرف الفلوس.
مش سهل إني أقدر أحدد بالضبط إمتي كانت البداية، بس ممكن أقول إنه بداء من اليوم اللي أخدت فيه بنتي روز عشان أشتريلها شوية اللعب، اللي ممكن تخليها توقف العياط المستمر على باباها، يمكن تقدر تنسي، دايما الأطفال بتنسي وهي حاجة حلوة فيهم.
روز بنت عندها تسع سنين، الوقت دة كل أم تعرفه كويس أوي اللي بيتحول فيه الطفل من طفل هادي ولطيف لطفل مزعج ومؤذي، ده الوقت اللي الأم فيه بتضطر تضرب إبنها وهي فاكره كده إنها بتأدبة وبتربية، ويفضل الموضوع مستمر بالشكل ده لغاية ما يكبر الطفل ويتمرد ويخرج من البيت بدون رجعه.
في اليوم ده أنا كنت بشد طفلة عندها إحباط وحزن، مش فاهمة سبب عدم وجود أبوها في البيت رغم حبه الشديد ليها، صعب إن طفل في عمرها يفهم التضحية اللي أبوها عملها عشان خاطر الفلوس، حتى انها مش فاهمة أهميه الفلوس، وتعتبر دي حاجة كويسة في حق الأطفال.
الحقيقية زعل بنتي كان شديد أوي لدرجة إن مفيش أي لعب قدرت تغير الحزن ده لسعادة، المشكلة الأكبر الحزن المستمرخلاني بدأت أركز إنى ست وحيده بدون زوج وشايله مسؤولية طفلة.
أنا فاكرة كويس أوي إن أنا اللي شجعت زوجي على فكرة السفر ويعتبر زقيته زق على الموضوع، بس ده ميمنعش إنه وحشني، وحشني صوته والأمان اللي كنت حاسه بيه في وجوده، وتجمع الأسرة، ونومي على صدره، كل ده مبقاش موجود عشان إحنا محتاجين للفلوس .
وهنا إتغير الموضوع من أم بتحاول تفرح بنتها لإتنين ماشين في السوق فاقدين عندهم إحباط وحزن، عشان كده قررت إني أرجع للبيت يمكن أقدر أحصل على حقي في إني أعيط من غير أي إحراج أو شفقه من حد.
وقفت بنتي فجأة قدام محل للعب وعينيها بتبص على دبدوب معين.
دبدوب تخين، قدها تقريبا بيبص بنظره صارمه للناس بعيون برتقالي وعلى وشه إبتسامة كبيرة، مجرد دبدوب عادي مفيهوش أي أختلاف، إلا إنه شد بنتي روز، قربت منها وسألتها بحب: إنتي عايزة الدبدوب ده؟
حركت راسها بمعنى أيوه، عشر دقائق وكنت إشتريتلها الدبدوب وشالته بين إيديها وبدأنا في طريقنا للبيت، وأخيراً إتحولت ملامح الحزن لإبتسامة وسعادة.
مش قلتلكم إن هي طفلة وإن هي بتنسي، يا ترى ممكن حد يجبلي أنا دبدوب يساعدني على إن أنا أنسي؟!
مأخدتش بالي في الأول من اللي بيحصل لإني كنت على طول مشغولة.
فأنا دلوقتي قايمة بدور الأم والأب، مسؤولية كبيرة، مكنتش عارفة قد إيه وجود زوجي كان شايل حمل وتعب كبير من عليا، على الرغم إني ست بيت مبشتغلش إلا إني دايما في مشقة وتعب، كل يوم من أول ما روز بنتي تصحي وتقوم من سريرها لغاية مترجع تنام في تاني.
وفي آخر اليوم أقعد على السرير وأفضل أكتب المصاريف اللي اتصرفت طول اليوم والفلوس اللي اتبقت، واشيل الجزء اللي بحوشه، فزوجي مش هيفضل مسافر طول العمر وبعد ما أخلص كل الحسابات، أفضل أبص على المكان الفاضي اللي جنبي على السرير اللي كان بينام فيه زوجي من وقت قريب.
مهما جادلت الست فوجود راجل في حياتها هو شيء أساسي ومهم.
كانت كل حاجة ماشية كويس، أو ده اللي أنا كنت متخيلاه، مكنتش عارفة إن بنتي هي كمان بتسهر طول الليل ومبتنمش.
واللي عرفته بعد كده إنها كانت بتسهر طول الليل تتكلم مع دبدوبها صاحب العينين البرتقالي.
إمتى عرفت المعلومة دي؟ّ!
أنا فاكرة كويس إنه كان يوم إثنين وصحيت الصبح الساعة ستة عشان أجهز الفطار لروز قبل ما أصحيها عشان تروح المدرسة، بس لما رحت أوضتها لقيتها قاعدة على السرير وعينيها مرهقة وتعبانة كإنها مدقتش طعم النوم.
سألتها: روز إنتي حاسة إنك تعبانة؟
هزت راسها بمعنى لا.
فسألتها: إنتي منمتيش إمبارح كويس؟
هزت راسها بمعنى أيوة.
قلتلها: ليه منمتيش كويس؟!
سكتت روز ثواني كإنها بتحاول تمسك نفسها وتجمع قوتها، وبعدين مدت إيديها وشاورت على دبدوبها من غير ما تقول ولا كلمة.
فهمت الأمر (كنت غبية ومتسرعة ومش عارفه ده وقتها).
زعقت فيها: فضلتي تلعبي بيه طول الليل ومنمتيش… صح؟
المره دي مردتش عليا روز، وظهر عليها إن هي خلاص معدتش قادرة وإن طاقتها كلها خلصت، عشان كده قررت إن هي مترحش المدرسة في اليوم ده.
وقلتلها وأنا متضايقة: خلاص مش هوديكي المدرسة النهاردة نامي بقي واستريحي.
بس قبل ما أخرج أخدت الدبدوب معايا وقلتلها: وكمان ما فيش لعب … يلا نامي.
سبتها ورحت أوضتي عشان أرجع أنام تاني وأخد عدد ساعات زيادة من النوم في اليوم ده، من غير ما تحصل مصيبة.
رميت الدبدوب على الكنبة اللي موجودة في الصالة وبعد كده رحت أوضتي عشان أنام، بعد كم ساعة صحيت عشان أحضر الغداء وأكمل الشغل اللي بعمله كل يوم.
كان يوم عادي مفهوش أي أختلاف.
صحيت روز على العصر وكانت نشيطة، ذاكرت دروسها وفي آخر اليوم خلتها تقعد قدام التلفزيون شوية لحد ما وصلت الساعه تسعة بالليل.
شلت روز ووديتها على السرير: نامي كويس عشان هنروح المدرسة بكرة.
بعد ما نيمتها على السرير، رحت على أوضتي عشان أبدأ في تدوين مصاريف اليوم، تعتبر العادة دي مش مفيدة أبدا إلا إن هي بتستهلك الوقت وده اللي كنت محتجاه.
إفتكر في يوم كنت خلاص تعبانة وعايزة أنام بس قررت الأول إني أروح لغرفة روز عشان أتاكد إن هي نامت ومجرد مقربت من الاوضة سمعتها بتتكلم بصوت واطي وخايف.
مقدرتش أفهم الكلام اللي هي بتقوله عشان كده قربت بسرعة وفتحت الباب عشان أعرف في إيه، لقيت روز قاعدة على السرير وحاطه قدامها الدبدوب وكانت عيونه البرتقالي بتلمع من ضوء القمر بس صوتها كان خايف.
اتفزعت أول مشفتني.
لازم أعترف إني كنت وقتها غبية ومتسرعة، وقتها معملتش حاجة غير إني زعقت فيها وأخدت الدبدوب من قدامها: نامي دلوقتي.
وكنت متخيلة إن هي هتصرخ أو تعيط أو تزعل، إلا إنها بالعكس أستسلمت للأمر كإنها كانت مستنية حد ياخد الدبدوب من قدامها، خدت الدبدوب وحطيته على الكنبة اللي في الصالة.
مكنتش عارفة، مكنتش فاهمة، عشان كده الموضوع أستمر.
وفضلت كل يوم أخذ الدبدوب من الاوضة واحطه علي الكنبة اللي في الصالة، وبعدين أروح أوضتي وأنام ويخلص اليوم، وثاني يوم نفس الموضوع أخد الدبدوب من قدام روز في أوضتها بدون أي رد فعل منها وأروح أحطه علي الكنبة اللي في الصالة وهكذا.
مدام روز بتخاف من الدبدوب أوي كده ليه كل يوم ترجع تشيله تاني وترجعه أوضتها؟!
سؤال بسيط وكان المفروض إن أخد بالي من الأول لحد مجه اليوم اللي أجبرني إني أفكر في الموضوع ده.
كنت بعمل نفس الشغل اليومي العادي اللي بعمله كل يوم وكنت خلاص وصلت لمرحلة التعب، ومجرد ما دخل الليل قررت إني أروح على السرير حتى من غير مسجل المصرفات، بس فضلت الأول إني أروح أطمن على روز قبل ما أنام.
أول ما دخلت الاوضة كانت المفاجأة مستنياني، في الليلة ديه بدأ الخوف يتولد جوايا، في الليلة ديه بدأت أقلق.
كانت روز قطعت راس الدبدوب عن جسمه ورمت جسمه على جنب.
وحطت الراس على رجليها وهي عماله تبص في عينيه برتقالية، وهي عماله تكلمها بصوت واطي وخايف.
إزاي طفلة في سنها تعمل كده أو تكون ديه طريقة لعبها؟!
محستش بنفسي إلا وأنا بشد الراس منها، وبزعق فيها جامد بطريقة مشفتهاش من نفسي قبل كده، وكل اللي عملته مع عاصفة الزعيق ديه إنها فضلت قاعدة على السرير ودموعها عماله تنزل على خدهامن غير صوت.
بصريخ: ليه يا روز… ليه عملتي كده؟!
بعد شوية من الزعيق وهي مستمرة في العياط من غير صوت، مقدرتش أتمالك نفسي أخدتها في حضني وفضلت أعيط أنا وهي.
وبهدوء سألتها: ليه يا روز قطعتي راس الدبدوب؟
روز: هو اللي قالي كده، قالي إن الجسم مالوش لازمة.
بإستغراب: مين هو اللي قالك كده؟!
روز: اللي موجود في العينين البرتقالي.
بعض الأطفال ممكن يحصلهم أزمات عاطفية لما يخسروا حد من أهلهم، أنا قريت ده قبل كده في مقالة وافتكرته دلوقتي.
روز مشتاقه لأبوها، وده كل اللي في الموضوع، بلاش أكبر الموضوع مفيش سبب للجنان، مفيش سبب للإنهيار.
كل اللي في الموضوع إن روز عندها أزمة عاطفية بس… إيه اللي أقدر أعمله أكتر من كده؟!
طبعا في الوقت ده مكانش عندي كل المعلومات اللي تخليني أعرف إن كل اللي بيحصل مع بنتي ليه علاقة بالدبدوب.
إنت دلوقتي بتبص للموضوع بنظر عامة، فهتقدر بسهولة إنك تشوف الصورة الكاملة للموضوع، أما أنا في وقتها كنت جزء صغير داخل الصورة الكبيرة ومقدرتش إني أبص إلا علي التفاصيل الصغيرة اللي حواليا.
رحت لدكتور نفسي يمكن يحل الموضوع، رحت لساحر يمكن ألاقي عنده الحل، مفيش طريق إلا ومشيت فيه عشان أقدر أعرف إيه اللي بيحصل لبنتي.
هي دلوقتي مبتتكلمش، مبتنامش، مبتعملش أي حاجة غير إن هي بتبص لراس الدبدوب خاصة عينيه البرتقالي، كإن النظر للشيء ده فيه راحه بالنسبلها ، حاولت أكتر من مرة إني أرمي راس الدبدوب إلا إن في كل مرة تفضل تعيط بدموع صامته.
وكل مره كنت أرجع عن قراري، طفلة صغيرة بتحب الحاجة ديه ليه أضايقا وأخدها منها!.
طبعا مصدقتهاش في الكلام اللي بتقوله عن إن في حاجة موجودة في عيون الدبدوب البرتقالية، كل اللي صدقته وقتها إن بنتي عندها مشكلة بسبب الحزن على أبوها وكان عليا إن أنا أساعدها بأي طريقة.
كنت عارفه إن تمسك بنتي بالدبدوب ده شيء مش طبيعي… كنت عارفه ده بس قررت إني اتجاهله.. عشان كده أنا استاهل اللي حصالي.
في يوم من الأيام وأنا ماشية في السوق بشتري الحاجات الأساسية للبيت، حسيت إن قلبي بيوجعني على بنتي، الإحساس اللي بيجي لأي أم وبتحسه لما بيكون إبنها في خطر، تقدر تسميه إحساس او تخاطر هو مجرد شعور بتحس فيه إن إبنك محتاجك في اللحظه ديه، زي الأم اللي بتدخل على إبنها الاوضة بسرعة وتلحقه قبل ميقع من على السرير.
كنت في اليوم ده سبت روز في البيت لوحدها، فهي مبقتش بتروح المدرسة زي الأول، عشان كده لفيت ورجعت لطريق البيت وانا عماله أحط سيناريوهات وحشه في دماغي، إيه اللي ممكن يكون حصل؟!
تكون لعبت بالكبريت ولعت في الشقة، وهي دلوقتي بتتخنق؟ ولا حطت إيديها في فيشة الكهرباء، ولا رمت نفسها من البلكونة، في حاجة حصلت قلبي بيقولي إن في حاجة حصلت.
مجرد ما روحت البيت لقيت أسوأ من اللي تخيلته.
كانت روز بنتي قاعدة في الصالة على الأرض وقدامها راس الدبدوب بعينيه البرتقالي بنظرته الصارمة، وكانت روز بنتي بتعيط عياط هيستيري كإنها شافت شيء مرعب ومخيف.
رميت كل حاجة في إيدي وقربت عليها وشلتها من الأرض وحضنتها جامد وبفزع سألتها: روز حبيبتي مالك.. إيه اللي حصل؟!
روز ببكاء شديد: بابااااااااااااااااا.
طبطبت عليها وحضنتها أكتر كلمتها بهدوء وحب: أنا عارفه يا حبيبتي.. عارفه إن هو وحشك.. ما تزعليش هتصل بيه وهقوله إن هو يرجع… هقوله يرجع علشانك.
روز وهي منهارة من العياط: بابا….مااااااااااااااات.
إتصدمت من كلامها مقدرتش إني أرد.
روز بانهيار: أنا عوزة بابااااااا.
ما قدرتش أمتلك نفسي وبصوت عالي سألتها بفزع ورعب: مين قالك كدة؟!!
رفعت إيديها وببطء شاورت لراس الدبدوب صاحب العينين البرتقالية.
في الوقت ده بس حسيت…. في الوقت ده بس فهمت…. في الوقت ده بس عرفت الحقيقه كلها.
وعملت أكبر غلطة في حياتي كلها، سبت روز بنتي في البيت لوحدها، وجريت على السنترال اللي جنب البيت، علشان أحاول أتصل على زوجي، لازم أسمع صوته دلوقتي، لازم أطمن عليه، لازم يرجع للبيت النهاردة.
جريت على السنترال وطلبت الرقم بكل خوف وقلق.
كل مرة كنت أتصل وأسمع صوت الجرس بدون رد كانت بتدمر اعصابي أكتر… إنت فين؟! أرجوك رد.
فضلت أقول لنفسي بإنهيار: أكيد مات..أكيد مات..أكيد مات.
بعد ساعة كاملة من المحاولات للإتصال بيه، أتحول الشك اللي جوايا لليقين إني بقيت أرملة
أرملة مسئولة عن طفلة مجنونة.
يا الله أنا سبت روز لوحدها في البيت.
جريت بسرعة رجعت للبيت وأعصابي منهارة كل اللي أتمنيته حاجة واحدة بس إني أرجع ألاقي بنتي عايشه.
في الحقيقة أنا لقيتها عايشه، انا فاكرة اللحظة دي كويس أوي وبكررها كتير في دماغي محدش أبدا هيتخيل ولا هيتصور اللي أنا شفته في اللحظة ديه.
كانت بنتي في الصالة ووشها مفهوش أي تعبير جامد وصارم وفي صوت واطي ومكتومه بينادي: أمي..أمي.
مكانش الصوت مش خارج من البنت اللي وقفة قدامي، بدأت أسمع الصوت بوضوح، وبعد كده عرفت الصوت جاي منين.
اتحركت ومشيت جنب بنتي اللي بقت شبه تمثال مبينطقش ولغاية دلوقتي هي كده، وشلت راس الدبدوب صاحب العينين البرتقالي، الصوت خارج منه: أمي ..أنا هنا.
…………….
اللون الأصفر
هحكيلكم القصة بس لو سمحت ما تعليش صوتك وإنت بتقراها.
أنا أعصابي متوترة ومش قادر أستحمل أي نوع من الإنفعال أو الحماس اللي هيقوم بيها الأشخاص اللي بتقرأ القصة.
في كتب الطب بيسموه باسم زانثوبيسيا، ويعتبر عدد الحالات اللي إتصابت بالمرض ده هي أعداد قليلة جدآ ،وكمان عدد الدكاترة اللي ممكن يكونوا شافوا المرض ده قليل جداً.
بتقول الكتب الطبية إن الأشخاص اللي بيصابوا بمرض الصفراء وهم أعداد قليلة جدآ بيشوفوا العالم باللون الأصفر، وفي بعض الأدوية المعينة اللي ممكن تسبب نفس تأثير المرض.
شيء مرعب إنك تشوف العالم بألوان مختلفة عن طبيعتها، ولو إنت شفت ده على شاشة التلفزيون لكنت هتبقى مفزوع وهتروح على أقرب محل تصليح الإلكترونيات عشان يصلحه.
أما بقى إنك تشوف الكلام ده بعينك إنت، وإنت عارف إن هو ده اللي إنت شايفه فإن كلمة فزع أو رعب هتبقى كلمة قليلة أوي على اللي إنت هتبقى حاسس بيه.
والمخيف أكتر إن الحالة هنا مش حالة زانثوبيسيا مفيش أي سبب يشرح اللي إنت شايفه دلوقتي…. هل ممكن يبقى جنون؟!
أنا إسمي ممدوح محمد… أكيد عرفت ده من نفسك… هتسألني ليه؟!
عشان مفيش ولا واحد في الدنيا كلها بيشوف الحاجة بالون الأصفر غير ممدوح محمد.
حصل الموضوع لما صحيت في يوم من النوم في اليوم ده صحيت ولقيت كل حاجة في العالم باللون الأصفر.
دعكت عيني كويس مرة وإثنين ورحت على الحمام وغسلت وشي وعيني، لدرجة إن عيني حرقتني من كتر الميه اللي دخلتها فيها، ورجعت بصيت تاني كل حاجة حواليا صفرا.
في إيه؟! إيه اللي حصالي؟!
فتحت الشباك وبصيت على السما، لسه السما فيها لون بسيط أزرق اللي أختلط مع اللون الأصفر فبقى في شبه من اللون الأخضر.. مين قال إن اللون الأخضر جميل؟ انا مشفتش في حياتي كلها أسوأ من شكل السما الخضرة دي.
كانت أمي فاقت وصحيت من النوم، وعماله تتاوب خرجت من اوضة نومها وهي بتعدل منديل شعرها، والظاهر إن وشي خلاها تحس بالقلق فسألتني: مالك فيك إيه؟
قلتلها وأنا عمال أفتح عيني وأبرق: أصفر… كل حاجة حواليا لونها أصفر.
ردت بلهفه: أسم الله عليك، بسم الله الرحمن الرحيم.
سألتها بخوف وجسمي بيتنفض: إنتي شايفه الدنيا صفرا زي ما أنا شايفها؟
أمي بشفقة: لا يا حبيبي كل حاجة كويسة، أكيد بس إنت تعبان ومرهق شوية، كله من السهر مع أصحابك اللي بتعمله كل ليلة.
رديت عليها بعصبية وغضب: لو قضينا الليل كله نشرب وندخن ممنوعات ونخطف الأطفال فده عمره ما هيكون تفسير للي أنا شايفه دلوقتي.
بعد ما عدى نص النهار وبقيت متأكد إن اللي أنا شايفه ده أنا الوحيد اللي شايفه، وكان الوقت بيعدي عليا تقيل وصعب لغاية ما وصلت الساعة أتنين بعد الظهر دلوقتي ده الوقت اللي بيتاوب فيه التجار وبيروحوا على عيادتهم الخاصة، وشايلين معاهم خبرتهم ومعلوماتهم عشان يبيعوها قصاد الفلوس، ناس كثير بالشكل ده وقصدت بالتجار هنا بعض الدكاترة، أنا بس محتاج تاجر واحد من دول أديله كل اللي هو عاوزه من الفلوس قصاد إنه يديني جزء من علمه.
والتاجر اللي بتكلم عنه هنا هو دكتور سميح عبد الفتاح دكتور عيون عضو في كلية إيه، وزميل في جمعية إيه..مش مهم.
قعدت في العيادة بتاعته وبصيت حواليا كل حاجة صفراء.. إيه اللي هيحصل لو فضلت أشوف كل حاجة حواليا باللون الأصفر طول اللي باقي من عمري؟!
لا.. لا… مش هقدر، أكيد اللي أنا فيه ده مرض، واللي بيحصلي ده الأعراض بتاعته وأكيد التاجر قصدي الدكتور هيحدد المرض وهيعرف إنه مرض كبير وخطير، ممكن يقضي عليا، بس فين هي المشكلة؟! مين يقدر إنه يكمل حياته وهو شايف كل حاجة في الدنيا باللون الاصفر؟!
اللي انا خايف منه حصل…ديه أكيد لعنه وأنا أول واحد من اللي هتصيبهم.
الدكتور: إنت كويس ومفيش أي مشكلة.
رديت عليه بغضب: بس أنا شايف كل حاجة حواليا صفراء!
رد الدكتور بهدوء: إنت عينيك سليمه جدآ، رؤيه الدنيا باللون الأصفر ما بيحصلش غير في عدد قليل أوي وأكيد إنت مش واحد من اللي حصلهم المرض ده.
ردت عليه بغضب: والحل إيه؟
الدكتور وهو بيشاور على عينيه: انت معندكش أي مشكلة هنا، وبعدين حرك صباعه وشاور على راسه وقال: إنت مشكلتك هنا.
رديت بغضب: إنت عايز تقول إن أنا أتجننت؟
الدكتور:كلمة الجنون هي كلمة شعبية عامة بقت بتتفهم غلط من كتر إستخدامنا ليها، بس في كلمة تانية إسمها خلل، في أمراض بتحصل بالمخ وبتكون سبب في إن المخ يستقبل الإشارات العصبية من الحواس بشكل خاطئ.
كمل الدكتور وهو بيحرك كتفه: انا مش عارف، كل اللي أقدر أقوله إن اللي ليه علاقة بتخصصي مفيهوش أي مشكلة تخليك تشوف كل حاجة باللون الأصفر.
سبته ومشيت وأنا محبط، وبشكل لا إرادي رحت لعيادة تانية، فالعمارة كلها مليانه بالتجار قصدي بالدكاترة ده تاجر مخ أكيد هيبقى عنده الحل.
أتاخر عليا تاجر المخ إنه يديني رد عن حالتي ووداني لتجار تانيين عشان يكشفوا عليا بالأشعه، ووصلوني بأجهزة وأسلاك.
وفي النهاية جه رد دكتور المخ اللي كنت خايف منه: إنت سليم ومفيش أي مشكلة.
رديت بغضب: بس أنا اللي شايفه ده مشكلة، أنا شايف كل حاجة حواليا صفرا.
رد عليا الدكتور بهدوء في محاولة إن هو يطمني: ده مجرد إرهاق وتعب، هكتبلك على شوية فيتامينات بمجرد ما تاخدهم هتبقى كويس بعد كام يوم.
يعني بعد كل اللي أنا عملته ده والأشعة والتحاليل والكشف ورايح لأكبر الدكاترة، ويقول نفس الكلام اللي قالته أمي اللي ما بتعرفش تقرأ ولا تكتب، اللي بمجرد ما شافتني شخصت حالتي في ثانية واحدة، أتعلمو إيه بقى الدكاترة ديه في الكليات؟ّ!
كل حاجة حواليا صفرا، السما، العربيات، الورود، الكلاب، إشارات المرور، عربيات المطافي، شنط التلاميذ، كل حاجة حواليا صفرا، لبسي، شاشة التلفزيون، وشوش أصحابي.
أنا الوحيد اللي حاسس بالمشكلة اللي أنا فيها، عشان كده لازم أنا اللي أحلها.
هقعد مع نفسي وأفتكر إيه اللي أنا عملته الشهر اللي فات.
كان يوم خميس عند صاحبي سعيد، وكان عندنا ملل وزهق فقلتله إني عارف لعبة كويسة هتسلينا.
وطلبت منه إنه يجيب ورقة كبيرة ويكتب عليها الحروف كلها، وإنه يجيب كوباية وقلبناها، وقعدت أنا وأصحابي حوالين الترابيز وكل واحد مننا حط صباعه على الكوباية المقلوبة، وقللنا درجة الإضاءة… وقلتلهم: إحنا دلوقتي هنحضر روح..
كان سعيد متوتر وقلقان وقعدنا كلنا، وعدى الوقت وإحنا مستنيين إنه يحصل أي حاجة، كان في بعض الأوقات حد مننا يعمل صوت مفاجئ فنط كلنا مفزوعين ومرعوبين، وبعد كده يضحك ونبصله إحنا بقرف، ما ينفعش الواحد يهزر في حاجات زي كده.
فضلنا مستنيين، وأنا عمال أبص لعلاء وحاتم، كان نفسي إني أحرك الكوباية بنفسي، بس لا، دي مش هتبقى حاجة كويسة، يعدي الوقت.
يقول سعيد بصوت عالي: كفاية كده اللي بتعملو ده تخاري….
قبل ما يكمل الكلمة كانت الكوباية بتتحرك فعلاً، أنا متأكد مفيش حد مننا بيحركها هي بتتحرك من نفسها.
تتحرك الكوباية لحرف التاء، وبعد كده حرف الواو، وبعد كده حرف القاف، وبعد كده حرف فاء، وبعدين حرف الواو.
ت- و- ق- ف- و.
شريف بصوت عالي ومفزوع: توقفوا… بيقولكم توقفوا.
ورجعت الكوباية تتحرك تاني.
م-ا/ ت-ف-ع-ل-و-ن-ه/ خ-ط-أ/ س-ت-ص-ي-ب-ك-م/ ا-ل-ل-ع-ن-ة/ م-د-ى/ ا-ل-ح-ي-ا-ة/.
وفي اللحظة دي مقدرش سعيد إنه يمسك أعصابه أكتر من كده صرخ وفتح النور: خلاص، مش عايز الحاجات دي في بيتي وبالذات في أوضه نومي.
ومسك الكوباية ورماها من الشباك.
حاتم بتوتر وفزع: إنتم شايفين إيه؟!
رديت بنفس التوتر والفزع: كان في حاجة فعلا موجودة، وجه لما إحنا استدعيناه!
علاء بصدمه: المصيبة… هو مشي؟
بصيت لعلاء وبصيت للورقة، مقدرتش أجاوب على سؤاله.
كان في حاجة، وقالت لنا إن إحنا هنتصاب بلعنة، وإحنا مش قادرين نعرف هل هو مشي ولا لا.
دلوقتي وأنا بفكر في الموضوع ظهر ليا إن ممكن يكون ده لعنة.
هل اللي حصل في عيني هي دي اللعنة؟ وايه اللي هيحصل لباقي أصحابي؟
قعدت مع نفسي أفتكر إيه اللي أنا عملته الشهر اللي فات.
في مكتب دكتور رفعت أستاذ الكيمياء في كليتي.
طلب مني دكتور رفعت إني أروحله المكتب، وده طبعاً عشان يهزقني كان اليوم ده يوم ثلاث وكانت الحرارة فيه عالية أوي، دخلت المكتب بس هو مكانش موجود بس قدرت أخمن إن هو هيرجع دلوقتي، لإن كان في كوباية مايه على المكتب وفنجان قهوة سخن.
قعدت على الكرسي، وفضلت أتفرج على الصورة اللي على المكتب اللي موجود فيها هو وعيلته ومبتسم، غريب أوي إن يكون لدكتور رفعت عيله زينا، يكون بيلبس بيجامه، ويقعد يتفرج قدام التلفزيون، وبيهرش في شعره، وبيلعب بصوابع رجليه، أكيد هو ما تولدش من بطن أمه وهو لابس البالطو الأبيض وشايل على طول دوسيه أوراق الإمتحانات.
الجو حر جدآ، وعشان كده مديت إيدي على كوباية المايه وشربت حبه حلوين منها، تقدر تقول إن هي عادة عندي من وأنا صغير إني بشرب بكمية كبيرة الأول وبعد كده استطعم اللي شربته.
وعشان كده عرفت إن اللي شربته ده مش ميه، ده حاجة طعمها وحش زي العلقم، أنا مش عارف إيه هو العلقم بس أكيد هو وحش، حاولت اتف في منديلي الطعم الوحش اللي في بقي وفجأة دخل دكتور رفعت للمكتب فقمت وقفت.
دكتور رفعت وهو بيخرج حاجات من جيبه: أهلا وسهلاً شرفت يا بيه، درجات الإمتحان بتاعك…
وقطع كلامه فجاة وبص للكوباية الفاضية وقال بصوت عالي: مين اللي عمل كده؟
طبعا كنت عارف إنه هيهزقني على اللي أنا عملته، عشان كده حركت راسي بمعنى إني مش عارف.
دكتور رفعت وهو بيمسك الكوباية وبيبصلها كويس: حاجة غريبة، أنا كنت غلطان لما حطيت المحلول في كوباية ميه، بس أنا مكنتش متخيل إن في حد هيدخل مكتبي، ده اللي أغلب الأمهات الجهله بتعمله بتحط الكلور في علب العصير، وتيجي الأولاد تفتكر إنه عصير فتشربه، كل الحالات اللي بتيجي في المستشفيات من أحتراق المريء بيكون ده سببها.
سكت شوية وكمل بضيق: وأنا عملت زيهم.
سألته بتوتر وأنا بلمس بطني: هو اللي كان في الكوباية كان كلور؟
دكتور: يا ريته كان كده، دي تجربه أنا بعملها والنتائج بتاعتها….
بصلي دكتور رفعت وقالي وهو مش طايق نفسه: إمشي دلوقتي وإبقى تعالي في وقت تاني عشان أنا متضايق.
قلت في نفسي: متضايق! ومن أمتى إنت مش متضايق؟!
دلوقتي أنا أفتكرت الموقف ده يا ترى المحلول اللي أنا شربته ممكن يكون السبب في اللي حصالي؟
قعدت مع نفسي أفتكر إيه اللي حصل الشهر اللي فات.
حبيبتي سلمى البنت اللي تعتبر كل حاجة في حياتي، قعدت وسندت راسها على الشجرة.
أنا مشفتش في حياتي كلها لا إنسان، ولا جماد، ولا مكان، ولا حتى حلم أجمل من سلمى، أنا مجنون بحبها.
قربت منها وهمستلها في ودانها قد أيه أنا بحبها.
تبص سلمى للسما وتقولي وهي سرحانة: مش عارفة…. لو عرفت أنا مين، لو عرفت أنا مين فعلاً، فممكن تغير رأيك.
ده مشهد أنا شفته في فيلم عربي قديم، هل معقول هتقولي إن أمها بتشتغل رقاصة، ولا إن أبوها هو أكبر تاجر كيف في البلد؟
تاخد سلمى نفس عميق تخرجوا بهدوء وتقول بصوت ناعم وهادي: أنا مش من العالم بتاعك.. أنا من عالم تاني.. أنا بشوف كل حاجة مختلفة عن اللي أنتم بتشوفوها… أنا بسمع أصوات إنتم عمركم ما سمعتوها… أنا مش شبهكم… إنت فاهمني؟
أكيد هي مش شبهنا، من ساعة ما جت الجامعة من أربع شهور، كل واحد في الجامعة متأكد إن سلمى مش شبهنا، فعلاً هي أكيد من عالم تاني.
رديت عليها وأنا في حالة رومانسية عالية: نفسي أكون معاكي في العالم ده.
تتعدل سلمى في قعدتها وترد عليا بتوتر ويفضل صوتها ناعم وهادي: مش هتقدر، ممكن تصحى في يوم من الأيام فتلاقي السما لونها أخضر، ولون العشب أحمر، وممكن إنك تسمع ريحه الفل وتشم القمر.
رديت وأنا في نفس الحالة الرومانسية العالية: طول ما أنا معاكي ما يهمنيش حتى لو شميت صوت الحمار وسمعت الوحل.
ضحكة سلمى ضحكة ساحرة خلتني زي المجنون وقالت: إنت واثق من اللي إنت بتقوله؟
رديت بثقه عمياء: طبعاً واثق.
مدت سلمى صباعها وقالت بصوتها الناعم الهادي: إنت هتعور صباعك وأنا هعور صباعي، ويختلط دمنا مع بعض فأكون أنا من العالم بتاعك وتكون إنت من العالم بتاعي.
طبعاً الأمر غير نظيف ولا صحي بالمرة، كتير من الأمراض ممكن تتنقل بنفس الطريقة، بس وقتها كنت عايش في حالة رومانسية وأي حاجة في اللحظة دي تبقى ممكنه، عملت اللي طلبته اختلطت دمائنا ببعض.
وقتها كنت بقول إن اللي بيحصل ده رومانسية وكل البنات الرومانسيات بيقولوا نفس الكلام، ولكن دلوقتي وأنا بفتكر الموقف جسمي بيتنفض وشعر راسي بيقف.
لو سلمى مكانتش بتهزر…. مكانتش بتشوف زي ما إحنا ما بنشوف …السما باللون الأخضر؟!
يا ترى كانت فين سلمي قبل ما تظهر في كليتنا من أربع شهور؟ ما حدش عارفلها عنوان ولا رقم تليفون ولا عمر حد شافها بتاكل ولا بتشرب قبل كده.
وأنا زي الغبي خلطت دمائي بدمائها.
قعدت مع نفسي أفتكر إيه اللي أنا عملته الشهر اللي فات.
صاحبي وحيد هو اللي كانت معاه البردية، وكان شكلها وملمسها يخوف.
وحيد وهو بيضحك: ما حدش قدر يفتحها.
ضحكت أنا كمان: إنت عايز تجيبلنا مصيبة، يا بني كده سرقة آثار.
وحيد بجدية: سرقة إيه يا عم! قلتلك إني لقيتها في أسوان، ولو مكنتش حطيتها في جيبي كان حد تاني عمل كده.
رديت على وحيد: طب إنت تعرف عنها أي حاجة؟ يعني مثلاً بترجع للأسرة الكام؟
حرك كتفه بمعنى إنه ما يعرفش وقال بسخرية: يا سلام يا ذكي يعني أنا لو كنت قلتلك من الأسرة التالتة كنت إنت فهمت كده.
وحيد بتردد وقلق: أنا من رأيي إن إحنا ما نفتحهاش، الحاجات دي بيبقى عليها لعنات.
رديت على وحيد بعدم إقتناع: يا سلام يعني إنت عايز نفضل مخليينها معانا كده وما نلمسهاش؟!
وحيد: مش عارف.
أنا: أنا الفضول هيقتلني ومش قادر أستحمل.
مديت إيدي وخدت البردية وبدأت أفك الخيط اللي حواليها، كان في رسمه على ظهر البردية، رسمه جميله للتمثال عين رع وهو بيخرج منه أشعة صفرا كإنها شمس.
لوحة فنية بديعة في الجمال، بس يا ترى إيه معناها؟!
يمكن بتقول إن رع هيصيب بلعنة كل اللي يفتح البردية.
وكملت فتح البردية وظهر جعران كبير قد كف الإيد، كان شكله وحش ورغم كده كان مبهر.
قلت لوحيد: شفت ما حصلناش حاجة أهو، أعتقد إن الفراعنة مكانتش فاضية عشان تعمل لعنات تحمي بيها الجعران.
دلوقتي وأنا بفكر في الموضوع، إشمعنى عين رع؟! وليه اللون الأصفر؟
بعد ما أفتكرت كل اللي حصل في الشهر اللي فات.
يا ترى اللي أنا فيه ده لعنة أصابتني بيها الروح الشريرة؟
ولا هو بسبب المحلول الكيميائي اللي أنا شربته وديه الآثار الجانبية ليه؟
ولا يمكن أنا رحت لعالم سلمى وبقيت واحد منهم، وبقيت واحد من اللي بيشوفو كل حاجة بلون مختلف عن لونها؟
ولا رع أصابني بلعنة عشان فتحت البردية؟
كل حاجة حواليا صفراء..
الأبواب، القطط، العربيات، الفلوس، بالطو دكتور رفعت، لبس أمي، الكتب، وشي في المرايا، لبسي، كل حاجة لونها أصفر
فكرت كتير إيه السبب اللي يخليني أشوف الدنيا كلها باللون الأصفر.
أنا مش عارف…تقدر تعرف إنت؟
………………
اللون الأخضر
الحقيقة أنا مش بحب شغلي هنا…. الحقيقة أنا مش شايف أي معنى لحياتي…الحقيقة الحاجة الوحيدة اللي مخلياني أكمل هي دكتورة إيمان.
الأحد 16 مايو
الحاجة الوحيدة اللي ممكن تكسر الملل هو أنك تلاقي الوقت اللي تكتب فيه مذكراتك، رغم إن مفيش حاجة مهمة في المذكرات ديه، بس دي مذكراتي أنا ومتهمش حد غيرى، مش لازم أكون صاحب وظيفة مرموقة عشان يكون ليا حق في كتابة مذكراتي.
على فكرة أنا شغال موظف نظافة، ويمكن ده يكون سبب يخليك ما تقرأش القصة وتروح على القصة اللي بعدها، بس الأشخاص اللي هتكمل قراءة القصة من غير ما يهتموا بوظيفتي كعامل نظافة هيعرفوا إن موظفي النظافة ممكن يكون عندهم حاجات يكتبوها في بعض الأوقات.
ده تاني يوم ليا في الشغل في مؤسسة علمية كبيرة مش هعرف حتى أنطق إسمها اللي باللاتينية، المؤسسة ديه بتعمل أبحاث علمية عن حاجات محدش يعرف الغرض منها إلا ربنا، فمثلاً هنا ممكن تلاقي دكتور مضيع كل حياته قدام فأر في قفص، وواحد تاني بيشتغل على مجموعة من الفواكة يتم حقنها بمواد معينة، ودكتور تاني بيقضي كل اليوم في إنه بيبص في الميكروسكوب ويسجل الملاحظات كل ربع ساعة.
وفي الدكتورة إيمان..
لما صاحبي (وهو موظف نظافة برضو) قالي على الشغل هنا، مكانش الموضوع عاجبني في الأول بس أنا كنت محتاج فلوس بأي طريقة، وأكيد عشان أنا مش هسرق ومش هنصب، وكمان عندي مرض نادر في العضلات يخليني معرفش أشتغل شغلانات كتيرة، فكانت فكرة الشغل كموظف نظافة فكرة كويسة.
كل شغلتي اللي بعملها طول النهار إني يأخد المخلفات من السلات وأحطها في العربية اللي بفضل أشدها طول اليوم، وبعد كده افضي العربية في صندوق النفايات الخاص بالمبني، هي دي كل حاجة أنا بعملها، الأمر مش محتاج ذكاء ولا عبقرية، المشكلة بالنسبالي أن أنا متعلم أنا وصلت في التعليم لغاية الإعدادية، ودايما عقده الشخص المتعلم بتعز عليه نفسه أنه يشتغل شغلانات ممكن يعملها أشخاص مش متعلمين وتبقا نفسهم راضية وقابلة.
بس هنا في الدكتورة إيمان.
أنا بحب القراءة من وأنا صغير، طبعاً بسبب الحالة المادية لأسرتي مكنتش أقدر أشتري كتب غير الكتب المستعملة حتى لو كانت الكتب دي ناقصة جزء من صفحتها، وترجع المشكلة تتكرر تاني أنا هنا طول اليوم بعمل ولا حاجة تقريباً، مفيش حاجة أقدر أقرأها غير الكتب الكبيرة اللي ليها تغليف سميك ومكتوبة بكذا لغة وأكيد عايزة أكتر من شهادة الإعدادية اللي معايا عشان أعرف أقرأها.
يبقى الحل… إني أضيع وقتي في كتابة مذكراتي.
تعتبر فكرة كويسة عشان أضيع الوقت، بس لازم أستحمل سخرية زملائي .
شيء عجيب لموظف نظافة إنه يسجل مذكراته، دي طبعا وجهة نظرهم.
بس هنا في الدكتورة إيمان.
الدكتورة إيمان…. هي تعتبر ياسمينة المكان ده، نسمة الهوا اللي بتمشي في طرقات المؤسسة الكئيبة والمملة ديه، الدكتورة إيمان اللي كانت سبب في إني أقبل الشغل ده حتى ولو هيكون نصيبي إني أشوف أبتسامة منها كل يوم، إنت مشفتش إبتسامة دكتورة إيمان، صدقني، إبتسامتها فعلاً تستاهل.
بس إيه هي الوظيفة اللي بتشتغلها دكتورة إيمان؟
في الحقيقة وظيفتها تستاهل الإهتمام.
الإثنين 17 مايو.
أحلى حاجة ممكن للشخص إنه يعملها إنه يشوف دكتورة إيمان وهي بتشتغل، لابسه البالطو الأبيض… ومكان شغلها عبارة عن مبنى أزاز عملتهولها المؤسسة مخصوص عشان تعمل فيه تجاربها وأبحاثها على النباتات.
بالنسبة للأشخاص المسؤولين عن المؤسسة في ملف وأسم لكل نبات وبتتسجل الأبحاث والتجارب اللي حصلت على النبات ده، حتى الدكتورة إيمان نفسها ليها ملف هي كمان بيسجلوا فيه إنجزتها اللي قدمتها للمؤسسة لحد دلوقتي… وطبعاً بيكون من وجهة نظرهم.
دكتورة إيمان كانت بالنسبة ليه شبة الأميرة حواليها الزهور والنباتات والأوراق، كإن وجودها في وسطيهم بيعمل لوحة فنية بديعة وطبعاً هي بطلة اللوحة.
كانت الدكتورة إيمان علي طول تستقبلني في مكان شغلها، كثير سابتني أتفرج عليها وهي بتشتغل وهي بتشيل أصيص النبات وتحطه على جهاز غريب بيطلع ورق مرسوم عليه خطوط بعض الأوقات ثابتة وأوقات تانية مزجزجة.
كل الناس مش هتفهم معنى الخطوط ديه، بس دكتورة إيمان وحدها هي اللي تقدر تعرف معناها وهي فهمتني معناها.
الخطوط دي بتعبر أحاسيس النباتات، فالخطوط دي بتجري بسهولة لما النبات يكون في بيئة مناسبة ليه، والخطوط تظهر متعرجة إذا حد قطع أحد أوراق النبات وهو على الجهاز.
الدكتورة إيمان: النبات بيحس ويتألم… ويمكن يكون بيحب، ده الوصف اللي وصفته الدكتورة إيمان.
الثلاثاء 18 مايو
النهاردة دكتورة إيمان قالتلي أنهم لقوا سبع بذور من فصيلة نادرة للنباتات.
وقالتلي إن ممكن البذرة الواحدة تقدر بثروة هائلة من الفلوس، ولو قدرت دكتورة إيمان إن هي تزرع واحدة من البذور ديه في البيئة المثالية ليها وقدرت تعمل عليها التجارب فده ممكن يحقق ليها نجاح علمي اللي ياما تمنيت تحقيقه.
ساعدت دكتورة إيمان في تجهيز الزرع، وحطينا البذرة الأولى ودعمنا التربة بكل إحتياجات النباتات من مواد وأملاح ومخصبات للتربة وسماد، مكانش الموضوع صعب حتى ولو كان صعب فأي حاجة لدكتورة إيمان تهون.
قالتلي دكتورة إيمان إن الموضوع هياخد شوية وقت وده طبيعي، وأنا بثق في كل حاجة بتقولهالي الدكتورة إيمان.
كل اللي أقدر أعمله إني أدعي ربنا إن البذرة ديه تكبر عشان خاطر دكتورة إيمان، وهو ده اللي أنا هعمله.
الأربعاء 19 مايو
قد إيه دكتورة إيمان مجتهدة….. قد إيه هي جميلة.
بشوفها كل يوم بتهتم بأصيص النبات، كإنه طفل صغير، ساعات بحس إن البذور اللي موجودة ديه أول حاجة تربطني بيها، كإنه ممكن يكون أبننا اللي عمره ما هيتولد.
بنقعد كل يوم نلاحظ إصيص الزرع عدد ساعات طويلة مستنيين المعجزة اللي هتطلع فيها النبتة الخضراء الصغيرة، بس المدة هتطول وإحنا عارفين كده.
كانت دكتورة إيمان عندها لهفة كبيرة إنها تحط النبات على الجهاز اللي بيسجل الإشارات اللي بتخرج من النباتات.
دكتورة إيمان: على الأقل تقدر نعرف إذا كانت البذرة ديه حية ولا لا.
بس الورقة اللي خرجها الجهاز كان عليها خط ثابت مستقيم، زي اللي بيظهر على جهاز رسم القلب لما يوصل الشخص ده لنهاية حياته، أنا شفت الجهاز ده لما كانت أمي الله يرحمها مركباه وعارف معنى الخط ده كويس.
كانت الدكتورة إيمان حزينة ومحبطة، شئ صعب إني أشوفها في الحالة ديه.
الدكتوة إيمان: هسيبها لغاية بكرة، ولو منجحتش هجرب بذرة تانية.
كان نفسي أقدر أساعدها بس زي ما قلت مفيش في إيدي حاجة غير إني أدعيلها.
الخميس 20 مايو
لسه مستنيين.
الجمعة 21 مايو
قررت الدكتورة إيمان إنها هتفضل محافظة على إصيص الزرعة الأولى، وحطت البذرة التانية في إصيص جديد، وهنستنى.
السبت 22 مايو
إمتى يجي بكره؟!
الأحد 23 مايو
مفيش أي جديد.
الإثنين 24 مايو
مكناش متخيلين أبدا أنا ودكتورة إيمان المعجزة والمفاجأة اللي حصلت!
كنا إحنا أول ناس وصلت للمؤسسة زي كل يوم، وروحنا أنا وهي لمكان الزرعة، وعندنا أمل إن يكون فيه أي جديد.
بس النهاردة لما وصلنا اللي ظهر قدامنا كان معجزة.
كان إصيص الزرع اللي قدامنا كبر بصورة كبيرة جداً، في شكل عدد كبير من السيقان الخضرا، الكبيرة والضخمة، وملفوفة حوالين نفسها بشكل عجيب، وبطول مستحيل إنه يحصل في ليلة واحدة.
ومش كده بس واحد من إصيصين الزرع كان موجود على جهاز تسجيل الإشارات، اللي فضل يخرج أوراق كثيرة عليها خطوط متموجة ومتحركة بشكل كبير مشفتش زيها قبل كده، مش هعرف احكيلك عن حالة الذهول اللي كانت فيها دكتورة إيمان، بس هحكيلك عن اللحظة اللي مسكت فيها الورق اللي خارج من الجهاز وفضلت تبص عليها باهتمام وحرص شديد، فضلت تبص فيها وقت طويل وبعد كده قالت.
الدكتورة إيمان: أنا مش فاهمة!
جمعت شجاعتي وسألتها: هو النبات ده بيتألم؟ قصدي إن البيئة ديه مش مناسبة ليه.
حركت دكتورة إيمان راسها: لا… الخطوط طبيعية جدآ بس هي ضخمة، كإن الخطوط ديه كلها صادرة من غابة كاملة.
ورجعت دكتورة إيمان تمسك الأوراق وتفحص الخطوط وتكرر: مش فاهمة.
فضلت ساكت عشان أسمح ليها إن هي تركز، وبعد كده شفت إن من الأفضل إني أسيبها تكمل شغلها (فمش أنا المسؤول هنا عن مراقبتها) بس قبل ما أمشي بصت ليه دكتورة إيمان وسألتني: ثواني… أنا ما حطيتش إصيص الزرع على الجهاز إمبارح… إزاي وصل لهنا؟!
الثلاثاء 25 مايو
بقى في حاجة غريبة ومختلفة في الدكتورة إيمان.
ما عدتش بتاخد بالها من إني موجود، ولا من أي حاجة حواليها ولا بتهتم بأي حاجة غير نباتتها، بدأت أكره النباتات ديه، عندي إحساس إنها بتسابقني لدكتورة إيمان.
النهاردة عديت عليها عشان أسأل عن آخر أخبار النباتات، بس حصلت حاجة غريبة خوفتني.
كانت الدكتورة إيمان ماسكة واحدة من أوراق النباتات وبتسجيل ملاحظاتها وبتفحصها، وكنت أنا عند الباب وناديت عليها: دكتورة إيمان أقدر أساعدك في حاجة؟
وشكلها كده كانت مركزة جداً في الحاجة اللي بتعملها لدرجة إن هي اتخضت من صوتي ولفت ناحيتي بسرعة، وكانت لسه ماسكه ورقة النبات، قطعتها من غير قصد، بس النبات مكانش عارفة ده.
فجأة أتحركت فروع النبات حركة إنفعالية غريبة، وفضل ينفخ بخار أخضر في الاوضة.
أخضر…أخضر… أخضر لحظات والمكان كله أتحول للون الأخضر.
صوت هسييييس خارج من النبات وأختلط بصرخات من دكتورة إيمان، محستش بنفسي إلا وأنا بنط في اللون الأخضر اللي قدامي عشان ألحق دكتورة إيمان من أي حاجة تحصلها.
كنت تقريباً مش شايف قدامي، والحاجة الغريبة إن البخار ده مكانش ليه أي ريحة كأنها مجرد صبغة خضرا في الهوا ،ما ركزتش في الأمر ده، وبدأت أنادي وأحسس حواليا لغاية ملمست إيد دكتورة إيمان مسكتها جامد وقلت: ما تخافيش… هطلعك من هنا.
بس إيد قوية مسكت في رقبتي وفضلت تضغط عليها جامد.
وبشكل لا إرادي ضغطت أنا كمان على إيد دكتورة إيمان، وزادت صرختها أكتر، كنا إحنا الإتنين مش شايفين أي حاجة بسبب اللون الأخضر.
كنت خلاص قربت أتخنق مفيش أي أكسجين بيوصل للرئه، سبت إيد دكتورة إيمان، وحاولت أبعد عن رقبتي الإيد اللي بتخنقني بس من غير أي فايدة.
بدأت أتخنق، اللون الأخضر حواليا في كل مكان.
وبدأ اللون الأخضر يتحول للون الإسود، وما عادش فيه هوا بيدخل جسمي، كنت سامع صرخة دكتورة إيمان….و…..و
اللي حصل بعد كده حكاة ليه صاحبي اللي جبني في الشغل.
صرخة الدكتورة إيمان لفتت إنتباه الناس حوالينا، ودخلو كلهم عشان يخرجونا من المكان بس مش ده كل اللي حصل.
حاجتين قالهم ليه صاحبي خلوني خايف ومذهول.
أول حاجة، مكانش في أي دخان أخضر لما دخلوا المكان، محدش شاف أي دخان.
تاني حاجة، الإيد اللي كانت ماسكاني من رقبتي وبتخنقني وكانت خلاص هتقضي عليا، كانت إيد الدكتورة إيمان نفسها.
الأربعاء 26 مايو
مقدرتش أروح الشغل، لأني لسه تعبان من اللي حصل إمبارح.
يا ترى فين دكتورة إيمان دلوقتي؟!
الخميس 27 مايو
دكتورة إيمان ما جتش الشغل النهاردة.
الجمعة 29 مايو
النهاردة برضو دكتورة إيمان مجتش، وأنا قلقان عليها.
الأربعاء 3 يونيو
دكتورة إيمان أختفت!
فضلت طول الأيام اللي فاتت مستنيها، حتى إني بدأت أدور عليها، قدرت إني أوصل لعنوان بيتها، رحت لهناك عشان أطمن عليها، وإن كان ده مش من حقي بس للأسف ما لقيتهاش هناك.
فين دكتورة إيمان؟!
السبت 7 يوليو
ما عدتش بسجل مذكراتي بس اللي حصل النهاردة لازم إنه يتسجل.
الساعة 7:00 بالليل كنت بتفرج على التلفزيون، وسمعت خبط على باب بيتي، قمت بكسل عشان أفتح الباب وبتمنى من كل قلبي إن ميكونش أصحابي جايين يتجمعوا عندي، بس أول ما فتحت الباب وبصيت على دكتورة إيمان وإبتسامتها الجميلة، حسيت إني مش قادر أنطق.
دكتورة إيمان: إزيك؟
أنا بلهفه: إنتي كنتي فين؟.. أنا دورت عليكي في كل حته؟ .. أقصد يعني..
قطعتني دكتورة إيمان وقالت: غير هدومك ويلا بينا.
أنا: هنروح فين؟!
دكتورة إيمان: هناك… عند النباتات.
مش هحكي كل التفاصيل الصغيرة البسيطة هبتدي أحكي عند اللحظة اللي دخلنا فيها المكان عشان نلاقي النباتات وصلت لغاية ما قربت توصل للسقف، أنا مش بفهم في النباتات بس أكيد النباتات ديه بتكبر بشكل مش طبيعي.
دكتورة إيمان: النباتات ديه مش طبيعية.
أنا كنت عارف المعلومة ديه قبل ما تقولها.
الدكتورة إيمان: الدخان الأخضر اللي كان حوالينا وتنفسناه، هو كمان مش طبيعي وكان ليه تأثير مش طبيعي على جسمنا، الأيام اللي فاتت كنت بدرس تأثير الدخان الأخضر علينا.
سألت بقلق: ووصلتي لحاجة؟
دكتورة إيمان: حس نبض إيدك لو سمحت.
سألتها: ليه؟!
دكتورة إيمان: عشان إنت مش هتحس بيه.
أنا بذهول: إيه؟!
لمست إيدي عشان أحس بالنبض، بأي نبض بس الغريب إني ما قدرتش أحس بيه حسيت بأيدي باردة كإنها ميتة ما فيهاش نبض ولا حياة.
أديتني دكتورة إيمان سماعة طبية وقالتلي: خد اتأكد بنفسك بس أنا هقولك مفيش نبض، قلبك وقف زي قلبي بالظبط.
حسيت الكلام اللي هي بتقوله غير معقول ولا منطقي، فضلت أبص على إيدي الباردة اللي مفهاش نبض، أخدت منها السماعة وحطتها على صدري، وقعدت فترة بحاول أسمع بس ملقيتش حاجة، الكلام اللي هي بتقوله حقيقي قلبي وقف.
لو كنت محطوط دلوقتي على جهاز رسم القلب، كان اللي هيظهر الخط الطويل الثابت السخيف.
سألتها وأنا في حالة صدمة: وده معناه إيه؟.. إحنا موتنا!
بس إجابتها صدمتني أكتر: لا… إحنا مامتناش…. إحنا بنتحول.
الأحد 8 يوليو
من دلوقتي عليا إني أكون منتظم في كتابة مذكراتي وكتابة أي تغير يحصلي زي ما قالتلي دكتورة إيمان.
رجعت دكتورة إيمان للشغل عشان تكمل أبحاثها ودراستها علي النبات، اللي لسه مستمر في النمو، حتى إن هو قرب يأخذ المكان كله بسقانه الملفوفه وأوراقه اللي بتبخ الدخان الأخضر لو أتقطعت.
لازم نفهم إيه اللي حصلنا.. لازم.
أول ما رجعت من البيت وقفت قدام المرايا و فحصت جسمي عن أي تغيرات بس ما لقيتش حاجة مش طبيعية، لسه زي ما أنا رفيع وملامحي وشي كئيبه، جسمي عضمه بارز اللي بيدل على فقري.
بس قلبي ما فيهوش نبض رغم إن ده مستحيل في الطب زي ما قالتلي دكتورة إيمان، بس قررنا إن يكون الأمر ده سر ما بينا لحد ما تقدر الدكتورة إيمان إن هي تحدد إيه اللي حصل لنا.
يا ترى هتقدر تحدد فعلاً إيه اللي حصل؟!
الإثنين 9 يوليو
على الأقل بقى في إتصال ما بيني وما بين دكتورة إيمان، الحالة الغريبة اللي إحنا فيها شالت حواجز كتير ما بينا، وبقيت بقعد معاها في مكان شغلها ساعات كتيرة حتى بعد ساعات العمل ما تخلص.
بدأنا نلاحظ إن إحنا ما عادش لينا نفس للأكل، كإن جسمنا الميت رافض الأكل، كمان عدد ساعات النوم قلت لدرجة إن هي وصلت لساعتين بس، شكلنا كده في طريقنا للأرق والسهر المستمر.
الدكتورة إيمان بقى كل إهتمامها إن هي ترصد وتلاحظ وتراقب كل حاجة يعملها النبات، وبتدرس الخطوط المتعرجة اللي بيصدرها الجهاز على أمل إنها تلاقي تفسير للي حصل.
على كل حال النهاردة مكانش فيه أي جديد، بس لاحظت إني لما جرحت إيدي بالغلط إنها ما نزلتش دم .
حيرة جديدة مستنيين النبات إنه يفسرهلنا، فهل ده هيحصل؟!
الثلاثاء 10 يوليو
ما بقيناش بنام وبقى السهر هو الصفة اللي غالبه دلوقتي عليا وعلى دكتورة إيمان.
الأشخاص المسؤولين عن المؤسسة لاحظوا الحالة اللي إحنا فيها، في الحقيقة مكانش عندهم أي رفض، وتقريباً عملوا ليا ملف جديد بيكتبوا فيه ملاحظاتهم عني.
أما بقى الملف اللي يخص النبات النادر ده ما لقيناش لسه أي إجابات على أسئلتنا، قررت دكتورة إيمان إنها تعمل إجراء غريب ما قدرتش إن إنا أفهمه بس أنا هكتبه زي ما هي قالته بالظبط.
قالت دكتورة إيمان:هنجرب إن إحنا نحول الإشارات اللي بتطلع من النبات لصورة تانية من الطاقة يمكن نقدر نفهم هي معناها إيه.
بدأنا التجربة وجهزت دكتورة إيمان مجموعة كبيرة جداً من الأجهزة وشكلها غريب، وبدأت تربط الأجهزة بالجهاز اللي بيكتب إشارات النباتات.
أما أنا كنت بساعدها وأنا مش فاهم أنا بعمل إيه بس يمكن يكون في نتيجة بعد كل ده .
وللأسف أنتهى اليوم من غير ما نوصل لأي نتيجة، بس إحنا لسه مستنيين.
الأربعاء 11 يوليو
لازم أكتب كل اللي بيحصل بسرعة مفيش وقت.
النهاردة قدرت دكتورة إيمان إنها تفك سر الخطوط المتعرجة، قدرت إن هي تستخدم….. ما فيش وقت….. الكمبيوتر قدر إنه يحول اللي بتقوله النبات الى…. ما…. ما فيش وقت
الدكتورة إيمان وصلت الأجهزة بالكمبيوتر اللي قرأ على شاشته: جه وقت الرجوع…. في أجسام بشرية نقدر نتم عليها عملية التحويل.
هي دي الكلمات اللي كان بيصدرها النباتات بس على شكل إشارات ضخمة، ودة يظهر حاجات كتيرة أوي.
جسمنا بقى ميت لأنه ما بقاش بتاعنا بقى بتاعهم هما.
مين هما؟!
أنا مش عارف مفيش وقت إن أنا أعرف، دكتورة إيمان لقت حل في المصيبة اللي إحنا فيها.
قررت إن هي تحرق المكان اللي فيه النباتات بعد ما بقينا محبوسين فيه، حاولت أخليها ترجع عن قرارها…
للأسف النبات. ………
تقرير للملف 1024 للقسم الخاص بالأبحاث العلمية على النباتات.
لحد هنا بتخلص المذكرات اللي لقيناها بعد حرق قسم الأبحاث النباتية، ولولا المذكرات دي مكناش نقدر نفهم إيه اللي حصل.
دكتورة إيمان وموظف النظافة ( هو اللي كان بيكتب المذكرات) كانوا هما الوحيدين اللي أنتهى أمرهم في الحريق.
واضح إن دكتورة إيمان كانت بتحاول تقضي على النبات، بس محاولتها ما نجحتش.
النبات كان غير قابل للحرق، النار مبتأثرش فيه بأي شكل من الأشكال، وعشان كده قدرنا إن إحنا نجري عليه العديد من الدراسات عشان نفهم إيه اللي حصل….. أو إيه اللي ممكن يحصل.
النبات كان بيخرج منه دخان أخضر أو غاز أخضر بيأثر على الأعصاب وبيؤدي للشخص اللي بيتعرضله إلى الجنون.
وده معناه إن التجربة نجحت.
هو ده السلاح اللي إحنا عايزينه، ولولا إن إحنا أخذنا قرار بالتضحية بدكتورة إيمان مكناش هنقدر نعرف تأثيره وفعاليته.
نقدر دلوقتي نقفل الملف.
ونصرح بنجاح التجربة.
لتكملة القصة اضغط الزر بالاسفل



