أمطار غزيرة تضرب الإسكندرية ليلا فى أولى نوات الشتاء

الإسكندرية تستقبل أولى نوات الشتاء بأجواء درامية
شهدت محافظة الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، مساء الأحد 5 أكتوبر 2025، هطول أمطار غزيرة هي الأولى من نوعها هذا الموسم، إيذانًا ببداية نوات الشتاء المنتظرة. ومع حلول الليل، تحولت شوارع المدينة إلى لوحات فنية تزينها الإضاءة المنعكسة على مياه الأمطار، في مشهد اعتاد عليه السكندريون الذين يعتبرون المطر جزءًا من هويتهم وثقافتهم الشتوية.
الأمطار جاءت متقطعة في بدايتها، ثم ما لبثت أن تحولت إلى زخات كثيفة مصحوبة برياح شمالية غربية باردة، في أجواء تحمل ملامح الخريف المتأخر وبداية الشتاء الحقيقية. ومع ذلك، لم تفقد المدينة سحرها، بل ازدادت جمالًا في عيون سكانها الذين خرج بعضهم لتوثيق اللحظات عبر الصور والفيديوهات التي انتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
خطة الطوارئ تدخل حيز التنفيذ
بمجرد بدء تساقط الأمطار، أعلنت محافظة الإسكندرية رفع حالة الطوارئ القصوى بجميع الأجهزة التنفيذية، تنفيذًا لتوجيهات اللواء محمد الشريف، محافظ الإسكندرية، الذي شدد على أهمية التحرك السريع لفرق الصرف الصحي والكهرباء والأحياء للتعامل مع أي تجمعات للمياه في الشوارع.
تم نشر فرق الطوارئ في النقاط الساخنة المعروفة بضعف تصريف المياه، مثل مناطق سموحة والعصافرة وكرموز والطريق الساحلي. كما دفعت شركة الصرف الصحي بعدد كبير من سيارات الشفط والبدالات لسرعة سحب المياه ومنع تعطيل حركة المرور. وحرصت غرفة العمليات المركزية على التنسيق الدائم مع هيئة الأرصاد الجوية لمتابعة تطورات الحالة لحظة بلحظة.
تحذيرات الأرصاد الجوية: بداية موسم طويل
أكدت هيئة الأرصاد الجوية أن ما تشهده الإسكندرية من أمطار غزيرة هو أول مظاهر نوة “المكنسة” المعروفة في المحافظة، والتي عادة ما تضرب المدينة في بدايات أكتوبر وتستمر لأيام عدة مصحوبة برياح شمالية غربية قوية وبرودة نسبية في الطقس.
وأوضح الدكتور محمود شاهين، مدير مركز التنبؤات والتحاليل بالهيئة، أن الأمطار من المتوقع أن تستمر على فترات متقطعة حتى منتصف الأسبوع، مع احتمالية زيادتها على المناطق الساحلية ليلاً. ونبه شاهين المواطنين إلى ضرورة توخي الحذر أثناء القيادة على الطرق السريعة، والابتعاد عن أعمدة الإنارة وأماكن تجمع المياه، خاصة في المناطق المنخفضة.
الإسكندرية بين سحر المطر وهاجس الذكريات
لطالما ارتبطت نوات الإسكندرية في ذاكرة سكانها بمزيج من الجمال والخوف؛ الجمال الذي تمنحه مشاهد الأمطار على الكورنيش والبحر الهائج، والخوف من تكرار سيناريوهات الأعوام السابقة حين تسببت السيول في أضرار بالبنية التحتية وتعطل المرافق العامة.
ورغم كل ذلك، يظل المطر بالنسبة للسكندريين علامة مميزة للمدينة، تُعيد لهم ذكريات طفولتهم وتملأ المقاهي والمطاعم المطلة على البحر بروادها الذين يفضلون الجلوس لمراقبة الأمواج وهي تتكسر على الصخور، وسط أجواء موسيقية من الرعد والرياح.
المرور يعلن حالة استنفار
دفعت إدارة مرور الإسكندرية بتعزيزات مرورية إضافية إلى الميادين والمحاور الرئيسية لمتابعة حركة السيارات وتنظيم السير في ظل تساقط الأمطار، خصوصًا في ساعات الذروة المسائية. وتم التنسيق مع وحدات الإنقاذ السريع للتعامل مع أي أعطال أو حوادث محتملة بسبب انزلاق المركبات على الطرق المبتلة.
وناشدت الإدارة قائدي السيارات الالتزام بالسرعات المقررة، وتشغيل أنوار المركبات واستخدام مساحات الزجاج بانتظام، مع ترك مسافات أمان كافية بين السيارات، لتجنب الحوادث الناتجة عن ضعف الرؤية.
استعدادات شركة الصرف الصحي والمرافق العامة
صرح المهندس أحمد جابر، رئيس شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالإسكندرية، بأن فرق العمل تعمل على مدار 24 ساعة للتعامل مع أي طارئ، وأن جميع المحطات تعمل بكفاءة عالية. كما أكد أن الشركة أجرت صيانة شاملة للمصبات والمناهيل خلال الشهر الماضي استعدادًا لموسم الأمطار.
وأشار إلى أن ما تشهده المدينة من أمطار غزيرة تم التعامل معه دون تسجيل أي شكاوى أو أعطال كبيرة حتى اللحظة، بفضل التعاون بين الأجهزة التنفيذية وغرف العمليات في الأحياء المختلفة.
تفاعل المواطنين عبر مواقع التواصل الاجتماعي
امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور وفيديوهات تُظهر مشاهد الأمطار على كورنيش الإسكندرية ومناطق محطة الرمل والبحر، حيث عبّر المواطنون عن حبهم للمدينة في هذه الأجواء الشتوية التي طال انتظارها. بعضهم نشر مقاطع تظهر الأطفال وهم يلعبون تحت المطر، وآخرون وصفوا المشهد بأنه “لوحة من الجمال السكندري الخالص”.
في المقابل، طالب آخرون بمزيد من الجهود لتحسين شبكات الصرف، خاصة في المناطق الشعبية التي ما زالت تتأثر سريعًا بتجمع المياه، مؤكدين أن المدينة تستحق بنية تحتية تليق بمكانتها التاريخية والسياحية.
الأسواق تتأثر مؤقتًا بحالة الطقس
تسببت الأمطار في انخفاض الإقبال على الأسواق التجارية مساء الأحد، حيث فضّل المواطنون البقاء في منازلهم تجنبًا للبرد والزحام. ومع ذلك، سجلت محلات بيع الملابس الشتوية انتعاشًا ملحوظًا مع بداية الموجة الأولى من البرد، حيث سارع الكثيرون لشراء المعاطف والأحذية استعدادًا للأيام القادمة.
من جانب آخر، استغل بعض الباعة الجائلين الفرصة لبيع المظلات ومعاطف المطر على الأرصفة، في مشهد يعكس روح الحياة اليومية في المدينة التي تتعامل مع المطر كعادة موسمية أكثر منها أزمة طارئة.
السياح يوثقون لحظات المطر على البحر المتوسط
السياح الأجانب والعرب الذين تواجدوا في الإسكندرية خلال هذه الفترة لم يُخفوا إعجابهم بجمال المدينة تحت المطر. فقد تحولت الكاميرات إلى أداة لتوثيق كل لحظة، من الموج العالي إلى الأمطار المتلألئة على نوافذ المقاهي.
ورغم تراجع الحركة السياحية مؤقتًا خلال ساعات الليل، فإن العديد من الزوار عبّروا عن دهشتهم من التنظيم الجيد في التعامل مع الأمطار، مؤكدين أن الإسكندرية تمتلك سحرًا خاصًا في الشتاء لا يُضاهيه أي مكان آخر على البحر المتوسط.
المدارس والجامعات: انتظام مع الحذر
أعلنت مديرية التربية والتعليم بالإسكندرية أن الدراسة مستمرة بشكل طبيعي غدًا الاثنين، مع التأكيد على تطبيق إجراءات السلامة داخل المدارس. وتم توجيه إدارات المدارس بتأمين الأسوار والأسطح ومراجعة وصلات الكهرباء تحسبًا لأي طارئ.
أما الجامعات، فقد رفعت درجة الاستعداد أيضًا، حيث تم تجهيز سيارات الطوارئ في حال تراكم المياه داخل الحرم الجامعي أو محيطه، كما تم التشديد على الطلاب بتوخي الحذر أثناء التنقل صباحًا.
رسائل الأمان من غرفة العمليات
أصدرت غرفة عمليات المحافظة بيانًا أكدت فيه أن الوضع تحت السيطرة، وأن الأمطار رغم غزارتها لم تؤدِ إلى إغلاق أي طرق رئيسية أو تعطيل للمرافق العامة. كما دعت المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة التنفيذية والإبلاغ فورًا عن أي تجمعات مياه أو حالات طارئة عبر الخط الساخن للمحافظة.
وأكد البيان أن فرق الصرف والمياه والكهرباء تعمل بتنسيق تام وأن جميع الفرق الميدانية منتشرة في الشوارع الحيوية، خاصة مناطق الكورنيش والمنتزه ووسط المدينة.
خاتمة: شتاء الإسكندرية يعود بسحره المعهود
تؤكد مشاهد الليلة أن الإسكندرية لا تزال تحتفظ بروحها الفريدة؛ مدينة تجمع بين التاريخ والجمال، بين البحر والمطر، بين الحنين والخطر. ومع أولى نوات الشتاء، تستعيد المدينة طقسها المميز، وتعيد إلى أهلها دفء الذكريات التي لا تذوب مهما تتابعت الأعوام.
ورغم أن الأمطار الغزيرة قد تُربك الشوارع أحيانًا، إلا أنها تذكّر الجميع أن الإسكندرية ليست كأي مدينة أخرى — فهي قلب البحر الذي ينبض بالحياة في كل قطرة مطر تهطل على أرصفتها القديمة.






