رواية “كان لك معايا” تأليف: خالد دياب

رواية “كان لك معايا“
تأليف: خالد دياب
الذكريات
جلس يوسف، شاب في الثلاثين من عمره، على كرسيه الهزاز أمام شرفته. كان يمسك بجريدة بين يديه، لكنها بقيت مفتوحة دون أن يقرأ فيها. ترك عينيه تتعلقان بحمام السباحة، بينما صدح صوت السيدة أم كلثوم من مكبر الصوت:
“كان لك معايا أجمل حكاية في العمر كله، سنين بحالها ما فات جمالها على حب قبله…”
تنهد يوسف تنهيدة عميقة، كأنها حملت معها ألمًا دفينًا. مرت أمام عينيه مشاهد من الماضي: زوجته وابنته يضحكان بجوار حمام السباحة. تذكر ضحكة طفلته الصغيرة، وركضها نحوه عند عودته من العمل، ثم احتضانهما معًا كأنه يحتضن العالم بأسره.
تذكر زوجته بملامحها الهادئة، وهي قادمة نحوه بابتسامة مليئة بالحنان. كان يحبها حبًا جمًا، ويبذل كل جهده لإسعادها.
عاد بذاكرته إلى أول لقاء بينهما، في حفل زفاف أحد الأصدقاء. كانت ترتدي فستانًا أسود، أشبه بقطعة ملكية في أحد القصور. حينما رآها لأول مرة، وقف في مكانه يتأملها عاجزًا عن النظر بعيدًا. كان حبًا من النظرة الأولى، حبًا غيّر مجرى حياته إلى الأبد.
شعر بغصة في حلقه وهو يتذكر اللحظة التي احتضن فيها زوجته لأول مرة. كيف تحولت تلك الأحضان إلى فراغ يملأ حياته الآن؟
قطع تلك الذكريات رنين الهاتف المفاجئ.
رفع يوسف الهاتف بتردد، ثم أجاب:
- ألو… أيوة يا محسن. مش قولتلك مش هقدر أجي؟ الشغل ماشي وأنت موجود، ليه مش هتمضي الأوراق؟
صمت قليلاً قبل أن يضيف:
- مين “مي” دي؟ طيب، خلاص… ابعتها. سلام.
أنهى المكالمة دون اكتراث، ليجد الخادمة قد دخلت الغرفة بصمت، تحمل فنجان قهوة وضعته بجانبه على الطاولة.
- حضرتك تحب تتغدى إيه النهاردة؟
- مليش نفس. لو حسيت بالجوع هبلغك.
- حضرتك ما بتاكلش خالص، وبقيت تخس كل يوم أكتر… بقالي فترة شايفة الحال ده.
رد بعصبية:
- مش جعان! ليه كل يوم نفس الكلام؟
انحنت الخادمة برأسها، تتجنب النظر إليه، بينما ارتسمت على وجهها ملامح الحزن والانكسار:
- آسفة يا سي يوسف.
شعر يوسف بالندم، فاعتدل في جلسته وناداها بصوت أكثر هدوءًا:
- سيدة، أنا آسف. حقك عليا. متزعليش مني. عارفة إني عصبى اليومين دول، وعارف كمان إنك خايفة عليا… بس معلش، سبيني براحتى.
أجابت بصوت حزين:
- حاضر، وأنا في إيدي إيه غير إني أسيبك براحتك؟
- في واحدة هتجيلي من الشركة. لما توصل خليها تستنى في الصالون.
- تحت أمرك.
شركة يوسف
جلس محسن على مكتبه المرتب بعناية، أمامه ملفات وأوراق متناثرة. كانت تجلس أمامه مي، فتاة في الثلاثينات من عمرها، بملامح هادئة تشع ذكاءً وثقة. ارتدت بدلة رسمية أنيقة، وكانت عيناها تتابعان حديث محسن باهتمام.
قال محسن وهو ينظر إلى الأوراق أمامه:
- الأوراق دي لازم مستر يوسف يمضيها بنفسه. الأوراق دي مهمة جدًا، ومش هقدر أبعتها مع أي حد تاني.
ردت مي بنبرة مهذبة:
- طب هو ليه ما بيجيش بنفسه، لو سمحت لى في السؤال؟
توقف محسن للحظة وكأنه يحاول اختيار كلماته، ثم قال بأسف:
- من وقت ما مراته وبنته توفوا في حادثة، وهو بقى كده. أوقات هادي جدًا، وأوقات عصبي. كان بيحبها بشكل كبير جدًا، وطبعًا فقدانهم الاتنين كان صعب جدًا عليه. واعتقد المرحلة دي محتاجة وقت طويل عشان يتخطاها.
هزت مي رأسها بتفهم:
- شكله كان مخلص ليها جدًا.
ابتسم محسن ابتسامة صغيرة تحمل شيئًا من الحزن:
- جدًا. المهم، لما تروحي الفيلا وتقبليه، عايزك تكوني هادية معاه جدًا. عصبيته بتخليه ينفعل بسرعة، لكن ثقي إنه شخص محترم ومهذب.
ردت مي بابتسامة خفيفة:
- تمام يا مستر محسن، في أي طلبات تانية؟
- لا، شكراً يا مي. السواق هيوصلك وهيجيبك. والله لو كنت فاضي كنت روحتله أنا بنفسي، بس معلش.
- ولا يهمك يا فندم، أسمحلي.
قام محسن بإعطائها الأوراق وأشار إليها بالانصراف.
الطريق إلى الفيلا
جلست مي في المقعد الخلفي للسيارة، الأوراق مرتبة بجانبها، والهاتف في يدها، تنظر إليه بعينين تائهتين دون اهتمام حقيقي. في داخلها، كانت الكلمات التي قالها محسن تتردد في ذهنها. يوسف كان يحب زوجته بحب نقي ومجنون، حبًا جعلها تتساءل: هل كانت هي تعرف هذا النوع من الحب؟
تذكرت، بمرارة، كيف أحبت حبيبها السابق بنفس الجنون. كيف أعطته كل شيء، حتى تناست نفسها، فقط لتراه سعيدًا. ولكن بينما كان الفراق بين يوسف وزوجته بسبب الموت، كان فراقها هي بسبب الخيانة. خيانة نزعت من قلبها جذور الأمل، وكأنها اقتلعت الحياة منها بلا رحمة. لكنها تعلمت الدرس. لم تعد تُهدر مشاعرها إلا لمن يستحق.
حاولت أن تبعد ذكريات الماضي عن عقلها، حتى لا تدمع عيناها ندمًا على ما مضى. نظرت إلى الطريق من نافذة السيارة لتجد راحة مؤقتة في المشهد المتغير أمامها. سألت السائق بصوت هادئ:
- فاضل قد إيه يا عم أحمد؟
رد السائق بابتسامة خفيفة:
- نص ساعة يا آنسة مي، وهنكون وصلنا بإذن الله.
أومأت مي برأسها وعادت بعيونها إلى الطريق. رغم محاولتها تجاهل الماضي، وجدت نفسها تفكر في يوسف مرة أخرى. تساءلت: كيف يمكن لرجل فقد من أحب أن يواصل حياته؟ هل يتألم؟ هل يخشى الموت؟ أم أنه وجد في الوحدة عزاءً؟ بدا لها أنه سيكون شخصًا فريدًا، شخصًا يحمل في داخله حبًا لا وجود له في زمنٍ يركض خلف المصالح والمال.
قطع أفكارها صوت السائق وهو يناديها:
- آنسة مي.
انتبهت:
- أيوة؟
- وصلنا يا فندم. حضرتك اضربي الجرس، وسيدة هتفتحلك.
- شكرًا، عم أحمد.
رتبت مي الأوراق بجانبها، نزلت من السيارة، واعتدلت قبل أن تمشي بخطوات هادئة نحو باب الفيلا. ضغطت الجرس، وبعد لحظات، فتحت لها سيدة بابتسامة ترحيب دافئة.
- أهلًا يا آنسة، اتفضلي.
بخطوات ثابتة، دخلت مي الفيلا، تحمل في عينيها تساؤلات لا تنتهي.
اللقاء الأول
جلست مي على الأريكة في الصالون الواسع، يحيط بها أثاث فخم، وبعض الأنتيكات. صور زوجته وابنته لا تخلو من مكان. البيت منظم بشكل كبير. لفت نظرها مكتبة ضخمة تضم مجموعة كبيرة من الكتب. دققت بكل تفاصيل المنزل، لكنها شعرت أنه منزل ينقصه الحياة. المال لا يعطي السعادة، هكذا قالت لنفسها. صحيح أنه يوفر الراحة، لكنه بالفعل لا يعطي السعادة. حينما نفقد من نحب يصبح ذلك المال بلا قيمة، وسيلة يتمناها الفقير، ويعرف قيمتها الغني، وسيلة قد تقتل صاحبها بالملل.
دخلت سيدة لتقطع حبل أفكارها، لتضع أمامها كوبًا من العصير.
- اتفضلي.
مى تنتبه إليها:
- شكرًا، (تتحدث إليها في قلق) هو مستر يوسف هيتأخر؟
- لا، حالًا هينزل. (في تردد) ممكن أقولك على حاجة؟
- أكيد.
- لو اتعصب عليكي في الكلام، أو لا مؤاخذة لو قابلك وحش، ما تزعليش منه. ده ابن حلال وطيب والله.
- حاضر، عارفة من قبل ما أجى.
في تردد:
- اسمي سيدة. (تتوقف قليلاً) ممكن أقولك على حاجة تانية؟
مى تنتبه إليها:
- أكيد.
- عارفة إنك شبه الهانم الله يرحمها.
مى باستغراب:
- أنا؟
يقطع حديثهم صوت خطوات يوسف وهو ينزل السلم.
- استأذنك أنا.
تذهب سيدة مسرعة في اتجاه المطبخ.
يتجه يوسف مباشرة نحو مي وعلى وجهه علامات الجمود، وفي أثناء قدومه تنظر إليه مي نظرة مطولة. فهو وسيم، يبدو عليه الشباب، يحمل في عينيه الكثير من الحزن، لكنه يحاول أن يكون صامدًا أمام الآخرين. وفي تلك الأثناء، كان يوسف أيضًا يقوم بالنظر إليها، لكن عندما اقترب منها أكثر واكتشف أنها بها شبه بسيط من زوجته، حاول أن يتمالك نفسه. تقدم إليها وقدم يديه ليسلم عليها. تنهض وتمد يديها.
يوسف: أخبارك إيه؟ اتأخرت عليكي؟
مي: الحمد لله، لا يا فندم ولا اتأخرت ولا حاجة.
يوسف: واقفة ليه؟ اتفضلي.
مي (وهي تجلس): شكرًا لحضرتك. دي الأوراق اللي باعتها مستر محسن.
يجلس هو أيضًا ويأخذ منها الأوراق وينظر إليها.
يوسف: واضح إنك شخصية مميزة. محسن مش من النوع اللي بيثق بسهولة، خصوصًا في أوراق مهمة زي دي. شغالة معانا بقالك قد إيه؟
مي: أربع شهور يا فندم.
يختلس النظر إليها، ويحاول أن يمنع عينيه من ذلك، ولكن شيئًا بداخله يمنعه.
يوسف: تبقى فعلًا شاطرة. محسن دايمًا بيعرف يختار الناس اللي بتشتغل معاه، وعلشان كده أنا كمان بثق فيه.
مي: دي شهادة أعتز بيها جدًا، وأتمنى أكون قد الثقة.
الجريمة
في تلك الأثناء، كانت سيدة في المطبخ تجلس مع ابنها “وحيد”، شاب في منتصف العشرينات، غير مهندم، يتحدث بلسان ثقيل والسواد يملأ تحت عينيه. يبدو عليه العنف. يجلس ممسكًا بتفاحة وسكين، يقطعها ويأكلها. تحاول سيدة أن تتحدث إليه في هدوء.
سيدة: انت إيه اللي جابك هنا يا وحيد؟ مش أنا قولتلك متجليش هنا يا ابني؟
وحيد: طيب أروح لمين غيرك؟ إنتي أمي ومليش حد غيرك.
سيدة: تستنانى لما أرجع البيت. ده مكان أكل عيش يا ابني. أنا مش عارفة إنت دخلت إزاي.
وحيد: هو أنا هعجز يعني يا أما؟ يلا بقى انجزى وهاتي فلوس.
سيدة: يا ابني وأنا أجبلك منين؟ منتا مشطب عليا أول بأول.
وحيد (بحدة): معناته إيه الكلام ده؟ يعني إيه مشطب عليكي؟
سيدة: انزل يا ابني شوفلك شغلانة ولا اعمل أي حاجة بدل ما إنت عواطلي كده. اللي في سنك فاتحين بيوت.
وحيد (بغضب): هو أنا يعني كنت لقيت شغل ومشتغلتش؟ بقولك إيه والنبي يا أما متضيعش الاصطباحة. عايزة تفهميني إنك عايشة في النغنغة دي كلها، وأصحاب الهلومة دي مش بيراضوكي بحاجة؟
سيدة: يا ابني أنا مع الناس دي بقالى سنين، باخد مرتبي وحقى وزيادة. يلا يا وحيد ربنا يهديك. خد بعضك يا ابني وامشي، ولما أرجع هحاول أتصرف.
وحيد: لا دلوقتي يعني دلوقتي. (ينتبه إلى الإسورة في يدها). أقولك على حاجة؟ هاتي حتة الصيغة دي. هبيعها وهاخد فلوسها أدورها واشتغل بيهم.
سيدة: يا ابني دي آخر حاجة معايا. دي ستراني كل السنين دي. لما أموت مش هتلاقي حاجة غيرها تكفنني بيها.
وحيد (بسخرية): بلاش الكلام ده يا أما. مش ناقص وجع دماغ. خلي اللي يكفنك حد تاني. أنا عايز فلوس دلوقتي.
(يمد يديه ويمسك يد أمه محاولًا أخذ الإسورة بالقوة، لكنها تقاومه بشدة. تحاول ألا تخرج صوتًا، حتى لا ينتبه يوسف لها. لكن مع الشد والجذب، يغيب وحيد ولا يدرك ما يفعله، ثم يندفع بجنون ويطعن السكين في يدها. ينقطع وريدها فتسقط. يأخذ وحيد الإسورة، وينظر إليها بلا مبالاة.)
وحيد: ما كان من الأول بقى بدل الفرهدة دي. ابقى خليهم يودوكي المستشفى بقى.
(يخرج مسرعًا. تسقط سيدة على الأرض، فترتطم رأسها بحافة البوتاجاز، فتبدأ تنزف حتى الموت.)
في تلك الأثناء، كان يوسف ينظر إلى الأوراق حتى يسمع صوت ارتطام. ينتبه، ويقوم مسرعًا هو ومي متجهين نحو المطبخ. يقف يوسف للحظة عند الباب، وكأن قلبه يحذره مما سيراه. يدخل ليرى سيدة ممدة على الأرض، والدماء تحيط بها. يقف مذهولًا للحظات، بينما تقف مي خلفه، يدها تغطي فمها وعيناها تدمعان من هول المشهد.
يمسك يوسف هاتفه محاولًا الاتصال بالشرطة. يده ترتعش وهو يتحدث:
- ألو… لو سمحت، حصلت جريمة قتل في الفيلا.
التحقيق
يجلس يوسف على الأريكة وعلى وجهه آثار الصدمة، يحاول التماسك، وبجانبه تجلس مي منهارة، ويجلس محسن بجانبها محاولًا تهدئتها. أفراد الشرطة ينتشرون في المكان، ورجال البحث الجنائي يخرجون من اتجاه المطبخ باتجاه يوسف. يأتي الضابط إليه ويتحدث إلى يوسف ومي:
الضابط: كان في حد غيركم أثناء وقوع الحادث أو أي شهود غيركم؟
يوسف: لا يا فندم، إحنا كنا هنا في الصالة، بمضي أوراق للشركة.
الضابط (موجهًا حديثه لمي): وبعدين؟
مي: ولا حاجة يا فندم، سمعنا صوت خبطة من المطبخ، قمنا بسرعة ودخلنا لقينا المنظر ده، واتصلنا بالشرطة على طول.
الضابط: أكيد في كاميرات في الفيلا، ولا إيه يا أستاذ يوسف؟
محسن (مقاطعًا): أكيد يا فندم، وحضرتك ممكن تطلع عليها، موجودة في مكتب يوسف. (ينهض) اتفضل معايا.
يتجه محسن والضابط إلى غرفة المكتب، بينما يجلس يوسف في حالة ذهول، ولا يستطيع منع دموعه حزنًا على سيدة. تحاول مي التخفيف عليه:
- أنا عارفة إنها عزيزة على حضرتك، بس العياط مش هيرجعها. خفف على نفسك علشان تعرف تكمل اليوم ده لحد ما البوليس يعرف مين عمل كده وناخدلها حقها.
يوسف (ينظر إليها بعصبية): لا مش عارفة! إنتِ مش متخيلة أنا إحساسي إيه دلوقتي. آخر حاجة كانت باقيالي، الوحيدة اللي كانت مستحملاني الفترة اللي فاتت كلها. هي أصلًا اللي مربِّياني. دي غلاوتها من غلاوة أمي. هو أنا ليه بيحصل لي كده يا رب؟
مي (تمسك يديه في هدوء وتشد عليها بعطف): قضاء ربنا بيكون لطف بينا. ده ميعادها، وكلنا هنموت.
يوسف (ينظر إلى يديها ويسحب يديه): أرجوكي وفري كلام الإنشاء ده. أنا محتاج حد يواسيني.
مي (تشعر بالإحراج وتسحب يديها): حاضر. (تبتعد قليلًا وتعتدل في جلستها).
في تلك الأثناء، يجلس الضابط أمام شاشة الكاميرا ويقوم باسترجاعها، ليجد شخصًا يقفز من أعلى السور من ناحية باب المطبخ الخلفي. يوجه حديثه لمحسن:
- تعرف الشخص ده يا أستاذ محسن؟
محسن: بيتهيألي شوفته قبل كده، بس مش متذكر هو مين. أعتقد يوسف ممكن يعرفه.
الضابط يوجه حديثه إلى أحد العساكر:
- انده على أستاذ يوسف من برة. (لمحسن) أعتقد إن ده حل اللغز. ده تقريبًا نفس التوقيت اللي اتصل فيه يوسف بينا، وكمان لما تقرب الصورة شوية هتلاحظ إن فيه آثار دم على إيده وبنطلونه.
محسن: مظبوط سعادتك.
يدخل يوسف إلى المكتب مسرعًا ثم يتجه نحو الشاشة ويتحدث إليه الضابط:
- تعرف الشخص ده يا أستاذ يوسف؟
يوسف (ينظر بدقة ليرد في ذهول): أيوة يا فندم، ده وحيد ابنها.
محسن (يرد في صدمة): ابنها؟
يوسف: هو كان بيتردد عليك كتير، أو على المرحومة؟
محسن: آه، ساعات كتير كانت بتحكي لي إنه بيجيلها، وكان دايمًا عامل مشاكل معاها علشان الفلوس.
الضابط: تقدر تدينا عنوان ليه أو أي حاجة تقدر توصلنا ليه؟
يوسف: لا للأسف يا فندم. كل اللي أعرفه عن سيدة إنها عايشة في شبرا، لكن فين بالتحديد مش عارف يا فندم. (وكأنه تذكر شيئًا) ثواني يا فندم، أنا فاكر إنها كانت إدَّت لي ورق علشان أخلص لها حاجة في المعاشات لما زوجها توفى. أعتقد إن المحامي بتاعي معاه نسخة من بطاقتها وأكيد فيها العنوان.
الضابط: ده شيء كويس جدًا وهيسهَّل علينا كتير. أنا للأسف لازم أتحفظ على الهارد ده. طبعًا حضرتك لازم تيجي القسم علشان نقفل المحضر ده، وعلشان نبدأ في اتخاذ الإجراءات القانونية في ضبط وإحضار المتهم.
يوسف: من الصبح يا فندم هنكون عند حضرتك بدري. أعتقد نسيب يوسف والآنسة مي يرتاحوا. اليوم كان صعب عليهم.
الضابط: مفيش مشكلة. (يوجه حديثه لأحد رجاله) اتحفظ يا ابني على الهارد، واتأكد إن رجال البحث الجنائي خلصوا شغلهم.
يخرج الضابط ومعه العساكر، يتجه محسن إلى يوسف الذي يقف شارد الزهن محاولًا تهدئته:
- حاول تريح يا يوسف، قدامك بكرة يوم طويل تاني.
يوسف: أريح إزاي يا محسن؟ أنا شكلي مش مكتوب لي راحة. يقتلها ليه الكلب ده؟ وهي ليه ما قالتش إنها محتاجة فلوس؟ عمرها ما كنت هتأخر عنها.
محسن: سيدة طول عمرها نفسها عزيزة عليها وأنت عارف. عمرها يا يوسف… عمرها.
الهروب
منزل صديق وحيد – سطح المنزل
يجلس وحيد على ركنة بالأرض، وأمامه شيشة وبعض الأطباق بها مسليات. يشعل سيجارة ويخرج دخانًا كثيفًا من فمه. بجانبه يجلس صديقه “محمود” ممسكًا بالشيشة.
محمود (بقلق): بس ما قولتليش يا أبو الصحاب، جبت الفلوس دي منين؟
وحيد (في لا مبالاة): يا أسطى ميخصكش، هو بص ولا بحلقة.
محمود: خلاص يا عم متزقش، بس لو كانت مصلحة مخدتش أخوك معاك ليه؟ ده إحنا على الحلوة والمرة يا أبو الصحاب.
وحيد (بانتباه): منتا لو عرفت اللي أنا عملته مش هتقول كده.
محمود (منتبهًا): عملت إيه؟ أوعى ياض تكون عامل مصيبة وجاي تستخبى عندي! أنا مش ناقص، الدنيا ملبشة خلقة.
وحيد (متعصبًا): ولا متفوقناش بقى، خليك في حالك. (ينظر إلى الشيشة) شد، واكتم.
محمود: وماله مش عيب.
يدخل عليهم طفل صغير مسرعًا وهو ينهج من الجري.
الطفل: عم وحيد!
وحيد (مفزوعًا): في إيه ياض؟ مالك؟ حد عملك حاجة؟
الطفل: لا، بس الحكومة قالبة عليك الدنيا، وعمالين يسألوا عليك في كل حتة.
وحيد: الله يسامحك يا أما بلغتي عني؟
محمود (يوجه حديثه له): أمك؟ انت عملت إيه لأمك ياض؟ انطق!
وحيد: يا عم اتخانقت معاها وخدت منها الإسورة اللي في إيديها. بتبلغي عني عشان حتة صيغة يا أما؟
محمود: بقولك إيه، قوم اقلب من هنا. أنا مش ناقص مشاكل. (يوجه حديثه للطفل) وانت ياض، حد عارف إنك جاي هنا؟
الطفل: لا.
محمود: طب خلاص، اقلب من هنا واكفي على الخبر مجور. اخلع يالا ومتجبش سيرة لحد.
يسمع محمود صوت سيرينة الشرطة تقترب من المكان. ينهض لينظر من سور السطح، ويشاهد سيارة الشرطة تقترب منهم.
محمود: شكلهم عرفوا طريقك يا أبو الصحاب. اخلع يا عم!
(ينهض وحيد مسرعًا ويركض باتجاه سطح قريب ويقفز منه. يقوم محمود بلم الشيشة وإطفاء السجائر ويحاول أن يبدو المكان طبيعيًا.)
(أثناء صعود قوات الشرطة للسطح، يدخل الضابط ومعه القوات ويوجه حديثه إلى محمود.)
الضابط: فين وحيد؟ يالا انت!
محمود (في لا مبالاة): وحيد مين يا باشا؟
(يمسكه الضابط من تلابيبه): انت هتستعبط؟ انطق، فين وحيد؟
محمود: مشفتهوش يا باشا، ولا أعرف مكانه فين. السطح عندك اهو، فتش براحتك.
الضابط (موجهًا كلامه للجنود): فتشوا لي المكان. عارف أنا لو عرفت إن ليك علاقة بوحيد أنا هعمل فيك إيه؟
محمود: هو عمل إيه، لا مؤاخذة يا باشا؟
الضابط: سرق أمه وقتلها، عرفت عمل إيه؟
محمود (في ذهول): إيه؟ بتقول إيه يا باشا؟ والله يا باشا لو عرفت حاجة عنه لبلغت معاليك. ده إلا الأم. (في عقله) اللي يخربيتك يا بعيد.
منزل مي
منزل مي منزل بسيط، ينم عن حياة فوق المتوسطة. غرفتها منمقة ومنظمة، بسيطة التفاصيل، لا تخلو من أن تعطي إيحاءً بالراحة النفسية مع إضاءتها الخافتة، وبعض اللوحات والرسومات التي تضيف إليها البهجة.
تجلس مي على سريرها متكئة، يبدو عليها أنها تفكر بعمق. تفكر كيف أن حياة الإنسان متقلبة، متغيرة، لا تخلو من الأحداث في كل دقيقة تمر. المواقف تستطيع أن تخبرنا عن دوافع لا ندركها. كيف تغير يومها بهذه السرعة، من الهدوء إلى الجنون، من الرهبة إلى التعاطف مع الآخرين. كيف تعاطفت بسرعة مع يوسف، وكيف أن الوقت لا يمهل الإنسان القدرة على اتخاذ القرار.
كيف لنا أن نتغلب على المشاعر التي تؤرقنا وتؤذينا، وتجعلنا ننساق إلى ماضٍ بدون حاضر، وبدون اختيارات؟ وحينما نحاول العودة منها، تظل عالقة في أذهاننا بدون رحمة. نخطئ حينما نحاول الاستسلام لها، وكأننا تعلقنا بقيود منيعة من الأفكار.
ظلت تفكر في يوسف، بعد أن شاهدت ذلك الوجه الشاحب بعد فقدان سيدة. أدركت أنه كان يعتبرها الملاذ الأخير، حضنًا دافئًا يستطيع أن يبوح لها بما يألمه. فقدانه لزوجته التي شاهدت تفاصيل حياتها، والتي انعكست على هدوء منزله المنمق، بروح كلاسيكية. بالطبع، كل ركن من أركان المنزل يستطيع بالضرورة أن يذكره بها. كيف له أن يستطيع البقاء وحيدًا في ظل كل هذه الذكريات المؤلمة؟
“مسكين ذلك الرجل.”
قطع تفكيرها صوت باب غرفتها، وأمها تدخل إليها، حاملة في يديها صينية بها بعض الطعام، وكوب من النسكافيه. اتجهت الأم وجلست بجانبها، واضعة الصينية بجانب مي.
الأم (في لطف):
- كنت متأكدة أنك ما نمتيش. عارفاكي.
مي (تتحدث بحزن):
- أنام إزاي بس يا ماما؟ أصلك مشوفتيش حاجة. منظر الست وهي على الأرض كان بشع. إزاي في شخص يقدر يعمل كده؟
الأم (محاولة أن تخفف عنها):
- يا حبيبتي، القدر مش بيادينا. ربنا بيسبب الأسباب. ابنها كان مجرد سبب، وأنا عارفة ومتأكدة إنه هياخد عقابه، زي ما يستحق. ربك يمهل ولا يهمل. المهم إنتي، مينفعش تفضلي معلقة تفكيرك بالموضوع ده. كتر التفكير هيسببلك مشاكل. لازم تتعلمي إن كل موقف في حياتك بيعدي، ولازم يعدي.
مي:
- أنا بحاول يا ماما، بس مش قادرة. وبعدين، فعلاً، يوسف صعبان عليا جدًا. انتي مشوفتيش حالته كانت عاملة إزاي.
الأم:
- يوسف في اختبار يا مي. كل إنسان لازم يكون عنده ابتلاء. بيختلف نوع الابتلاء من شخص للتاني، لكن لازم ياخد قدره من الابتلاء. وبعدين، أول مرة من فترة طويلة أشوفك شاغلة نفسك بحد.
مي (تنتبه):
- قصدك إيه يا ماما؟
الأم:
- لا، أبدًا مقصدش. يلا كلي لقمة. مينفعش تسيبي نفسك كده. وبعدين، عملتلك النسكافيه اللي بتحبيه. يلا يا حبيبتي.
(تقوم وتحضنها.)
مي (في عطف):
- حاضر يا ماما.
منزل يوسف
يوسف يجلس في الصالة شارد الزهن، يشعر بغصة في حلقه، لا يستطيع التنفس. ينظر باتجاه المطبخ تارة، وإلى حمام السباحة تارة أخرى. يحاول جاهدًا أن يتماسك وأن لا يبكي. ينظر إلى صورة زوجته وابنته المعلقة أمامه، وكأنه يتحدث إليها، معاتبًا نفسه: كيف تركها في ذلك اليوم، حينما طلبت منه المجيء معها إلى حفلة ابنتها؟
لا يستطيع أن يمنع نفسه من الشعور بالذنب، حينما قال لها إنه لا يستطيع لأن لديه اجتماعًا طارئًا في العمل. هل يمكن للعمل أن يمنع الإنسان من التمتع بأجمل لحظات تجمعه مع عائلته؟ وكيف لا؟ فإذا كان يريد أن يحقق لهم الراحة، يجب أن يعمل.
يعود ليعاتب نفسه مرة أخرى: لكنه كان يستطيع تأجيل ذلك الاجتماع. يتذكر تلك المكالمة التي أخبرته بحادث زوجته وابنته. يتذكر كيف أنه ظل ممسكًا بالهاتف، لا يستطيع التفكير أو تصديق ما سمع. قام مسرعًا متجهًا إلى المستشفى، ليجد زوجته وابنته كل منهما على سرير، يحاول الأطباء إنعاشهم.
يرى وجه ابنته الملائكي وهو مليء بالخدوش والجروح. يشاهد زوجته وقد تلطخت بالدماء، وانطفأت أمام عينيه. انطلق صوت الأجهزة ليعلن فراق زوجته له، وبعدها بقليل، صوت أجهزة ابنته. كم كره ذلك الصوت المشؤوم!
سقط أرضًا لا تستطيع أن تحمله قدماه. انهار ذلك الرجل القوي، انهار أمام الحب. تهاوت كل سماته في لحظة. أدرك بعدها أنه لا يمكن لأي رجل، مهما كانت قوته، أن يتحمل ذلك الضعف أمام من يحب.
في صمت، استعاد هدوء تفكيره، ونظر إلى صورتها مرة أخرى، محاولًا أن يتحدث إليها بعينيه فقط، وكأنه يقول لها: “سامحيني.”
ثم تذكر فجأة مي. ذلك التقارب بينها وبين زوجته غريب، غريب لدرجة أنه كان يعتقد أنه يجلس أمامها. للحظة، كان سيمسك يديها ليعبر لها عن حبه. كيف سمح لنفسه بذلك التفكير؟ صحيح أنه لا يحب مي، لكنه شاهد زوجته أمامه.
لم يوقفه إلا صوت وقوع سيدة على الأرض. يتذكر كيف هي هادئة ومريحة. كيف أنه يشتم رائحة عطر حبيبته فيها. يحاول أن يمنع نفسه من التفكير فيها، ولكنه بدون إرادة. أمسك هاتفه، وقام بالاتصال بها.
يوسف:
- الو… طمنيني عليكِ. منمتِيش صح؟
صباح يوم جديد : شركة يوسف
يجلس محسن على مكتبه، وأمامه تجلس “شريفة”، وهي على علاقة مع محسن. شريفة متوسطة الجمال، ولكن يبدو عليها الخبث والطمع. تتقرب إليه دائمًا من أجل الحصول على المال. يصرف عليها محسن ببذخ في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يقوم بإذلالها. يستمتع بما يفعله بها، ويشعر دائمًا بالانتصار لملذاته حينما ترضخ له.
يقف في المقابل أحد الموظفين، ويقوم محسن بتوبيخه ليظهر لها قوته في إدارة الشركة.
محسن (بغضب):
- الكلام ده لو حصل منك تاني، أنا هفصلك من الشركة. فاهم؟
الموظف (بتردد):
- يا فندم، فعلاً اللي حصل مكنش بايدي. حد دخل على الكمبيوتر يا فندم وسحب الملفات اللي فيه كلها. والمشكلة إن الفلاشة كانت مفيّرسة، وده تسبب إن الأجهزة كلها اللي على الشبكة يبقى فيها مشكلة.
محسن (باستياء):
- وانت وظيفتك هنا إيه يا أستاذ؟ لما انت المتخصص بتقولي أنا كدة، المفروض أعمل لك إيه؟
الموظف (بهدوء):
- أنا فعلاً حليت المشكلة يا فندم. دلوقتي احنا لازم نعرف مين اللي له أكسس إنه يدخل على الأجهزة. المرة دي ربنا ستر، وأنا هغير النظام الأمني للأجهزة كلها، لحد ما مستر يوسف يرجع، علشان أخلي مسئوليتي قدامه.
محسن (بحزم):
- اتفضل يا أستاذ، ومخصوملك نص شهر.
(يخرج الموظف ويبدو عليه ملامح الغضب. ينظر محسن إلى شريفة ويتحدث إليها في تساؤل.)
محسن:
- تفتكري مين يا شريفة معاه أكسس على الأجهزة بتاعت الشركة؟
شريفة (تتحدث إليه بدلع):
- تفتكر مين يا مومو؟
محسن (في حزم):
- أنا وإنتي يا حبيبتي عارفين كويس مين. عملتي كدة ليه؟
شريفة (بتلاعب):
- علشان مصلحتك يا حبيبي. أنا سحبتلك كل ملفات الشركة المالية، والتعاقدات، والتوريدات. انت لازم تبقى فاهم كل حاجة كويس جدًا، علشان محدش يلعب بينا. ولا إيه يا مومو؟
محسن (في حزم):
- مش احنا اتفقنا إنك متعمليش حاجة من غير ما ترجعيلي؟ انتي بقيتي بتتصرفي تصرفات هتخليني أزعل منك. وأنا لو زعلت منك، انتي عارفة إيه اللي هيحصلك؟
شريفة (بتحدي):
- ده تهديد يا محسن؟
محسن (بثقة):
- آه، تهديد يا شريفة. واضح إني أديتلك صلاحيات أكتر ما تستحقي. الفلاشة تكون عندي النهاردة، ولو عرفت إن في أي نسخة تانية برة، عقابي هيكون شديد.
شريفة (بتذلل):
- ماشي يا محسن، حاضر. هتجيلي تاخدها، ولا ابقى أجيبها لك معايا؟ أصلاً بصراحة أنا النهاردة فاضية ومعنديش حد. فبراحتك يعني.
محسن (في ضعف):
- هنبقى نشوف الموضوع ده بليل.
(يرن هاتفه.)
محسن:
- ده يوسف. استنى. الو، أيوة يا يوسف. لا، تمام يا حبيبي، الشغل ماشي زي الفل. لا، أبدًا، دي كانت مشكلة كدة في الأجهزة وحلَّيناها. لا يا حبيبي، هعرف أكيد مين اللي عمل كدة، وهيتعاقب أكيد. المهم، طمني عليك. طيب، خد بالك من نفسك.
(يغلق الهاتف ويتحدث إلى شريفة.)
محسن:
- الزفت ده كلمه وبلغه باللي حصل.
شريفة (في لا مبالاة):
- ما يبلغه محدش ماسك علينا حاجة. واللي يعرف يثبت، يثبت.
محسن:
- طيب، يالا انتي روحي على شغلك. طولتي قوي هنا، وأنا مش عايز الموظفين ياخدوا بالهم من حاجة. هبقى أكلمك بليل زي ما اتفقنا.
جنازة سيدة
يجتمع مجموعة كبيرة من الأشخاص، يحملون جثمان “سيدة” ويتجهون ناحية المقابر. “وحيد” بين الجموع متخفيًا، يرتدي نظارة سوداء وقبعة تخفي ملامحه. يقف الجمع أمام المقبرة، ويقومون بإدخال الجثمان. يقف وحيدًا متوارياً عن الأنظار، يبكي بحرقة. لا يستطيع تصديق أنه فعل ذلك بأمه. ضميره يأنبه، وهو لا يستطيع حتى أن ينزل معها في مثواها الأخير.
يفكر أن يقترب أكثر، ولكنه يشاهد بعضًا من رجال الشرطة بالقرب من المقبرة. يغلقون المقبرة، ويقف الشيخ ليقرأ بعض الآيات. بدأ الناس بالمغادرة شيئًا فشيئًا، حتى خلا المكان. وتأكد وحيد أنه لا يوجد أحد من رجال الشرطة.
ذهب إلى مقبرة أمه بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تذكره بذنبه. جلس على ركبتيه، وبدأ يقرأ الفاتحة بصوت خافت، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد. ثم بدأ يتحدث إليها، وصوته يرتجف من شدة البكاء:
وحيد (نادمًا):
- سامحيني يا أمي، والله مقصدتش أعمل فيكي كدة. أنا بس كنت محتاج الفلوس. الله يلعن أبو الفلوس اللي خلتيني أعمل فيكي كدة. مبقاش ليا حد بعدك.أنا عارف إني تعبتك، وعارف إني مش الابن اللي كنتي بتتمنيه. بس قوليلي كنت أعمل إيه؟ أنا من ساعة ما أبويا مات وأنا لوحدي، مليش حد. وأنتي طول الوقت برة في شغلك. عارف إنك كنتي بتشتغلي علشان نعرف نعيش، بس أنا محدش رباني. محدش قاللي الصح من الغلط.حتى أنتي سبتيني أعمل فيكي كل حاجة غلط من غير ما تعتبيني. عمرك في مرة ما ضربتيني ولا قولتيلي ميصحش كدة. خدت إني أطلب وإني تقولي حاضر. أنا مش بجيب الذنب عليكي، علشان الوقت فات. أنا بس طالب منك تسامحيني. أنا مستعد للعقاب يا أمي، بس تسامحيني. وحياة غلاوتي عندك، تسامحيني.
منزل مي
يقف يوسف أمام باب منزل مي، يبدو عليه التردد. ثم يتخذ القرار ويضغط على زر الجرس. تقوم والدتها بفتح باب المنزل، تقف أمامه متسائلة. يبادر يوسف بالحديث:
يوسف:
- مش ده منزل الآنسة مي؟
والدة مي:
- أيوة يا ابني، خير.
يوسف:
- أنا يوسف، صاحب الشركة اللي مي بتشتغل فيها.
والدة مي (ترحب به):
- آه، أهلاً وسهلاً بحضرتك. اتفضل.
يوسف:
- هي موجودة؟
والدة مي:
- أيوة يا ابني، اتفضل. ثواني هندهالك. اعذرني، البيت مكركب شوية ، من إمبارح مخرجتش من أوضتها.
يوسف:
- ولا يهمك حضرتك. بس هي كويسة؟
والدة مي:
- أيوة يا ابني، تمام. اتفضل ثواني وهجبهالك.
(تذهب الأم في اتجاه غرفة مي، ويجلس يوسف على الأريكة. يشاهد تفاصيل المنزل،المنزل كان مليئًا برائحة البخور الخفيفة، وكأنه يعكس هدوءًا داخليًا. الألوان الدافئة على الجدران والأثاث الخشبي القديم أعطت إحساسًا بالدفء والراحة.” يدرك أنها تعيش بمفردها مع والدتها. البيت لا يخلو من بعض التفاصيل الصغيرة، لكنها مريحة. الجدران معلق عليها صور قديمة لرجل، يدرك أنه والدها، وبعض الصور الأخرى للعائلة معًا. لكنه يركز مع صورة لمي معلقة، يظل ينظر إليها حتى إنه أطال النظر، ولم يقطعه إلا صوت الأم وهي تحدثه.)
والدة مي:
- الصورة دي كانت لما كانت لسة في الجامعة.
يوسف (مرتبكًا):
- آه، جميلة. ربنا يخليها ليكي.
والدة مي:
- تحب تشرب إيه يا ابني؟ ولا أقولك تتغدى معانا النهاردة؟ أنا بطبخ كويس جدًا، ومتأكدة إن الأكل هيعجبك.
يوسف:
- لا يا فندم، أنا مش عايز أتعب حضرتك. أنا جاي عايز الآنسة مي في كلمتين وأمشي على طول.
والدة مي:
- تعب إيه يا ابني؟ وبعدين أنا مش هعمل حاجة مخصوص. أنا كدة كدة بعمل الأكل. بص، هجبلك كوباية شاي لحد ما تخلصوا كلام. هي ثواني وطالعة.
(تنهض الأم من مكانها، وتتجه إلى المطبخ. وتأتي مي، يشاهدها وهي ترتدي ترنجًا منزليًا محتشماً. لكنه شعر أنه يشاهد زوجته وهي قادمة إليه. حاول أن يتمالك أعصابه وهي قادمة باتجاهه، وتقدم يديها إليه.)
مي:
- إزيك يا مستر يوسف؟ أخبار حضرتك إيه؟ مكنتش متوقعة إن حضرتك تجيلي البيت. أصلاً حضرتك عرفت عنوان البيت منين؟
يوسف (مرتبكًا):
- أكيد، يعني من أوراق تعيينك في الشركة. اتصلت بيهم واخدت العنوان. حبيت أطمن عليكي بعد اللي حصل. كان يوم متعب.
مي:
- الصراحة أيوة. ماما قالتلي إن حضرتك محتاج تتكلم معايا.
يوسف:
- بصي، أنا مش هطول عليكي. النهاردة حصل حاجة غريبة في الشركة.
مي (تنتبه إليه):
- خير، حصل إيه؟
يوسف:
- حد دخل واخترق الأجهزة وسحب بيانات. البيانات دي مهمة جدًا، لأن فيها كل حركات الشركة المالية، أسماء العملاء، مدفوعاتهم. يعني من الآخر، هو خد الشركة في جيبه. صحيح إن فريق الكمبيوتر عندنا كان عنده باك أب لكل حاجة. لكن اللي لهم صلاحية للأجهزة دي في الشركة، أو الدخول على بياناتها، هما اتنين: أنا ومحسن وبس.
مي:
- وده معناه إيه يا مستر يوسف؟
يوسف:
- معناه واضح. يا إما محسن بيحاول ياخد البيانات دي لسبب ما أنا مش عارفه، ولو سألته هينكر أو هيتهمني إني بشكك فيه. أو إنه أدى البيانات دي لحد، أو إنها اتسرقت منه، وده صعب.
مي:
- وأنا المطلوب مني إيه؟
يوسف:
- بصي، صحيح إن معرفتي بيكي قليلة جدًا، لكن معرفش ليه أنا واثق فيكي. أنا طالب منك إنك تكوني عيني في الشركة، أو تحاولي بذكائك إنك تعرفي إيه اللي بيحصل.
مي:
- طيب، وحضرتك ليه ما تروحش الشركة وتشوف اللي بيحصل بنفسك؟
يوسف:
- لا، أنا نفسيًا غير مؤهل للشركة دلوقتي خالص. ثانيًا، ظهوري هيعمل ارتباك للي بيحاول يعمل كدة. لكن المهندس ده هيساعدك. ده اسمه ورقمه. هو أكتر حد أنا بثق فيه هناك.
(يخرج ورقة ويقوم بإعطائها لمي.)
يوسف:
- على فكرة، من حقك ترفضي طبعًا. لكن إحساسي بيقولي إنك هتوافقي.
(تدخل الأم وفي يديها صينية بها شاي، وتضعها أمام يوسف على المنضدة.)
والدة مي:
- اتفضل يا ابني.
يوسف:
- شكرًا حضرتك، تعبتي نفسك والله.
والدة مي:
- ولا تعب ولا حاجة. أنا هدخل أكمل الأكل. (موجهة كلامها إلى مي) أستاذ يوسف هيتغدى معانا النهاردة يا مي، وده آخر كلام عندي.
(يبتسم يوسف في هدوء وينظر إلى مي كأنه يرجوها.)
يوسف:
- ها، قولتي إيه؟
منزل شريفة
تقف شريفة أمام كونتر المطبخ، تجهز الطعام. منزل شريفة يبدو متوسطًا لكنه شيك، غير منظم. تتحدث من خلال سماعات الأذن وهي تقوم بتقطيع بعض الخضروات، تتحدث إلى شخص ما:
شريفة:
- أنا مش فاهمة انت قلقان من إيه. بقولك كل حاجة معايا على الفلاشة. صحيح هيجي ياخدها النهاردة، لكن كدة كدة أنا عاملة نسخة منها.
- لا، ما تقلقش منه. أنا بعرف أجبيه إزاي. هو فاهم إنه مسيطر عليَّ تمامًا، وأنا بصراحة عجباني اللعبة دي. طول ما بياخد اللي هو عايزه، وطول ما أنا باخد اللي أنا عايزاه. خلاص، مفيش مانع أفضَّل معيشه وهم إنه مسيطر عليَّ، وإنه مشتريني زي أي حاجة بيحب يشتريها.
شريفة:
- بقولك إيه؟ فكك. مصلحتي في الموضوع ده زي ما وعدتني. المبلغ كامل، وهتسفرني. انت عارف إني مضحية بإيه علشان أوصل للملفات دي. خد بالك، أنا مش سهلة. ومدام بنلعب على المكشوف، يبقى زي ما خدمتك متخلفش معايا. علشان ورحمة أمي، ما هرحمك.
(تغلق الهاتف وتضع السماعات جانبًا، وتتحدث إلى نفسها.)
شريفة:
- كل واحد فيهم عامل أبو العريف. محدش فيهم فاهم إني هعمل اللي أنا عايزه غصب عنهم. كفاية فقر وهم بقى.
منزل مي
يجلس يوسف ومي ووالدة مي على طاولة الطعام، وأمامهم الطعام. يأكل يوسف ببطء، ولديه إحساس داخلي بفقدان تلك المشاعر. منذ زمن طويل لم يجلس مع أي شخص وهو يأكل. ولكن يغلب هذا الشعور إحساس بالدفء. يتجنب النظر إلى مي، لكنه يختلس بعض النظرات من حين إلى آخر. والدتها تشعر بذلك، ولكنها تتجنب إحراجه.
ينتهي يوسف من تناول الطعام، وينهض وهو يتحدث إلى والدتها:
يوسف:
- تسلم إيدين حضرتك. بجد الأكل تحفة.
والدة مي (بعطف):
- هو انت كل حاجة يا ابني؟ طبقك زي ما هو.
يوسف:
- والله الأكل تحفة. بجد أنا بقالي فترة طويلة مكلتش كدة.
والدة مي (موجهة كلامها إلى مي):
- ما تشوفيه يا بنتي؟ لو مكسوف مني.
مي (تنظر إليه):
- حضرتك مكلتش حاجة فعلاً.
يوسف (في عطف):
- ما بلاش حضرتك دي. مدام كالنا عيش وملح في بيتكم، أنا اسمي يوسف بس. الحمام منين؟
مي (تشير إليه باتجاه الحمام، ويبدو على وجهها الخجل):
- من هنا.
(تنظر إلى أمها، ثم تنظر إلى طبقها محاولة أن تداري احمرار وجهها. تتدارك الأم الموقف، وتنهض وهي تتحدث إليها.)
والدة مي:
- أنا هقوم بقى، أدخل الحاجات دي وأعملكم شاي علشان تكملوا كلامكم.
(تذهب الأم وهي تحمل بعض الأطباق في اتجاه المطبخ. في طريق عودة يوسف، يذهب يوسف ليجذب الكرسي بجانب مي، ثم يتحدث إليها.)
يوسف:
- ها يا مي، قررتي؟ وافقتي ولا لاء؟
مي:
- بص يا مستر يوسف، أنا أكيد أكيد مش هقدر أرفض مساعدة حضرتك. كل اللي طلباه إنه ميكونش فيه مشاكل بالنسبالي. حضرتك شايف إحنا عايشين لوحدنا، وملناش حد. فلو الموضوع هيكون من غير مشاكل بالنسبالي أنا وأمي، فأنا موافقة أساعد حضرتك.
يوسف:
- أولاً، قولتلك خلاص مفيش مستر أو حضرتك. أنا يوسف، وهسمح لنفسي أقولك يا مي. ثانيًا، أوعدك إنه مش هيكون في أي مشكلة بالنسبالك. ثالثًا، وده الأهم، متقوليش ملكوش حد. من النهاردة تعتبري إن ليكي ضهر تقدر تتسندي عليه في أي وقت. شوفي تقولي “يا يوسف” عادي. جربي كدة.
(تشعر مي بالخجل وتحاول الهروب بوجهها.)
مي:
- حاضر يا…
يوسف:
- يا إيه؟
مي:
- حاضر يا يوسف.
مكتب صبري
يجلس صبري أمام مكتبه. المكتب منظم بشكل كبير، ويبدو عليه الثراء الفاحش. نرى ذلك من خلال الديكور الباهر، والتماثيل والتحف الفنية التي تملأ أركان المكتب. الإضاءة خافتة. صبري يمسك سيجارًا في يديه، يشعله في هدوء، ثم يضع الولاعة أمامه على المكتب. ينفخ براحة كبيرة، ثم يسند ظهره على كرسيه، وكأنه يشعر بنشوة الانتصار.
تقوم إسراء بالطرق على باب المكتب وتدخل، وهي تحمل في يديها بعض الأوراق والملفات، اسراء فتاة ثلاثينية، فائقة الجمال، مهندمة، يفوح منها عطر قوى، ملامحها تدل على الطيبة، وغالبا ما يبدو عليها التوتر
. تضع الملفات أمامه على المكتب، ثم تذهب لتقف بجانبه. وهو ينظر إليها بإعجاب شديد، يقوم بمسك يديها ويتحدث إليها:
صبري:
- ها، الموظفين كلهم مشوا؟
إسراء:
- أيوة، كلهم. فاضل بس موظفين البوفيه، وهيمشوا دلوقتي. بس مالك؟ شكلك مبسوط على الآخر.
صبري:
- النهاردة بس يا إسراء، هحقق أكبر انتصاراتي على يوسف.
إسراء (يبدو عليها الاستغراب الشديد):
- يوسف؟ قصدك يوسف الدهبي؟
صبري:
- أيوة، هو يا إسراء. بعد السنين دي كلها، هعرف آخذ حقي منه. وهضربه ضربة هتوجعه بجد. لا، دي ممكن تكون آخر ضربة ليه.
إسراء (يبدو عليها التوتر، لكنها تحاول أن تتمالك نفسها):
- ده إزاي بقي؟ ناوي تعمل إيه؟
صبري:
- لا، مش وقت حكاوي. هقولك كل حاجة في وقتها. خلينا في المهم. هتعملي إيه بعد الشغل؟
إسراء (بلا مبالاة):
- ولا حاجة، زي ما تحب.
صبري:
- روحي. أنا عندي مشوار مهم جدًا. ممكن تقولي ده أهم مشوار في حياتي.
إسراء:
- تمام، أوكي. بس قبل ما أمشي، أبقى امضي الأوراق دي علشان الصبح الشغل ما يعطلش. وأنت بتيجي براحتك قوي.
صبري (يتنهد ثم يأخذ نفسًا من السيجار):
- لا، الفترة اللي جاية هتلاقيني هنا بدري. وبدرى قوي كمان.
إسراء (تنظر إليه باستغراب شديد، ثم تتجه نحو الباب، ولكن يغلبها التوتر والفضول):
- انت مش عايز تريحني طيب، وتقولي ناوي على إيه؟
صبري (بنرفزة):
- جري إيه يا إسراء؟ قولتلك هبقى أحكيلك كل حاجة في وقتها. اتفضلي.
(تخرج إسراء ثم تغلق الباب خلفها. يعتدل صبري في جلسته، ثم ينظر إلى الأوراق أمامه.)
سيارة إسراء
تقود إسراء سيارتها في هدوء شديد، يبدو عليها التوتر. تتذكر تلك الليلة، تلك الليلة التي تخلت فيها عن حب حياتها من أجل أحلام ذائبة. اعتقدت أنها يمكنها أن تتحرر من كل القيود التي كانت تحيط بها. كانت فتاة تحب الانطلاق، طموحة ولديها شغف للحياة. لم تكن تعلم أن الجميع كان يرغب بها لجمالها الشديد.
لم تنسَ أنها تخلت عن حبها ليوسف ولم تحارب من أجله. استسلمت لكون يوسف يحب زوجته حبًا لا يوصف. لم يكن ليتركها. ثم تذكرت حال يوسف في تلك الأيام: شاب يكافح ويجتهد، ولكن كانت الحياة ضده. لم يصل إلى ما هو عليه من فراغ. ربما اعتقدت أن المال سيسبب لها السعادة. رضخت لصبري في أن تعمل معه. لم تكن تعلم أنه كان يستغلها فقط لأنها تحب يوسف.
أي شيء يحبه يوسف هو بالنسبة لصبري غنيمة. عداء قديم استمر لسنوات طويلة. برغم أن صبري أكثر ثراءً وقوة من يوسف، إلا أنه يكن له ضغينة وغيرة مستمرة. كل ذلك كان لأنه كان يحب زوجة يوسف. برغم أنهم كانوا أصدقاء بالماضي، لكنها اختارت يوسف. استطاعت أن تكسب قلبه وعقله معًا. وللصراحة، كانت تستحق. كانت تبدو كالملاك: رقيقة وحنونة، تشعر معها بالأمان.
انتبهت لصوت الهاتف وهو يرن. نظرت إليه في صمت، ثم فتحت نافذة السيارة. شعرت وكأنها تختنق، وأنها تريد استنشاق بعض الهواء. رن الهاتف مرة أخرى. أمسكته في لا مبالاة.
إسراء:
- أيوة يا بابا، لا خلاص أنا في الطريق.
(تضع الهاتف بجانها وتعتدل في جلستها في هدوء. تقود وهي تترقب الأضواء واللافتات في الطريق. تشعر وكأنها تسير بلا معنى، أو بلا هدف. تتخبط الأفكار في رأسها. تريد معرفة نوايا صبري، ولكن كان سؤالها الأهم: هل ستقف مكتوفة الأيدي، وهي تشاهد صبري يحاول إيذاء يوسف؟ هل تستسلم لذلك، أم أنه يتوجب عليها فعل شيء؟)
منزل شريفة
تجلس شريفة ممتدة على أريكتها وهي تشعل سيجارة، وتشاهد التلفاز. ترتدي بيجامة منزلية، وأمامها على المنضدة بعض المسليات. يرن جرس الباب، فتنهض من مكانها وتتجه نحو الباب، وتقوم بفتحه لتجد صبري أمامها. تنظر إليه في لا مبالاة، ثم تتجه للداخل. يدخل خلفها ويغلق الباب، ويتحدث إليها وكأنه يحاول تلطيف الأجواء معها.
صبري:
- إيه المقابلة دي؟
شريفة:
- هو انت جاي علشاني مثلاً؟ انت جاي علشان مصلحتك. جاي علشان الفلاشة.
صبري:
- وماله؟ كل واحد فينا بيدور على مصلحته. أنا هاخد الفلاشة، وإنتي هتاخدي فلوسك، ويبقى الكل مبسوط. ولا مش هتبقي مبسوطة؟
شريفة:
- لا إزاي؟ أكيد هبقي مبسوطة. هي الفلوس عمرها تزعل يا صبري بيه.
صبري:
- صبري بيه حتة واحدة. لا، ده إنتي شكلك قافشة على الآخر. عموما يا ستي.
(يخرج شيكًا من جيبه ويقوم بإعطائه لشريفة.)
صبري:
- ده الشيك بتاعك بالرقم اللي إنتي قولتيه.
(تمسك شريفة الشيك بيديها، تنظر إليه ثم تبتسم.)
شريفة:
- تمام. بس خد بالك، مقدمناش وقت كتير. محسن جاي هو كمان علشان ياخد الفلاشة.
صبري (باستغراب):
- محسن؟ وهو انتي هتدّي الفلاشة لمحسن ليه أصلاً؟ وهو محسن محتاج الفلاشة في إيه؟ ما هو معاه أكسس على كل حاجة.
(تخرج شريفة الفلاشة من حقيبتها وتعطيها لصبري.)
شريفة:
- محسن عرف اللي أنا عملته، وهدّنني إنى متصرفش في الفلاشة. وكمان قال لي لو عرف إنها راحت كدة أو كدة، إني هزعل قوي.
صبري:
- طيب، وبعدين؟
شريفة:
- ولا قبلين. أنا خلاص قررت أسافر. هصرف الشيك، وأسافر.
صبري:
- هتروحي فين؟
شريفة:
- لا، دي لسة محددتهاش. المهم، امشي انت بقي علشان ميطبش علينا، وتبقى مشكلة كبيرة ليا وليك.
صبري:
- ما يطب. هو انتي فكراني بخاف ولا إيه؟ أنا لو مشيت همشي بس علشان إنتي متتأذيش. مع إنه يعز عليا فراقك.
(يحاول الاقتراب منها، فتبتعد عنه.)
شريفة:
- سيبك من الكلام ده. مبقاش يجيب معايا خلاص يا حبيبي. المصلحة اللي بينا انتهت لحد هنا.
(يضع صبري الفلاشة في جيبه، ثم ينظر إليها.)
صبري:
- وماله؟ تمام.
(يتجه نحو باب الشقة.)
صبري:
- لو احتجتي حاجة، تليفوني معاكي. سلام.
تنظر اليه في لا مبالاة، وتتابعه بنظرها حتى يخرج ويغلق الباب خلفه، تمسك الشيك بيديها وتنظر اليه، وهي تشعر نشوة الانتصار.
لحظة خاطفة
يخرج صبري من منزل شريفة ويبدو عليه الفرح الشديد وهو ممسك بالفلاشة في يديه. يرن هاتفه، فيقوم بإخراجه. في تلك الأثناء، يكون محسن متجهاً بسيارته إلى منزل شريفة، ويبحث عن مكان لركن سيارته. لكنه يلمح صبري، لم يكن متأكدًا منه، لكن شعور بداخله كان يؤكد أنه هو. قام محسن بركن سيارته وهو يترقب بعينيه سيارة صبري. كان الضوء خافتًا فلم يستطع التأكد من السيارة، لكنه لم يعطِ لذلك اهتمامًا كبيرًا، فقد تحرك صبري بالفعل بسيارته مسرعًا. نزل من سيارته واتجه إلى منزل شريفة، لكن الشك بداخله بدأ.
سطح صديق وحيد
يجلس صديق وحيد على الركنة بالأرض، وهو يشعل سيجارة، وبجانبه مسجل صغير يسمع من خلاله إحدى أغاني المهرجانات ويردد معها. يكون في حالة اندماج تام، حتى يسمع صوت شيء يسقط، فيلتفت جانبه ليستمع إلى مصدر الصوت، لكنه لم يجد شيئًا. يقوم بخفض صوت المسجل ويحاول التركيز، إلى أن يرى شخصًا قادمًا نحوه وهو ملثم. ينتفض من مكانه ويضع يده في جيبه الخلفي ليخرج سلاحًا، لكن يباغته الشخص، ليتحدث معه ويتفاجأ أنه وحيد.
صديق وحيد:
“إيه يالا في إيه؟ مالك اتنفضت كدة ليه؟ شوفت عفريت؟”
وحيد:
“يا عم الله يخرب بيتك قطعتلي الخلف، بتقتل أمك يا وحيد، أمك! يا عم احنا نتشاقى، نتشقلب، سيجارتين، لكن أمك يا وحيد.”
وحيد:
“أقسم بالله يا صحبي مكان قصدي، ربنا العالم، أنا من ساعتها عامل إزاي؟”
صديق وحيد:
“عامل إزاي يا خويا؟ منته زي القرد، إيه اللي جابك هنا؟ إحنا خلاص مينفعش نبقى أصحاب تاني. الحكومة قلبت عليك الدنيا، والحارة مرشقة مخبرين. مش عارف إزاي وصلت لحد هنا أصلاً.”
وحيد:
“بص أنا همشي، بس حسيت إني محتاج أتكلم، وأنت أقرب صاحب لي.”
صديق وحيد (بنرفزة):
“كنت، كنت يا وحيد، لكن لحد القتل، لا. أنسى، مش عايز أعرفك تاني.”
وحيد
“بشوقك يا صحبي.”
صديق وحيد يتنهد بينما وحيد يلتفت ويسير باتجاه السطح المقابل، من حيث أتى. صديق وحيد يتبعه بنظره، ثم يناديه:
“وحيد!”
يعود وحيد إليه وهو محني الرأس، ويشعر باليأس الشديد.
صديق وحيد:
“أنت عارف إننا طول عمرنا مع بعض على الحلوة والمرة. وعارف ومتاكد إني وأنا وأنت عكينا الدنيا كتير، لكن كنا بنتشاقى. اللي عملته مش قليل يا صحبي. ولولا إني عارف إنك أطيب من جواك، ما كنت هسمعلك.”
وحيد يرتمي في أحضان صديقه وهو يبكي بشدة وينهار، قائلاً:
“أقسم بالله مكان قصدي، أنا مكنتش في وعيي. الزفت اللي كنت واخده مأثر عليا، ومخليني مش عارف أعمل إيه. أمي دي تراب جزمتها يساوي عندي الدنيا وما فيها. لو رجعت، والله لأعيش خدام تحت رجليها.”
صديق وحيد يقوم بضمه بشدة، ويواسيه بلطف، محاولًا التخفيف عنه:
“طيب استهدى بالله، وخلينا نشوف هنعمل إيه.”
يجلس وحيد وصديقه، ثم يقوم صديق وحيد بإخراج سيجارة ويعطيها إلى وحيد. يظل ينظر إليه وهو يبكي.
منزل شريفة
شريفة تجلس على أريكتها، وهي ممسكة بالشيك وتنظر إليه بسعادة، وكأنها تحلم بما ستفعله بتلك النقود. حتى يقطع تفكيرها صوت جرس الباب. ترتبك قليلاً وتبحث عن مكان لتخبئ الشيك. رفعت جلسة الأريكة الإسفنجية ووضعت الشيك أسفلها، ثم اتجهت نحو الباب وهي تهندم نفسها. قامت بفتح الباب، ويدخل محسن في هدوء شديد وهو يشعل سيجارة.
محسن:
“مش ناوية تديني مفتاح للشقة، بدل كل مرة استنى كل ده؟”
شريفة (بدلع):
“لا بعينك.”
محسن (ينظر إليها بإعجاب شديد):
“وماله، من حقك برده. والله اللي يشوفك في الشغل وأنتي ناشفة كده، ميقولش إنك في البيت. حتة البسبوسة اللي وقفة قدامي دي.”
شريفة (تجلس على الأريكة):
“إنت بتعاكس بقي؟”
محسن (بثقة):
“أه بعاكس.”
يحاول الاقتراب منها لكنها تتهرب منه.
شريفة:
“لسة بدري مالك متسربع ليه؟ مش عوايدك يعني.”
محسن (يباغتها بالسؤال):
“هو مين كان عندك هنا؟”
شريفة (ترتبك بشدة):
“هيكون عندي مين يعني؟ مكنش عندي حد، وإيه السؤال ده؟ منتا جيت لقيتني قعدة مستنياك أهى.”
محسن (يرد بهدوء وتهكم وكأنه متأكد من وجود شخص آخر):
“لا أبداً، أصلي لمحت حد كان خارج من العمارة، وأنا عارف إن أغلب العمارة فاضية، فقلت يمكن كان عندك ضيوف ولا حاجة.”
شريفة (تهدأ قليلاً):
“لا أبداً، وبعدين هيكون عندي ضيوف إزاي؟ وأنا عارفة إنك جاي.”
تحاول تغيير الموضوع، فتخرج الفلاشة من جيب بيجامتها، وتقوم بإعطائها له.
شريفة:
“فلاشتك أهى، مع إنّي مش عارفة هي شغلاك قوي كده ليه. إنت كده كده معاك أكسس على كل حاجة.”
محسن:
“آه معايا أكسس على حاجة. بس المعلومات دي لو خرجت مش يوسف بس اللي هيتأذى. أنتي ناسية إني شريك، يعني أنا كمان بيتي هيتخرب. مع إنّي لحد دلوقتي مستغرب إنتي ليه ما قولتليش إنك هتعملي كده.”
شريفة (بدلع، وهي تقترب منه):
“منا قولتلك بحافظ عليك. أمان يعني. أفرض يوسف عمل أي حاجة، ما تبقاش عارف راسك من رجليك.”
محسن (يبدأ بالضعف أمامها ويتعرق):
“آه ممكن برده. ما تيجي نشوف الموضوع ده جوة أحسن، لحسن الجو هنا حر قوي.”
مشاعر
يجلس يوسف على سريره، ممسكا بصورة زوجته وابنته. الإضاءة خافتة، وصوت المسجل هادئ، والسيدة أم كلثوم تشدو بجزء من أغنيتها “فات الميعاد”. يتطلع إليهم، ويظهر في عينيه شوق كبير. تدمع عيناه وهو ينظر إليهم في صمت شديد. يتخيل أنه يسمع صوت طفلته وهي تنادي عليه:
“بابا، أصحي، يالا يا بابا.”
ويستيقظ ليشاهدها أمامه، فيحتضنها بحب وحنان. ينظر إليها فرحًا، ثم تتحدث إليه:
“هو انت بتبصلي كده ليه يا بابا؟”
فيقوم بالرد عليها:
“علشان إنتي أجمل وأحلى حاجة أنا بحبها في حياتي.”
ثم يسمع صوت زوجته قادمة إليه، فينظر إليها نظرة مطولة وهي تحدثه:
“هتفضل تبصلي كده كتير؟ يالا بطل دلع واصحي، الظهر قرب.”
وهو يظل ينظر إليها، فيظهر عليها الخجل الشديد. فيضحك وهو يحدثها:
“عرفتي ليه بحب أفضل أبصلك؟ علشان أشوف الخدود دي وهى مكسوفة.”
وابنتهما تنظر إليهم، ثم تقفز فوق والدها في غفلة منه. يستفيق ثم يضع الصورة بجانبها، ولكن ذلك الهدوء الذي يخيم على المكان يقتله بشدة. يشعر أن مشاعره تستنزف، أنه بلا طاقة لاستيعاب أي شيء آخر.
ولكن فجأة يتذكر “مي”، ويتذكر وهو يجلس معهم على المائدة، واشتياقه التام لتلك الجلسة في حضن العائلة. ويتذكر نفسه وهو يسترق النظر إليها. نعم، هو يشعر باتجاهها بشعور يعرفه جيدًا. يشعر معها وكأنه يجلس مع زوجته. يقول في ذاته إن هذا الشعور نابع من اشتياقه لزوجته، ولكن كيف؟ كيف استطاع أن يسمح لنفسه بأن يتملكه هذا الشعور؟ هل هي رغبة في وجودها لمجرد التشابه؟ أم أنها





